بين مطرقة الاقتلاع وسندان التربية: كيف نحمي هُوية أبنائنا ونبني استقلاليتهم في مهجر الشتات؟

أجيال النيل

بقلم/ دكتورة سهام موسى مصر


 

بين مطرقة الاقتلاع وسندان التربية: كيف نحمي هُوية أبنائنا ونبني استقلاليتهم في مهجر الشتات؟

 

حين تقتلع الحربُ الإنسانَ من جذوره، لتلقي به في دروب الشتات واللجوء، لا تتوقف المعركة عند حدود تأمين المأوى ولقمة العيش، بل تمتد لتطال الأعماق النفسية والتربوية للأسر. وبصفتي أخصائية نفسية ومرشدة اجتماعية وتربوية تعايش عن قُرب هموم الأسر السودانية المقيمة واللاجئة في مصر، أرى يوماً بعد يوم كيف تضاعفت أعباء التربية في ظروف الاستثنائية؛ فالتحدي لم يعد مقصوراً على مواجهة قسوة الغربة وضغوط الحياة، بل تجاوزها إلى صراع خفي داخل جدران المنازل: كيف نربي جيلاً ينتمي إلى جذوره السودانية العريقة، وفي الوقت ذاته نمنحه القدرة على الصمود والتكيف والتفكير المستقل في بيئة جديدة ومتغيرة؟

في خضم هذه التحولات القاسية، تطفو على السطح تساؤلات جوهرية تؤرق كل أب وأم: هل احترام الأبناء لوالديهم يعني أن يتنازلوا عن حقهم في التعبير عن آرائهم واتخاذ قراراتهم؟ وهل السماح للأبناء بالمشاركة في اتخاذ القرار يُضعف سلطة الوالدين، أم يعزز ثقتهم بأنفسهم ويُنمّي شخصياتهم؟

تُظهر الممارسة الميدانية والقراءات التربوية أن بعض الآباء والأمهات يخلطون – حناناً وحرصاً مفرطاً في الغالب – بين الاحترام والطاعة المطلقة. في ظروف الحرب واللجوء، يميل الآباء بالفطرة إلى تشديد القبضة الأمنية والنفسية على أبنائهم؛ خوفاً عليهم من مخاطر الشارع الجديد أو ضياع الهُوية. وينبع هذا أحياناً من اعتقاد خاطئ بأن الاحترام الحقيقي يعني تنفيذ الأوامر دون نقاش، أو قبول القرارات العائلية دون إبداء الرأي.

وفي المقابل، قد يقع الأبناء – وهم يواجهون صدمة الانتقال وثقافة المجتمع الجديد – في فخ الاعتقاد بأن الاستقلالية تعني التمرد على التوجيهات الأسرية ورفض سلطة الوالدين كلياً. وهنا تقف الأسرة أمام مأزق حقيقي: كيف نحافظ على لحمة الأسرة واحترام توجيهات الكبار، دون أن نتحول إلى سجانين يخنقون طاقات الأبناء ومستقبلهم؟

إن سلطة الوالدين في التربية ليست وسيلة لفرض السيطرة المطلقة، ولا أداة لتفريغ مخاوف الكبار على حساب الصغار، بل هي مسؤولية نبيلة تهدف إلى حماية الأبناء وتوجيههم وإعدادهم لمواجهة الحياة بوعي ونضج.

وكلما تقدم الأبناء في العمر، ولا سيما في ظروف الغربة التي تفرض نضجاً مبكراً على الأطفال والشباب، أصبح من الضروري أن تتطور أساليب التربية لدينا. لا يمكننا التعامل مع عقلية الشاب أو الفتاة في مهجر اللجوء بنفس الأدوات التقليدية الصارمة؛ بل يجب أن نمنحهم مساحة أكبر للمشاركة في اتخاذ القرارات، بما يتناسب مع أعمارهم ومستوى نضجهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية.

إن الطفل الذي يُحرم من إبداء رأيه في الأمور التي تخصه، ويُطلب منه تنفيذ الأوامر بحذافيرها دون فهم، غالباً ما يكبر وهو يخشى اتخاذ القرارات، أو يتحول إلى شخص اعتمادي يعجز عن تحديد خياراته بنفسه في مواجهة تحديات الحياة المعقدة.

أما الطفل الذي يُمنح فرصة التعبير عن رأيه، ومناقشة الأفكار مع والديه، والتفكير في عواقب النتائج، فإنه ينشأ بمعزل عن الخوف المزمن، مكتسباً استقلالية حقيقية وقدرة صلبة على تحمل المسؤولية. هذا النهج هو طوق النجاة لأبنائنا في مصر؛ حيث يحتاج الشاب السوداني إلى ثقة عالية بالنفس لشق طريقه في مجتمع جديد دون انصهار يفقد الهُوية أو انغلاق يعيق الاندماج الإيجابي.

إن تبني هذا النهج لا يعني أبداً أن يوافق الوالدان على جميع اختيارات أبنائهما، أو أن يتخلوا عن دورهم التربوي والأخلاقي. بل يعني أن يمارسا سلطتهما بحكمة الكبار، وأن يُفرِّقا بدقة بين قرارات مصيرية تتطلب تدخلاً حاسماً لحماية الأبناء من المخاطر أو الانحرافات المحتملة في بيئات اللجوء المفتوحة، وقرارات شخصية ومستقلة: يمكن منح الأبناء فيها مساحة واسعة للاختيار، والتجربة، والوقوع في الخطأ، ثم التعلم منه.

إن نجاح التربية في ظروف الحرب واللجوء لا يُقاس بمدى قدرة الوالدين على فرض قراراتها وإخضاع نفوس الأبناء، بل يُقاس بقدرتها على إعداد أبناء يمتلكون الوعي الذي يساعدهم على اتخاذ قرارات مسؤولة، والاحترام الأصيل الذي يحفظ علاقاتهم الأسرية والمجتمعية، والثقة التي تُمكّنهم من مواجهة صعاب الحياة بثبات.

فلنمنح أبناءنا حق التعبير دون أن نتخلى عن مسؤولية التوجيه، ولنمارس سلطتنا بحنوٍ دون أن نصادر شخصياتهم، ونعلمهم أن احترام الوالدين لا يتعارض أبداً مع التفكير المستقل، وأن الاختلاف في الرأي لا يلغي المحبة قط، ولا ينتقص من مكانة أحد. هكذا نبني الأجيال القادرة على مداواة جراح أوطانهم مستقبلاً، من داخل بيوت قائمة على الحب والحوار والاحترام المتبادل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى