لا ملوك: خريف الغضب الأمريكي

هل تتحطم أوهام “إسرائيل الكبرى” على صخرة الوعي الأمريكي الجديد؟

​بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون

​لم يكن الثامن والعشرون من مارس المنصرم يوماً عادياً في الوجدان السياسي الأمريكي، بل كان اللحظة الفارقة التي عبر فيها الشارع عن عميق وعيه وإدراكه بأن صبره قد تجاوز “حد المرونة”. لقد انهار ذلك الصبر تماماً تحت وطأة مغامرات إدارة ترامب الأخيرة في الشرق الأوسط، لتولد حركة “لا ملوك” (No Kings) وتزلزل أركان واشنطن. هذا الحراك لم يأتِ من فراغ، بل كان انفجاراً لوعي شعبي تراكم ضد سياسة “الشيك على بياض” الممنوح لتل أبيب، بعدما بات واضحاً أن الحروب التي تقودها الإدارة الحالية —بدءاً من مباركة سحق غزة وصولاً إلى شن حرب شاملة على المنشآت العلمية والمدنية في إيران— ليست مجرد خيارات جيوسياسية، بل هي انقياد أيديولوجي أعمى خلف طموحات اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهو ما دفع الناخب الأمريكي للتساؤل بمرارة: هل نحن جمهورية ذات سيادة، أم إمبراطورية في خدمة “أوهام توراتية”؟
​هذا التساؤل الجوهري يربط الحراك الشعبي مباشرة بجذور “الصهيونية المسيحية” التي تغلغلت في مفاصل القرار الأمريكي؛ حيث يرى هذا التيار في ترامب “المخلص” المنوط به تحقيق نبوءات “إسرائيل الكبرى” وتدمير خصومها كشرط مسبق لـ “نهاية العالم” التاريخية. وبينما كان هذا الخطاب يجد صدىً لدى القواعد الانتخابية الصلبة في السابق، إلا أن أحداث عام 2026 قلبت الموازين؛ إذ اكتشف المواطن الأمريكي أن ثمن هذه “الخيالات اللاهوتية” هو استنزاف مباشر لثرواته وأمنه القومي. فبينما تُهدر المليارات لقتل 18 ألف طفل في غزة وتدمير المختبرات الإيرانية وفرض “أبارتهايد علمي” على المنطقة، يعاني الداخل الأمريكي من تآكل البنية التحتية وانهيار الضمانات الاجتماعية، مما جعل شعار “لا ملوك” صرخة دستورية بوجه رئيس يتصرف بصلاحيات ملكية مطلقة، متجاوزاً الكونجرس وإرادة الشعب لخدمة أجندة غريبة عن المصالح الحيوية لواشنطن.
​إن هذا “الزلزال الشعبي” يستند اليوم إلى جبهة عريضة من الشخصيات الوازنة، يتقدمها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز (AOC)، اللذان سخّرا منصتيهما لإدانة “ديكتاتورية الحرب”. كما ترافقه كيانات حقوقية ثقيلة مثل منظمة “Common Cause” والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، اللتين تقودان معارك قانونية لإثبات عدم دستورية تخطي البرلمان في قرارات الحرب. ولا يمكن إغفال المشهد المهيب لمنظمة “About Face” (محاربون قدامى ضد الحرب)، الذين جابوا شوارع نيويورك وواشنطن بملابسهم العسكرية حاملين لافتات صريحة: “لسنا مرتزقة لإسرائيل”. هذا الحراك تعزز بنفوذ ثقافي وفني يقوده “روبرت دي نيرو” و”أرنولد شوارزنجر” بوصفهما الصوت الأخلاقي للحركة، جنباً إلى جنب مع انتفاضة الأوساط الأكاديمية في جامعات النخبة مثل “برينستون” و”هارفارد”. وتحت تأثير محاضرات الصحفي المخضرم “كريس هيدجز”، تحولت الجامعات إلى مراكز عمليات للتظاهرات المليونية التي ضجت بشعارات غاضبة مثل: “لا للفاشية”، “لن تستطيع قصف تورطك في ملفات إيبستين”، و”الديمقراطية تموت حين يصمت الخيّرون”، فيما أطلق عليه المراقبون “خريف الغضب 2026”.
​لقد تجاوزت هذه الاحتجاجات حدود المدن الليبرالية الكبرى لتجتاح “الولايات الحمراء” المحسوبة تقليدياً على الجمهوريين، في تحول جذري يؤكد أن “أمن إسرائيل” بات يُعرّف أمريكياً كعبء أخلاقي ومالي لا يطاق، خاصة حين يصب في مصلحة صراع ديني يسعى لتمدد “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات. هذا الوعي الجديد تغلغل في صفوف المستقلين الذين باتوا يرون في صناديق الاقتراع وسيلة وحيدة لفك الارتباط بهذا “الارتهان الأيديولوجي”. وبذلك، لن تكون انتخابات نوفمبر النصفية المقبلة مجرد منافسة حزبية تقليدية، بل ستكون استفتاءً مصيرياً على هوية الدولة: فإما العودة إلى روح الجمهورية التي تضع “أمريكا أولاً” بصدق، أو الاستمرار في الانجرار خلف مغامرات تقودها نبوءات توراتية قد تنتهي بدمار أمريكا أخلاقياً ومالياً قبل أي شيء آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى