عثمان الشيخ الأُسيد يكتب: فضحكت فبشرناها

مبنى ومعنى
(عيدية)
كلُ عامٍ وأنتم بخير وصحة وعافية.. يسعدنا- يوسفُ وأنا- أن نهنئكم بحلولِ عيد الأضحى المبارك، كما أكرمنا اللهُ بأعيادِ الدنيا، نسأله أن يُكرِمَنا بأعيادِ الجنة. قال يوسف: عرفنا أعيادَ المسلمين في الدنيا هي مواسم الأفراح والسرور، احتفالًا بإكمالهم طاعةَ الله بعد أن حازوا على ثوابِ أعمالِهم، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) يونس 58، فما هي اعيادُ المسلمين في الجنة؟ قلت: أعيادُ المسلمين في الجنةِ هي زيارتُهم لربهم عزَّ وجل، يزورونه ويُكرمهم غايةَ الكرم، ويتجلى لهم وينظرون إليه، ويعطيهم احبَّ شيءٍ لديهم، وهو الزيادة التي قال اللهُ فيها (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يونس 26.. قال يوسف: قد يقول البعض، بأي حالٍ عدتَ يا عيدُ وأي فرحٍ والحرب دائرة؟ قلتُ: واجبُنا في العيد أن نفرحَ ونسعدَ ونزرعَ التفاؤلَ بين الناسِ ونحثُهم على عدمِ اليأسِ و ألا تغيِّرَ الظروفُ مواصفاتنا ولنعلمَ أن دوامَ الحالِ من المحال، وعسى ان تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وان نتجاوزَ الأحزانَ لأن الحزنَ يسرُّ العدو، ويُشمِّت بك الحاسد، ويغيِّر عليك الحقائق ويجعلك تنسى النعمَ، فتنسى أن تشكرَ المُنعمَ، فتشرد منك النعمُ والعياذة بالله. يُنسبُ لعليٍ- رضي الله عنه- أنه قال: النعمُ شرادةٌ قيِّدوها بالشكر. قال يوسف: الذبيحُ هو النبي إسماعيل، الابن البكرُ للنبي إبراهيم- عليهما السلام- بينما ذهب فريقٌ آخر من السلف والمفسرين إلى أنه النبي إسحاق عليه السلام، وقد ورد ذكرُ قصة الفداء في القرآن الكريم دون تسمية الابن صراحةً، وذلك في سورة الصافات: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} إلى قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} فمن هو الذبيح؟ قلت للإجابة على هذه الإشكالية أقول: إبراهيم عليه السلام له ولدان ذكران (إسحق من سارة وإسماعيل من هاجر) قاطعني يوسف قائلا: ولدان يعني أنهما ذكران، قلت له: هذا غيرُ صحيح، لأنَّ الولد في اللغة تعني الذكور والإناث، قال الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) النساء 11 فعندما تقول فلان له أولاد، أي له أبناءٌ وبنات أو بنات فقط أو أبناء فقط، أما الذبيح فهو إسماعيل عليه السلام والدليل: (فضحكت فبشرناها) والتي ضحكت فبشرناها، هي سارة زوجة إبراهيم عليه السلام أم اسحق، (فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) هود 71. من هذه الآية يتضح أن البشارةَ وقعت لأسحاقَ بانه سيولد له ولد اسمه يعقوب، فكيف يأمر الله تعالى عبده إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه اسحاق، وهو موعود بيعقوب، ووعد الله حقٌ لا خلف فيه، لذلك فإنّ الذبيحَ هو إسماعيل. قال يوسف: هذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ومن لم يقتنع بعد ذلك فليشرب من البحر. قلت له: ماله والبحر؟ قال البحر ماؤه مالح. قلت له: هذا أيضا غيرُ صحيح، لأنَّ البحر اسم للماء المالح والعذب والدليل ( وما يستوي البحران هذا عذبٌ فرات سائغ شرابه، وهذا ملح اجاج) فاطر 12 قال يوسف: ولكن إذا كان البحر كالنهر٠فلماذا تقول العرب، بحر طام، ونهر طافح؟ قلت له: العربُ تفرق في الأشياء، فتقول: عين ثرة، إناء مفعم، ومجلس غاص باهله، كذلك تفرق العرب في الشهوات يقولون، قرم إلى اللحم، عطشان إلى الماء، عميان إلى اللبن، قرد إلى التمر، جعم إلى الفاكهة، ولا يقولون مائدة إلا إذا كان عليها طعام، وإلا فهي طاولة، ولا كأس إلا إذا فيه شراب، وإلا فهو زجاجة، ولا كوز إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب، ولا قلم إلا ذا كان مبريًا، وإلا فهو أنبوب. كما أن العربَ تفرق في الأوطان، يقولون وطن الانسان، عرين الأسد، عطين البعير، عش الطائر، قرية النمل، تقول العرب، المَلاحةُ في الفم، والجمالُ في الأنف، والحلاوةُ في العينين، وغيرها مما يوصفون به الانسان، تركت ايرادها قصدا لئلا يضعها بعض من لا يفهم على غير موضعها، وكل عام وانتم بخير
قال يوسف، في سورة الحج اية 33 قال الله تعالى:(لكم فيها منافع إلى اجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق) البيت العتيق هو الكعبة، صحيح؟ قلت: نعم صحيح، قال: ولماذا سُمِّيت بالبيت العتيق؟ قلت: لأنها لا تؤدي إتاوةً ولا تدينُ للملوكِ، ولأنه لم يزل حرًا لم يملكه أحد، هكذا قال بعضُ اهل العلم.
قلت ليوسف: اهدينا عيدية من عندك هداك الله؟ قال وانت تتكلم تذكرت خروف العيد، ومن أين اشتريه؟ثم خطر ببالي من أين جاءَ كبش فداء إسماعيل عليه السلام، ثم تذكرتُ انه واحدٌ من خمسةِ مخلوقات لم تخرج من رحم، قلت له ما هي؟ قال: آدم عليه السلام، خلقه الله تعالى من تراب بيده. حواء عليها السلام، خلقها الله تعالى من ضلع آدم. ناقة صالح، خرجت معجزةً من الصخر. كبش إسماعيل، أنزله اللهُ من الجنةِ ليكون فداءً لإسماعيلَ عليه السلام. حية موسى، تحوَّلت إليها عصا موسى عليه السلام.
قلت ليوسف: هل تعرف (قدار بن سالف) قال: نعم، هو أشقى الأولين، قاتل ناقة صالح عليه السلام، وأشقى الاخرين هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي (من الخوارج)قاتل علي رضي الله عنه.
قال يوسف: هناك معادلةٌ لم أعرف لها حلًا، قرأتُ تقريرًا لمنظمةِ الفاو من ضمن ما جاء فيه: أنه يوجد في العالم- تقريبًا- أربعةُ مليار رأسًا من الضأن والماعز، وعددُ الإبل في العالم حوالي 42 مليون رأسًا. إجمالي الإبل والماعز والضأن- تقريبًا- أربعة مليار راسًا، أي نصف عدد سكان الأرض البالغ عددهم ثمانية مليار نسمة. إنتهت المعلومة التي جاءت في التقرير، لتبدأ المعادلةُ التالية: لو نظرنا إلى الاستهلاكِ البشري لهذه الأنعام في السنة إضافة إلى ما يحدث لها من موتٍ طبيعي، كما أن معدلات ولادةِ معظم هذه الحيوانات بطيءٌ مقارنةً بالطيور والاسماك، إذ انها تولد مرةً واحدةً أو مرتين في السنة، وبقراءةٍ بسيطةٍ لقانونِ العرض والطلب، من المفترض أن تكونَ هناك ندرةٌ أو نفاد- إن لم يكن إنقراضٌ تام- لهذه الأنعام. قلت ليوسفَ: يبدو أنك نسيتَ أن لهذا الكونِ مديرَ وضعَ له نظامًا دقيقًا يضمن بقاءَ المادةِ والاستفادةِ منها لاستمرار الحياةِ عبر العصور، وهذه حكمةٌ إلاهية في ثبات مخلوقاته في كوكب الأرض، ليس في الأنعام فقط، وإنما في كل شيءٍ، مثلا نحن نأكل الثمرةَ ونرمي النواة، لماذ؟ حفظًا للنوع، لتنبتَ من جديد، ولو أكلناها بنواتها، لاختفت الثمارُ من الأرض. الذهب والحديد والنُحاس والمياه والنباتات، والفاكهة والطيور والأسماك. لم نسمع يومًا أنَّ كوكبَ الأرضِ قد نضب من هذه المواد، إذًا المعادلة ربانية، يا صديقي فقد سمعتُ الله تعالى يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر21] خزائن الله هي كل ما يملكه ويخزنه سبحانه وتعالى من أرزاق، ورحمات، ومغفرة، وقدرة، لا تُحصى ولا تُعد. وهي خزائن مطلقة، باقية، لا تنفد، ولا تنقص منها شيئاً ﴿فَمَا ظَنّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات 78
عن جابر بن عبد الله قال: ضحى رسولُ- الله صلى الله عليه وسلم- في يوم عيد بكبشين أقرنَيْن أملَحَيْن، وقال حين ذبحهما: “وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام. قيل إنّ هذه الآيات هما التي وردت تلاوتُها عند ذبح الأضاحي..
قال يوسف: سأُضحي بحمل، قلت: تسمي العربُ ولدَ الكبشِ حملًا، و تسمي ولدَ كلِ سبعٍ جروًا، وولد كلِ ذي ريشٍ تُسميه فرخًا، و ولدَ البقرةِ عجلًا، ولولد الأسد تقول شبلًا، ولولد الفيل تقول دغفلًا، ولولد النعام تقول رألًا، ولولد الضب سحلًا. وكلُ من اسمه يوسف، يُكنى بأبي يقعوب. قال يوسفُ: الحمدلله، اما بماذا تضحي، فإن للأُضحية شروطًا يمكنك الرجوع إلى اهل العلم في ذلك..
كانت هذه عيديتنا لكم، قليلة العدد، مفيدة المدد، نأمل أن تقبلوها منا، لو لا ثِقَلُ المقامِ وطولُ المقالِ، لزدناكم وكل عامٍ وانتم بخير..
كان هذا يوسفُ وانا، فابقوا معنا، إن كان في العمر بقية..
والله اعلى واعلم..



