المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: الدبلوماسية تحت مظلة المسيّرات

 

​ بين ضربات «سنتكوم» في بندر عباس والمسودات السرية لهدنة الستين يوماً، تعيش إيران أدق مراحل الصراع العسكري والسياسي، حيث يسعى ترامب لانتزاع تنازلات استراتيجية كبرى بينما تحاول طهران مقايضة أمن الملاحة برفع العقوبات.

​أعادت الضربات الجوية الجسيمة التي نفذتها القوات الأمريكية في العمق الجنوبي الإيراني رسم الخطوط الحمراء بالحديد والنار في المنطقة، حيث استهدفت الطائرات منصات إطلاق الصواريخ ومراكز التحكم بالمسيرات في بندر عباس وميناب وميناء قشم. هذا التحول العسكري المباشر يجسد استراتيجية “الضغط الأقصى” التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب ميدانياً، متجاوزاً حدود الحصار الاقتصادي إلى خيار الإجهاض العسكري الفوري للتهديدات الملاحية في الممرات الدولية. وتواجه طهران اليوم واقعاً ميدانياً معقداً، يتسم بحسم عسكري أمريكي غير مسبوق غيّب لغة التهدئة المعتادة، وجعل من مرونة المناورات البحرية الإيرانية التقليدية في مضيق هرمز رهاناً عالي المخاطر.
​وتعكس القراءة الداخلية في طهران حالة من التوازن القلق بين المكابرة العسكرية والبراغماتية السياسية، إذ يقلل الحرس الثوري علناً من احتمالات انزلاق الأوضاع إلى مواجهة كبرى، مستنداً إلى حسابات الردع المتبادل. ومع ذلك، يكشف الإصرار الإيراني على استهداف القطع البحرية بالمسيرات عن رغبة واضحة في إثبات القدرة على المواجهة ورفض الاستسلام لسياسة فرض الأمر الواقع. وتتمسك القيادة الإيرانية باعتبار السيادة على مضيق هرمز وملف تخصيب اليورانيوم أوراقاً استراتيجية غير قابلة للتفاوض، حيث يربط صانع القرار في طهران أي تهدئة حقيقية بملف رفع العقوبات الشامل والإفراج الفوري عن كافة الأصول المجمدة في الخارج لمنع انهيار خطوط دفاعه الإقليمية.
​ويتزامن هذا التصعيد العسكري المحموم مع كواليس سياسية بالغة التعقيد، تتجلى في “مسودة الستين يوماً” التي كشفت عنها التقارير الدبلوماسية الأخيرة، مؤكدة أن قنوات الاتصال الخلفية لا تزال نشطة تحت مظلة الصواريخ. وتتضمن مذكرة التفاهم المبدئية بنوداً تنص على تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين ملاحة حرة وإزالة الألغام البحرية، مقابل التزام إيراني صريح بالتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب. وتبرز هذه التحركات رغبة الطرفين في تحاشي سيناريو الحرب الشاملة المدمرة، حيث يحاول كل جانب استثمار تفوقه الميداني لانتزاع أكبر قدر من المكاسب السياسية وتثبيت شروطه قبل الجلوس الفعلي على طاولة المفاوضات الرسمية.
​وتتجه الأنظار حالياً إلى البيت الأبيض، حيث يمثل تريث الرئيس ترامب وطلبه بضعة أيام لتقييم المقترح الدبلوماسي مرحلة اختبار حاسمة لمستقبل الاستقرار الإقليمي. ويشير عدم رضا ترامب عن البنود الحالية وميله للاستمرار في الضغط العسكري إلى رغبة واشنطن في فرض شروط صارمة تضمن تصفية الطموح النووي الإيراني بالكامل قبل تقديم أي تنازلات اقتصادية. وتضع هذه التطورات المتسارعة المنطقة أمام مسارين؛ فإما أن تنجح هدنة الستين يوماً في مدّ حبل إنقاذ دبلوماسي يؤسس لتسوية شاملة، أو يقود تعنت الشروط المتبادلة إلى جولة قصف أوسع تدخل بالمنطقة في نفق حرب استنزاف مفتوحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى