عناق الأرض.. يوم استردت فيه أم درمان أبناءها

أم درمان – عماد النظيف

لم يكن السوق الشعبي بأم درمان مساء اليوم مجرد محطة روتينية لوصول القوافل، بل تحول إلى مسرح مفتوح لملحمة إنسانية كبرى عنوانها الإياب. مع مغيب الشمس، كانت رائحة التراب السوداني المختلطة بصوت المحركات المنهكة، تعلن نهاية رحلة الشتات وآلام النزوح لآلاف السودانيين العائدين من جمهورية مصر العربية، في يوم استثنائي شهد وصول أكبر فوج طوعي ضمن مساعي استعادة الحياة الطبيعية في البلاد.

دموع الحنين الطاغية

المشهد الإنساني الأبرز بدأ مع توقف أولى الحافلات العمارة بالركاب؛ حيث لم تملك سيدة في الخمسين من عمرها سوى أن تُسلم نفسها لنوبة بكاء عفوية فور ملامسة قدميها أرض المحطة. لم تنطق بكلمة، بل اكتفت بنظرات حائرة يمنة ويسرة وكأنها تعيد اكتشاف ملامح مدينتها التي غادرتها قسراً. ثلاث سنوات من الاغتراب والنزوح، اختصرتها في سجدة شكر طويلة على الأسفلت بللتها دموع الفرح. كانت التجاعيد التي حفرها القلق على وجهها تحكي قصة ألف يوم من الانتظار المر، وقصة آلاف العائلات التي تقاسمت معها ذات المصير، منتظرة لحظة العبور نحو الوطن الذي لا بديل عنه مهما جارت الظروف وتعددت المنافي.

براءة الأطفال والهدايا

وفي زاوية أخرى من ساحة الاستقبال، تجلت براءة الطفولة التي لا تعرف تعقيدات الأزمات؛ رصدنا رجلاً يحمل بعناية فائقة سيارة لعبة ضخمة، يبدو أنها كانت الوعد الذي قطعه لصغيره الذي كان يركض بجانبه بضحكات ملأت أرجاء المكان صخباً وحبوراً. الحقائب الضخمة المربوطة بالحبال وكراتين عفش الغربة لم تكن مجرد أمتعة ثقيلة، بل كانت منصات عفوية اعتلاها الأطفال وهم يرفعون شارات النصر ويرددون خلف الكبار هتافاً هز أركان السوق: جيش واحد.. شعب واحد، في رسالة تلاحم شعبية عفوية طغت على المشهد، وأكدت أن الروح الوطنية هي الدافع الأكبر لهذه العودة الجماعية.

خلية نحل الاستقبال

التنظيم كان بطلاً آخر في هذه الملحمة؛ حيث تحرك أعضاء لجنة الأمل للعودة الطوعية كخلية نحل لا تهدأ لتسهيل إجراءات الوصول. 50 حافلة سفرية اصطفت بنظام لافت داخل الساحة، بينما تدافع المئات من الأهالي والتجار والمستقبلين لمساعدة العائدين في تفريغ أمتعتهم. الوجوه السمراء التي لفحتها شمس الطريق الطويل كانت تبتسم رغم الإعياء الشديد، وتقاسم الجميع عبوات المياه والتمور في مشهد يعكس التكافل السوداني الأصيل. لم يخل لقاء من شمة خبار الأهل والديار، وتبادل الحكايا عن بيوت تركوها على أمل العودة وبناء ما تدمر بسواعدهم من جديد.

آمال العودة الكبرى

على الصعيد الإحصائي، تأتي هذه القافلة التي تضم 2000 مواطن ضمن موجة عودة كبرى بدأت تتشكل ملامحها مؤخراً؛ حيث تُقدر التقارير أن عدد العائدين من مصر عبر رحلات العودة الطوعية وصل إلى نحو 426 ألف شخص من أصل 1.5 مليون فروا إلى الجارة الشمالية منذ اندلاع النزاع. هذه الأرقام تعطي دلالة واضحة على رغبة الإنسان السوداني الجارفة في استعادة حياته الطبيعية والمساهمة في إعمار بلاده، رغم كل التحديات الراهنة.

غادرنا السوق الشعبي وأصوات أبواق الحافلات لا تزال تدوي في الفضاء، محملة بآمال عريضة لغد أفضل. لم يعد هؤلاء العائدون بجيوب ممتلئة، لكنهم عادوا بقلوب يملؤها اليقين بأن البلد بتتبني، وأن استقرار السودان الحقيقي يبدأ من هنا.. من عودة الروح إلى أحيائه وشوارعه عبر سكانه الذين قرروا أخيراً أن الوطن هو المستقر النهائي والملاذ الأخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى