حين يصبح انقطاع الكهرباء تجارة وتتحول معاناة المواطن إلى مصدر للثراء

من القاهرة إلى الخرطوم وبورتسودان.. حكايات العائدين من رحلة الاستقرار المجهضة وأسئلة الوطن الذي غلب فيه السوق الحكام


بقلم / محمد فؤاد عيد


في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة تلك المدينة التي أصبحت بفعل الحرب ملاذاً لمئات الآلاف من السودانيين وجدت نفسي أمام مشاهد وحكايات تستحق التوقف والتأمل ليس لأنها تحمل جديداً عن مأساة الحرب التي يعرفها الجميع وإنما لأنها تكشف وجهاً آخر من وجوه المعاناة السودانية وجهاً ربما لا تصله عدسات الكاميرات ولا تتصدر تفاصيله نشرات الأخبار التقيت بعدد من السودانيين الذين جمعهم قاسم مشترك هو الحنين إلى الوطن والرغبة في العودة إليه رغم كل ما أصابه من دمار وخراب.

بعض هؤلاء اتخذ بالفعل قرار العودة إلى السودان ليس بقصد الزيارة العابرة أو تفقد الممتلكات وإنما بنية الاستقرار النهائي وإعادة ترتيب الحياة بعد سنوات من النزوح واللجوء.

حزموا حقائبهم وودعوا القاهرة وعادوا إلى مدنهم وأحيائهم يحملون آمالاً كبيرة بأن تكون الظروف قد تحسنت وأن يكون الوطن رغم جراحه قادراً على احتضان أبنائه من جديد.

لكن المفارقة المؤلمة أن عدداً ممن التقيتهم عادوا مرة أخرى إلى القاهرة بعد أسابيع أو أشهر من محاولات الاستقرار وقد تبددت كثير من آمالهم أمام واقع معيشي بالغ القسوة عادوا لا لأن حب الوطن تراجع في نفوسهم ولا لأن الغربة أصبحت أحب إليهم من بيوتهم وأحيائهم وإنما لأن الحياة اليومية داخل السودان وضعتهم أمام معادلة قاسية فإما البقاء وسط أزمات متلاحقة لا يملكون القدرة على تحمل تكاليفها وإما العودة إلى الخارج بحثاً عن الحد الأدنى من الاستقرار.

كانت أحاديثهم تتقاطع عند تفاصيل تكاد تكون واحدة انقطاع الكهرباء وشح المياه والارتفاع المستمر في الأسعار وتكلفة الحصول على الخدمات الأساسية وضعف القدرة الشرائية وتعقيدات الحياة التي تجعل من أبسط الاحتياجات اليومية معركة مرهقة.

ولفت انتباهي أن كثيراً من هذه الشكاوى لا يتعلق مباشرة بالعمليات العسكرية وإنما يتصل بكيفية إدارة الاقتصاد والخدمات في المناطق التي عادت إليها مظاهر الحياة وتعمل فيها مؤسسات الدولة بدرجات متفاوتة.

وبينما كنت أستمع إلى تلك الروايات استوقفتني فكرة تكررت في مضمون أحاديث أكثر من شخص ويمكن اختصارها في عبارة واحدة:

«السوق والتجار غلبوا الحكام».

عبارة تبدو للوهلة الأولى شديدة القسوة لكنها تفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد ارتفاع الأسعار أو ضعف الخدمات.

هل أصبحت بعض المصالح التجارية أقوى من قدرة الدولة على تنظيم الأسواق؟

وهل باتت الأزمات التي يعاني منها المواطن مصدراً للربح عند فئات تستفيد من استمرار النقص والندرة؟

وهل يمكن أن تكون هناك مصالح اقتصادية لا تتحمس لإنهاء بعض الأزمات لأن استمرارها يوفر لها عوائد مالية ضخمة؟

ثم أين تقف الدولة من كل ذلك؟

هل هي عاجزة عن مواجهة هذه الظواهر أم أن ضعف مؤسساتها وغياب الرقابة أفسحا المجال أمام نشوء اقتصاد موازٍ يتغذى على معاناة الناس؟

هذه ليست اتهامات أوجهها إلى أشخاص أو مؤسسات بعينها وإنما أسئلة يفرضها الواقع وتستحق تحقيقاً اقتصادياً ورقابياً جاداً.

 

العودة إلى الوطن.. حين يتحول الحلم إلى صدمة :

 

من أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان أن يعود إلى وطنه بعد غياب قسري ثم يكتشف أن الوطن الذي اشتاق إليه لم يعد قادراً على توفير أبسط مقومات الحياة.

فالعودة ليست مجرد عبور للحدود ولا استعادة عنوان قديم ولا زيارة منزل أو حي أو مدينة وإنما هي محاولة لاستعادة الإحساس بالأمان والانتماء والاستقرار.

لكن كيف يستقر المواطن في مدينة لا يعرف متى تصلها الكهرباء؟

وكيف يخطط لمستقبل أسرته بينما ترتفع تكلفة الغذاء والدواء والمواصلات والخدمات بصورة تفوق دخله وقدرته على الاحتمال؟

وكيف يعود صاحب المهنة أو الحرفة إلى عمله إذا كانت تكلفة التشغيل تلتهم ما يمكن أن يجنيه من أرباح؟

إن الحرب بلا شك تتحمل المسؤولية الأكبر عن الدمار الذي أصاب البنية التحتية والإنتاج والخدمات لكن ذلك لا يعفينا من مناقشة مسؤولية الإدارة الاقتصادية وغياب التخطيط وضعف الرقابة على الأسواق.

فليس كل ما يعانيه السودان اليوم وليد أبريل 2023 إذ إن كثيراً من الأزمات كانت موجودة قبل الحرب ثم جاءت الحرب لتضاعف آثارها وتكشف هشاشة المؤسسات التي كان يفترض أن تديرها.

والسؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه هو: هل نريد فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب أم نريد أيضاً إصلاح المنظومة التي عجزت طوال عقود عن تحويل موارد السودان إلى خدمات مستقرة وحياة كريمة؟

 

الكهرباء.. حين يصبح الظلام سوقاً مفتوحة :

 

من بين أكثر القضايا التي تكررت في أحاديث العائدين إلى السودان كانت أزمة الكهرباء حاضرة بصورة لافتة وهي أزمة لا يمكن فصلها عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بمحطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع بسبب الحرب وما صاحبها من تخريب ونهب وتعطل أعمال الصيانة ونقص التمويل.

لكن ما يستحق التوقف ليس انقطاع الكهرباء وحده وإنما الاقتصاد الواسع الذي نشأ حول هذا الانقطاع.

فحين تغيب الكهرباء لا تتوقف الإضاءة وحدها وإنما تتعطل المصانع والورش وتتضرر المستشفيات والمراكز الصحية وتتلف المواد الغذائية وترتفع تكلفة الإنتاج وتنكمش فرص العمل وحين تصبح الشبكة العامة عاجزة عن تلبية احتياجات المواطنين يضطر الناس للبحث عن بدائل مهما بلغت تكلفتها.

وهنا تتسع أسواق المولدات والبطاريات والمحولات والألواح الشمسية ومستلزمات الطاقة البديلة.

ومن المهم التأكيد أن هذه التجارة مشروعة في أصلها بل أصبحت ضرورة لحماية حياة كثير من الأسر وتشغيل المؤسسات الصحية والمزارع والمشروعات الصغيرة.

ولولا توفر بعض هذه البدائل لكانت معاناة المواطنين أشد قسوة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاحتياج الإنساني إلى فرصة للاحتكار والمغالاة واستغلال غياب الرقابة وحين يصبح المواطن مضطراً إلى شراء البديل بأسعار تفوق قدرته المالية دون أن تتوفر له ضمانات الجودة أو الحماية من الممارسات التجارية غير العادلة حيث أصبحت الطاقة الشمسية في مناطق واسعة من السودان واحدة من أهم وسائل مواجهة أزمة الكهرباء.

وهو تطور يمكن أن يمثل فرصة اقتصادية حقيقية إذا أُحسن تنظيمه وربطه بخطط وطنية للطاقة.

لكن من حق المواطن أن يسأل عن أسعار هذه الأنظمة وتكاليف استيرادها وجودتها وهوامش الأرباح ومدى وجود منافسة عادلة بين الموردين.

ومن حقه كذلك أن يتساءل عما إذا كانت هناك ممارسات احتكارية أو مصالح تستفيد بصورة غير مشروعة من استمرار الأزمة.

ولا ينبغي أن يتحول انتشار الطاقة البديلة إلى مبرر لتراجع مسؤولية الدولة عن إصلاح الشبكة العامة فالحلول الفردية مهما بلغت أهميتها لا تستطيع أن تحل بالكامل محل بنية كهربائية وطنية مستقرة وقادرة على خدمة الصناعة والزراعة والمستشفيات والمنازل.

والأخطر أن يتحول اقتصاد الندرة من استجابة مؤقتة للأزمة إلى منظومة مصالح دائمة يصبح فيها استمرار الأزمة أكثر ربحية لبعض الأطراف من معالجتها.

عندئذ لا يعود انقطاع الكهرباء مجرد خلل فني بل يتحول إلى قضية اقتصادية واجتماعية تستدعي السؤال عن العلاقة بين مصالح السوق وأولويات الدولة.

فالدولة التي تسمح بأن يتحول عجزها عن توفير الخدمات الأساسية إلى سوق بلا ضوابط إنما تنقل تكلفة فشلها من مؤسساتها إلى جيوب مواطنيها.

ولعل المفارقة أن السودان يمتلك موارد مائية وإمكانات واسعة للاستفادة من الطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الإنتاج لكنه لا يزال يواجه صعوبة في تحويل هذه الإمكانات إلى كهرباء مستقرة وميسورة التكلفة.

فامتلاك الموارد شيء والقدرة على إدارتها شيء آخر تماماً.

 

بورتسودان.. أزمة المياه وميناء ينتظر المستقبل :

 

لم تقتصر الأحاديث التي استمعت إليها على الخرطوم ومدن الوسط فقد حضرت بورتسودان أيضاً بوصفها نموذجاً يستحق التأمل في العلاقة بين الخدمات العامة والإدارة الاقتصادية والمصالح المتشابكة.

فهذه المدينة التي اكتسبت أهمية استثنائية خلال الحرب واستقبلت أعداداً كبيرة من النازحين وأصبحت مركزاً رئيسياً لإدارة جانب واسع من شؤون الدولة ظلت تواجه تحديات معقدة في خدمات المياه والبنية التحتية.

وأزمة مياه الشرب في بورتسودان ليست جديدة بل تعود إلى سنوات طويلة من صعوبات الإمداد ومحدودية المصادر واحتياجات التوسع العمراني.

ثم جاءت الحرب وما صاحبها من زيادة سكانية وضغوط على الخدمات فضلاً عن كارثة انهيار سد أربعات في أغسطس 2024 لتضيف تعقيدات جديدة إلى المشهد.

ويبقى السؤال .. كيف يمكن لمدينة بهذه الأهمية الاستراتيجية تضم الميناء البحري الرئيسي للبلاد وتؤدي دوراً محورياً في الاقتصاد الوطني أن تظل عاجزة عن ضمان إمداد مستقر من مياه الشرب؟

وهل كانت الأزمة دائماً أزمة موارد طبيعية فقط أم أنها أيضاً أزمة تخطيط وإدارة وأولويات استثمارية؟

إن توفير المياه ليس ترفاً ولا مشروعاً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية بل هو حق أساسي من حقوق السكان وشرط لا غنى عنه لأي تنمية اقتصادية أو عمرانية لذلك من هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في مشروعات الإمداد المائي وحماية مصادر المياه وتوسيع الشبكات ورفع كفاءة التوزيع مع إخضاع إدارة هذا القطاع للرقابة والشفافية.

أما القضية الثانية فهي مستقبل ميناء بورتسودان ذلك المرفق الذي يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد السوداني.

فالموانئ في عالم اليوم لم تعد مجرد أرصفة ترسو عندها السفن وتفرغ عليها الحاويات وإنما أصبحت منظومات اقتصادية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا وسرعة المناولة والربط اللوجستي وكفاءة الإدارة والقدرة التنافسية.

والسودان لا يستطيع أن يطمح إلى بناء اقتصاد قوي إذا ظل تطوير موانئه رهيناً للصراعات الإدارية والخلافات المتكررة والقرارات المرتجلة.

وهنا تبرز قضية حساسة تتعلق بالعلاقة بين التحديث والمصالح القائمة.

فمن حق العمال الدفاع عن وظائفهم ومكتسباتهم ورفض أي سياسات تضر بحقوقهم المشروعة لكن من واجب الدولة أيضاً أن تقدم رؤية واضحة لتطوير الموانئ وتحديث إدارتها ورفع كفاءتها مع ضمان التدريب والحماية الوظيفية والتمثيل العادل للعاملين حيث لا يجوز تصوير العمال باعتبارهم عائقاً أمام التطوير كما لا يجوز أن تتحول حماية المصالح القائمة إلى سبب يمنع أي إصلاح ضروري.

فالميناء ليس ملكاً لحكومة عابرة أو إدارة مؤقتة أو مجموعة مصالح وإنما هو مرفق قومي تتوقف عليه حركة الصادرات والواردات ومستقبل التجارة السودانية والميناء الذي لا يتطور يتراجع حتى لو ظلت سفنه ترسو وأرصفته تعمل.

إن تأخر تحديث الموانئ لا يدفع ثمنه العامل أو المستثمر وحده بل يدفعه المواطن الذي يتحمل في نهاية المطاف ارتفاع تكلفة النقل والتخليص والتخزين وأسعار السلع.

 

من المستفيد من استمرار الأزمات :

 

هذا هو السؤال الذي أراه الأكثر حساسية في المشهد الاقتصادي السوداني الراهن.

فليس كل من يعمل في التجارة مستغلاً وليس كل من يحقق أرباحاً من توفير سلعة أو خدمة مسؤولاً عن الأزمة التي أوجدت الطلب عليها.

بل إن كثيراً من التجار ورجال الأعمال والموردين لعبوا أدواراً مهمة في توفير الغذاء والدواء والوقود والطاقة واحتياجات المواطنين خلال سنوات الحرب وتحمل بعضهم مخاطر مالية وأمنية كبيرة للحفاظ على سلاسل الإمداد.

لكن الاعتراف بهذا الدور لا ينبغي أن يمنعنا من طرح أسئلة مشروعة عن الاحتكار والمضاربة والفساد واستغلال الظروف الاستثنائية.

فالفارق كبير بين تاجر يستثمر أمواله لتوفير خدمة يحتاجها الناس وبين من يستغل غياب المنافسة وضعف الرقابة لفرض أسعار غير عادلة أو تعطيل الإصلاح الذي قد يهدد امتيازاته.

والفارق أكبر بين اقتصاد ينتج الثروة ويوسع فرص العمل واقتصاد يقوم على إدارة الأزمات وتوزيع المكاسب الناتجة عن استمرارها.

وما أخشاه أن يتحول اقتصاد الحرب تدريجياً إلى اقتصاد دائم تتشكل حوله شبكات من المصالح التجارية والإدارية والمالية ثم تصبح هذه الشبكات قوة مؤثرة في القرارات الاقتصادية.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل توجد مصالح تستفيد من استمرار انقطاع الكهرباء؟

هل هناك من يحقق مكاسب استثنائية من شح المياه وارتفاع تكلفة نقلها وتوزيعها؟

هل تسهم ممارسات احتكارية أو قيود إدارية في ارتفاع أسعار السلع والخدمات؟

وهل تقف وراء تعطيل بعض مشروعات الإصلاح أسباب فنية ومالية حقيقية أم أن هناك أيضاً مصالح لا ترغب في تغيير الواقع القائم؟

لا أزعم امتلاك إجابات موثقة عن هذه الأسئلة ولا يجوز تحويل الشك إلى إدانة لكن واجب الصحافة أن تضعها على طاولة النقاش وتطالب الجهات المختصة بالتحقيق والشفافية ونشر المعلومات.

فليس المطلوب محاكمة السوق لمجرد أنه يسعى إلى الربح وإنما منع تحويل الحاجة الإنسانية إلى أداة للاستغلال.

والحقيقة أن المواطن السوداني بات يدفع تكلفة الأزمة أكثر من مرة.

يدفعها عندما يشتري الكهرباء البديلة.

ويدفعها عندما يبحث عن مياه الشرب.

ويدفعها عندما يشتري الدواء والغذاء.

ويدفعها عندما ترتفع تكلفة المواصلات والنقل.

ثم يدفعها مرة أخرى حين يكتشف أن دخله لم يعد يكفي لتغطية احتياجات أسرته.

وعندما تصبح هذه المعاناة جزءاً دائماً من الحياة اليومية فإننا لا نكون أمام أزمة اقتصادية عابرة بل أمام خلل عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق.

 

السودان الغني الذي يعجز عن خدمة أهله :

 

من المفارقات التي ظلت تلازم الاقتصاد السوداني أن هذا البلد يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون واحداً من الاقتصادات المنتجة في محيطه الإقليمي ومع ذلك ظل مواطنه يعاني من أزمات متكررة في الخدمات الأساسية.

أراضٍ زراعية شاسعة وثروة حيوانية كبيرة وموارد معدنية ومياه وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين أفريقيا والعالم العربي وموانئ على البحر الأحمر تمنحه فرصاً تجارية ولوجستية مهمة.

لكن هذه المقومات لم تنعكس بالقدر المطلوب على حياة المواطن ولذلك لم تعد العبارة التقليدية التي نرددها منذ سنوات بأن السودان بلد غني بموارده وفقير بإدارته كافية لتفسير ما يجري.

فالمشكلة ليست فقط في الإدارة وإنما في طبيعة السياسات الاقتصادية وغياب الاستمرارية وضعف المؤسسات وتداخل المصالح العامة والخاصة وافتقار كثير من المشروعات إلى التخطيط طويل الأجل.

لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة؟

ولماذا نبدأ من الصفر عند كل تحول سياسي؟

ولماذا يتحول إصلاح مرفق عام إلى معركة بين جهات مختلفة بدلاً من أن يكون مشروعاً قومياً تتضافر حوله الجهود؟

ولماذا يظل المواطن آخر من يستفيد من ثروات بلاده وأول من يتحمل تكلفة الأزمات؟

إن السودان لا يحتاج إلى إعادة بناء المنشآت التي دمرتها الحرب فحسب بل يحتاج إلى مراجعة شاملة للطريقة التي تدار بها الدولة بل يحتاج إلى مؤسسات تستطيع مواجهة الاحتكار دون معاداة الاستثمار وحماية العمال دون تعطيل التطوير وتشجيع القطاع الخاص دون التخلي عن مسؤولية توفير الخدمات الأساسية.

ويحتاج إلى شفافية تكشف تكلفة المشروعات وعقود التوريد وأساليب الشراء والإنفاق العام وإلى أجهزة رقابية تملك الاستقلال والقدرة على مساءلة المتجاوزين.

كما يحتاج إلى خطط واضحة لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء والمياه والموانئ والإنتاج الزراعي والصناعي مع تحديد الأولويات ومصادر التمويل وآليات التنفيذ.

فهيبة الدولة لا تقاس بعدد المسؤولين ولا بحجم المواكب الرسمية ولا بكثرة التصريحات عن إعادة الإعمار.

هيبة الدولة الحقيقية تقاس بقدرتها على توفير الماء والكهرباء والأمن والعدالة وحماية المواطن من الاستغلال وتحويل موارد البلاد إلى حياة كريمة لأهلها.

 

من القاهرة إلى السودان.. حين تصبح العودة رحلة بلا استقرار :

 

عدت بعد تلك اللقاءات في القاهرة أفكر طويلاً في المفارقة التي يعيشها كثير من السودانيين.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن العودة الطوعية واستئناف الحياة وإعادة الإعمار هناك من يعود بالفعل إلى بلده مدفوعاً بالشوق والأمل ثم يجد نفسه مضطراً إلى المغادرة مرة أخرى بسبب صعوبة الحياة.

إن عودة المواطنين إلى السودان لا ينبغي أن تقاس بأعداد الذين يعبرون الحدود أو يصلون إلى المطارات ومحطات السفر وإنما بقدرة هؤلاء العائدين على البقاء والاستقرار واستعادة حياتهم الطبيعية.

فما قيمة أن يعود المواطن إلى منزله إذا كان عاجزاً عن توفير الكهرباء والمياه والغذاء والدواء؟

وما جدوى الحديث عن الاستقرار إذا كان رب الأسرة لا يستطيع أن يخطط لمصروفات أسبوع واحد بسبب تقلب الأسعار؟

وكيف يمكن تشجيع العودة إذا كانت كلفة الحياة في بعض المناطق تفوق قدرة أسر فقدت أعمالها ومدخراتها ومصادر دخلها خلال الحرب؟

إن قصص العائدين الذين اضطروا إلى مغادرة السودان مرة أخرى تستحق الدراسة ليس باعتبارها حالات فردية معزولة وإنما بوصفها مؤشراً يستدعي البحث عن العقبات التي تحول دون عودة مستقرة وآمنة ولا يعني ذلك تجاهل ما تحقق من جهود لإعادة تشغيل بعض المرافق أو استعادة الخدمات في عدد من المناطق ولا إنكار حجم التحديات الهائلة التي تواجه مؤسسات الدولة بعد سنوات من القتال والدمار.

لكن الاعتراف بصعوبة الظروف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعليق المسؤولية إلى أجل غير معلوم.

فالمواطن الذي تحمل الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات يحتاج اليوم إلى أكثر من الوعود والخطابات.

يحتاج إلى برنامج اقتصادي وخدمي واضح يعيد إليه الثقة في قدرته على العيش داخل وطنه.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان بعد الحرب هو أن تتحول العودة إلى تجربة مؤقتة يعود فيها الناس بدافع الحنين ثم يغادرون بدافع العجز عن مواجهة تكاليف الحياة.

ذلك أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالحجر وحده وإنما تبدأ بالإنسان وبقدرته على العمل والإنتاج والاستقرار.

هل غلب السوق الحكام أم غابت الدولة عن السوق؟

من بين كل الأفكار التي خرجت بها من لقاءاتي في القاهرة ظلت عبارة واحدة تلخص جانباً من الأزمة:

«السوق والتجار غلبوا الحكام».

لكنني أعتقد أن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان السوق قد غلب الحكام فحسب وإنما لماذا تراجعت قدرة الدولة على تنظيم العلاقة بين السوق والمواطن؟

فالتجارة ليست عدواً للدولة والاستثمار ليس نقيضاً للمصلحة العامة والقطاع الخاص شريك لا غنى عنه في إعادة بناء الاقتصاد السوداني.

لكن السوق لا يستطيع وحده أن يحقق العدالة أو أن يضمن وصول الخدمات الأساسية إلى جميع المواطنين بأسعار يستطيعون تحملها.

وهنا تظهر مسؤولية الدولة في وضع القواعد وحماية المنافسة ومكافحة الاحتكار وضمان الشفافية وتوجيه الاستثمار نحو الإنتاج والخدمات المستدامة.

وإذا فقدت الدولة هذه القدرة فإن الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً بل تملؤه مصالح متعددة بعضها مشروع وضروري وبعضها قد يجد في استمرار الاختلالات فرصة لتحقيق مكاسب لا تتوفر في الظروف الطبيعية.

وأخشى ما أخشاه أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها إصلاح الأزمة أصعب من استمرارها لأن شبكات من المصالح تكون قد نشأت وتوسعت وتكيفت مع الواقع القائم.

