السودان ومصر أكبر من حملات التحريض..

حاجب الدهشة
علم الدين عمر
في ظل محيط إقليمي مضطرب تتداخل فيه المصالح.. وتتصارع الحسابات.. وتتحرك حملات التضليل والتشويش.. شهدت الساحة محاولات مستميتة لتغذية الشرارة التي تطايرت شظاياها علي جدار العلاقات السودانية المصرية المتين وتحويلها لمشروع فتنة بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح الإستراتيجية.. وتفرض عليهما الظروف الراهنة التمسك بالتنسيق والتكامل..وتجاوز الإنزلاق إلى العداء والتصعيد..
رحم الله الضحايا الذين رحلوا.. وألهم ذويهم الصبر والسلوان.. ونسأل الله الشفاء للمصابين.. وأن تتكشف الحقائق كاملة..وتُحدد المسؤوليات..
إن حادثة إطلاق النار على سائقين مصريين في الخرطوم.. بالتزامن مع تداول مقطع اعتداء على مواطن مصري قيل إنه وقع في جدة.. تستوجب كذلك تحقيقاً جاداً وموقفاً مسؤولاً.. يتجاوز الإستنتاجات المتعجلة.. فالتزامن وحده لا يكفي لإثبات وجود مخطط واحد..كما أن خطورة الوقائع لا تبرر تجاهل إحتمالات إستغلالها لإشعال أزمة تتجاوز حدودها الجنائية والأمنية..
ينبغي أن تتقدم الحكمة على الإنفعال.. والحقائق على الشائعات.. ومصلحة الدولة على ضجيج المنصات في هذا التوقيت..
إن إعلان مجلس السيادة تشكيل لجنة رفيعة المستوى للتوجه إلى مصر والتنسيق مع الجانب المصري يمثل مساراً مؤسسياً ينبغي منحه فرصته الكاملة..لأنه السبيل الأمثل لإعمال المهنية والتقدير المسؤول للتداعيات الأمنية والسياسية.. من واجب البلدين تنسيق الجهود.. وتبادل المعلومات.. وكشف ملابسات الأحداث..واتخاذ الإجراءات التي تحفظ الحقوق وتصون العلاقات وتفوت الفرصة علي المتربصين..
من حق مصر..مثلما هو حق السودان.. حماية أمنها القومي وحدودها من الإختراق والتهديد.. فالمنطقة تمر بظروف بالغة الخطورة والتعقيد.. تتحرك خلالها المليشيات والجماعات المسلحة والمتفلتون.. وتتزايد محاولات إستغلال السيولة الأمنية والتوترات الإقليمية.. وفي مثل هذه البيئة.. يصبح التنسيق الأمني ضرورة لا تحتمل التهاون.. دون أن يكون مبرراً للتسرع أو تحميل الشعوب مسؤولية تصرفات الأفراد..
السؤال الحتمي الذي لابد من وضعه علي طاولة القضية.. من المستفيد من تحويل هذه الأحداث إلى أزمة بين الخرطوم والقاهرة؟..
إن حملات التحريض والتعبئة متى استهدفت تأجيج الغضب وتوجيهه نحو خصومات إقليمية فإنها تخدم أجندات لا تخدم بالطبع مصالح السودانيين والمصريين.. ولذلك لابد من الحذر من محاولات إستثمار الحوادث.. مع التمييز بين الوقائع المثبتة والإتهامات السياسية المغرضة..
لقد فتحت مصر أبوابها أمام ملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى مغادرة ديارهم.. فوجدوا فيها ملاذاً آمناً وفرصة لمواصلة حياتهم.. وشكلت صمام الأمان الأول لإستعادة مؤسسات الدولة السودانية.. هذه الحقيقة تفرض قراءة العلاقة في سياقها الأوسع.. وعدم السماح لحوادث الأفراد بأن تتحول إلى خصومة بين شعبين.. والدولتين اللتين إقتربتا من بعضهما إقتراباً مخيفاً لأعدائهما..
ولا ينبغي أن يخضع هذا التكامل والتنسيق للمزايدات أو الإنتقائية السياسية..
إن السودان وهو يخوض حرباً قاسية دفاعاً عن سيادته ومؤسساته.. أحوج ما يكون إلى تحصين علاقاته الإقليمية.. ومصر ليست دولة عابرة في حساباته.. كما أن السودان يمثل عمقاً إستراتيجياً مهماً و حقيقياً لها.. ولذلك فإن التنسيق والتكامل بين البلدين مصلحة متبادلة تفرضها الجغرافيا والتحديات المشتركة..
المطلوب اليوم أن تنتظر الجماهير نتائج التحقيقات والإتصالات الرسمية.. وأن تضطلع المؤسسات الإعلامية بمسؤوليتها في مواجهة الشائعات.. وألا تتحول منصات التواصل إلى ساحات للتحريض والتعميم وإصدار الأحكام المسبقة.. فالشفافية المسؤولة.. والمحاسبة القانونية..والتواصل بين الدولتين هي الطريق إلى احتواء الأزمة ومنع تكرارها..
الوطنية الحقيقية أن نحمي حقوق مواطنينا.. ونصون أمن بلادنا..ونمنع خصومنا من توظيف غضبنا ضد مصالحنا..
أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب بالسودانيين أن تدفعهم إلى خسارة أصدقائهم وجيرانهم..وعزل أنفسهم عن محيطهم.. وتحويل الأزمات العابرة إلى عداوات دائمة.. هذا مسار سُخرت له الإمكانيات المادية والبشرية.. وتشبثت به غرف المليشيا الإعلامية والمجتمعية والسياسية كآخر محاولاتها المستميتة لإحداث ثغرة في الجدار المتماسك بين البلدين لتأجيج الصراعات بوادي النيل..ىوشغل الدولتين والشعبين بصراعات تضعف موقفهما القوي والواضح وتنسيقهما العالي والمتقدم..
فلنترحم على الضحايا.. ولنترك للتحقيق أن يكشف الحقيقة.. وللدبلوماسية والأجهزة المختصة أن تؤديا دورهما.. ولنتذكر أن السودان ومصر أكبر من هذه الحوادث العارضة.. وأعمق من حملات التحريض الموجهة.. وأن أمنهما ومصالحهما المشتركة لا تحتملان العبث..
نعود
/////////////