عندئذ لن تكون معركة إعادة الإعمار معركة هندسية أو مالية فحسب بل ستكون أيضاً معركة مؤسسية ضد الفساد والاحتكار وسوء الإدارة وكل ما يعطل الإصلاح.

ومن هنا فإن الحديث عن مستقبل السودان ينبغي ألا يقتصر على وقف الحرب وإعادة بناء الجسور والمنازل والمحطات.

بل لا بد أن يمتد إلى سؤال الدولة نفسها.

أي دولة نريد بعد هذه المأساة؟

دولة تكتفي بمراقبة ارتفاع الأسعار وتترك المواطن يبحث عن بديل لكل خدمة غابت؟

أم دولة تملك الإرادة والمؤسسات والقدرة على حماية المصلحة العامة وتوفير البيئة العادلة للإنتاج والاستثمار؟

دولة تعالج الأزمات بعد وقوعها؟

أم دولة تتعلم من أخطائها وتخطط لمنع تكرارها؟

وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة البنية التحتية فإنها كشفت أيضاً هشاشة منظومة الإدارة الاقتصادية التي تحتاج إلى إصلاح لا يقل أهمية عن إصلاح ما دمرته المدافع.

وأخيراً.. متى يصبح الوطن قادراً على استقبال أبنائه؟

غادرت لقاءاتي مع أولئك السودانيين في القاهرة وأنا أحمل شعوراً مختلطاً بين الحزن والقلق والأمل.

الحزن على وطن أصبح بعض أبنائه عاجزين عن الاستقرار فيه رغم شوقهم إليه.

والقلق من أن تستمر الأزمات الاقتصادية والخدمية حتى بعد انحسار العمليات العسكرية.

والأمل في أن تكون هذه المحنة بكل ما خلفته من آلام وخسائر فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي يدار بها السودان.

فالوطن لا يستعيد عافيته بمجرد عودة الناس إلى منازلهم وإنما حين يجدون فيها الأمن والخدمات وفرص العمل والقدرة على العيش بكرامة.

ولا يمكن أن نطالب ملايين السودانيين بالعودة والاستقرار بينما نتركهم وحدهم أمام فواتير الكهرباء البديلة والمياه والغذاء والدواء وتكاليف الحياة التي لا ترحم.

إننا لا نريد دولة تعادي التجار أو تحاصر المستثمرين بل دولة تمنع الاحتكار وتكافئ الإنتاج وتحمي المنافسة وتضع مصلحة المواطن فوق المصالح الضيقة ولا نريد أن نحمّل الحرب وحدها مسؤولية كل إخفاق لأن بعض الأزمات سبقتها بعقود كما أن بعض مظاهر سوء الإدارة قد تستمر بعدها إذا لم تتوفر الإرادة الحقيقية للإصلاح.

ويبقى السؤال الذي أعود إليه كلما تذكرت أحاديث السودانيين الذين حاولوا العودة ثم اضطروا إلى الرحيل من جديد:

هل نستطيع بناء دولة ينتصر فيها حق المواطن في الحياة الكريمة على مصالح المستفيدين من الأزمات؟ أم أننا سنظل نبدل الحكومات بينما تبقى المشكلات نفسها وتزداد معها ثروات البعض وفواتير الأغلبية؟

إن الحرب قد تدمر محطات الكهرباء وتهدم المنازل وتعطل الموانئ وشبكات المياه.

لكن الأخطر أن تتحول نتائج هذا الدمار إلى مصالح اقتصادية تدافع عن بقاء الواقع على حاله.

وعندما يصبح الظلام مصدراً للثراء فإن معركة استعادة النور لن تكون معركة فنية وحدها بل معركة من أجل استعادة قدرة الدولة على حماية مواطنيها من كل من يجد في استمرار معاناتهم مصلحة له.

ذلك هو السؤال الذي حملته من القاهرة وتلك هي القضية التي ينبغي أن تواجه كل من يتصدى اليوم أو غداً لمسؤولية حكم السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى