المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب :مضيق هرمز وسقوط الأوهام(٢-١)
هل ينجح "مشروع الحرية" الأمريكي في كسر "منطقة القتل" الإيرانية أم أن استنزاف الذخيرة سيكشف تايوان أمام التنين الصيني؟

كيف تحولت العملات الرقمية و”الأوليغارشية الذكية” إلى طوق نجاة لطهران لكسر طغيان الدولار والالتفاف على سياج “سويفت”؟
هل يقف العالم على أعتاب “كساد كبير” جديد نتيجة ارتهان سلاسل الإمداد العالمية لممرات مائية ملغومة وقرارات سياسية نرجسية؟
يصحو العالم في مايو 2026 وسط دوي طبول حرب غير تقليدية تجتاح مياه الخليج العربي، محولةً مضيق هرمز من شريان حيوي للطاقة إلى ساحة مواجهة عسكرية واقتصادية مشتعلة. يتجسد هذا الصراع كذروة حتمية لتوترات جيوسياسية تراكمت عبر عقود، يغذيها طموح إيراني بفرض السيادة الإقليمية يقابله إصرار أمريكي صلب تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب. تسعى واشنطن اليوم لانتزاع “ثمن باهظ” من طهران، مراهنةً على تفوق القوة النارية والحصار البحري المطبق لشل حركة الخصم وإرغامه على التراجع. وبينما تنهمك الأطراف المباشرة في استهلاك مقدراتها العسكرية والمالية، تراقب الصين المشهد بهدوء “الأوليغارشية الذكية”، مستثمرةً انغماس واشنطن في رمال الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها الكوني. يبدو أن المشهد يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، بعيداً عن المركزية القطبية التي هيمنت على العالم منذ نهاية الحرب الباردة، تاركةً المنطقة في حالة سيولة سياسية تنبئ بتغيرات هيكلية عميقة في مفهوم الأمن القومي للدول المطلة على المضيق والفاعلة فيه، مما يجعل كل يوم يمر بمثابة إعادة كتابة للتاريخ المعاصر.
تحتل الصين اليوم موقع المستفيد الأكبر من حالة الإنهاك الاستراتيجي التي تضرب المنظومة الغربية في ربيع 2026، حيث يرى المراقبون في نهج ترامب القائم على الصفقات المنفردة فرصة ذهبية لتفكيك التحالفات التي حاولت محاصرة بكين سابقاً. أظهر التنين الصيني مرونة فائقة في التعامل مع اهتزازات سوق الطاقة، نتيجة التحول المتسارع نحو “الدولة الكهربائية” وتشييد مخزونات نفطية هائلة تحسباً لساعة الصفر. هذا الاستعداد الاستباقي منح بكين حصانة ضد الابتزاز الطاقي، وجعلها تراهن على أن نضوب مخازن الذخيرة الأمريكية المتطورة، كصواريخ “باتريوت”، في مواجهة المسيرات الانتحارية الرخيصة سيعزز من انكشاف تايوان عسكرياً. إنها استراتيجية “الانتظار الصبور” التي تبرع فيها بكين، مكتفيةً بمراقبة واشنطن وهي تستنزف مخزونها الاستراتيجي والمالي في معارك جانبية. يمهد هذا المسار الطريق لصعود صيني يرتكز على التمكين التكنولوجي والمالي الفائق، ويطرح نموذجاً للقيادة العالمية يبتعد عن أدوات القوة الصلبة التقليدية التي أثبتت الأزمة الحالية قصورها في حسم الصراعات المعقدة عسكرياً، محولةً النفوذ من فوهات المدافع إلى خوارزميات السيطرة والتحكم.
ميدانياً، بلغت التوترات ذروتها مع إطلاق الولايات المتحدة عملية “مشروع الحرية” (Project Freedom)، وهي استعراض للقوة يضم آلاف الجنود وأسراباً من طائرات F-35 وA-10 بهدف فرض الملاحة القسرية. في المقابل، تتبع طهران تكتيك “حرب الاستنزاف” غير المتكافئة، معتمدةً على ألغام بحرية زهيدة ومسيرات “شاهد” لإرباك القطع البحرية الأمريكية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وضع هذا التباين الحاد في التكلفة واشنطن أمام معضلة لوجستية قاسية، إذ تشير التقارير إلى استهلاك مفرط في الصواريخ الدفاعية التي يتطلب تعويضها سنوات من الإنتاج الصناعي المكثف. كشفت هذه المواجهة عن حدود التكنولوجيا المتطورة حين تصطدم باستراتيجية “المناورة تحت الألم” التي تمارسها إيران ببراعة. دفع هذا الواقع البنتاغون لاتخاذ خطوات اضطرارية بسحب منظومات دفاعية من المسرح الأوروبي لترميم العجز في الخليج، في خطوة تعكس نقصاً حاداً في الجهوزية لصراعات واسعة النطاق مع قوى كبرى مثل روسيا، مما ألقى بظلال من الشك على قدرة واشنطن في إدارة جبهات متعددة في آن واحد، وجعل الحلفاء في حالة ترقب وقلق من تراجع المظلة الأمنية الأمريكية التاريخية.
على الصعيد الاقتصادي، تجاوزت الأزمة حدود قطاع الطاقة لتضرب سلاسل التوريد العالمية في مقتل، محاكيةً في وطأتها اضطرابات الجائحة السابقة لكن بظروف تمويلية أكثر تعقيداً. قفزت أسعار النفط لتتخطى حاجز الـ 114 دولاراً للبرميل عقب استهداف منشآت حيوية وناقلات تابعة لـ “أدنوك”، مما فجر موجة تضخم عالمية طالت أسعار الغذاء والوقود بشكل مباشر. يشعر المستهلك الأمريكي بالضغط في حياته اليومية مع وصول سعر جالون البنزين إلى مستويات قياسية (4.61 دولار)، مما يرفع وتيرة الغضب الشعبي ضد الإدارة الحالية. امتدت آثار الصراع لتصل إلى المزارع والمصانع في أقصى الأرض، حيث تسبب نقص الأسمدة واليوريا التي تصدرها إيران في ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي. يلوح في الأفق شبح “كساد كبير جديد” يهدد الاقتصاد العالمي إذا ما استمر إغلاق المضائق المائية، مما يضع صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية لإيجاد مخارج سياسية تعيد الاستقرار للأسواق وتطمئن شركات التأمين البحري المذعورة من تصاعد وتيرة القرصنة العسكرية، وهو ما يضع النظام الرأسمالي التقليدي أمام اختبار الوجود والقدرة على مواجهة الصدمات الجيوسياسية الكبرى.
في مواجهة الحصار المالي المطبق، استدعت إيران “العملات الرقمية” كدرع سيادي ضمن استراتيجية “الأوليغارشية الذكية” للالتفاف على منظومة “سويفت” العالمية. تحول الفضاء الرقمي إلى ممر سري لتصدير النفط بعيداً عن الرادارات المالية الأمريكية، حيث تُستخدم “البتكوين” وأخواتها لتسوية المدفوعات وتمويل العمليات العسكرية ورواتب الحرس الثوري. يمثل هذا “التشفير المالي” ثقباً أسود يعجز البنك الفيدرالي عن مراقبته أو تجميده، مما يفرغ العقوبات من محتواها العملي ويمنح طهران رئتين للتنفس وسط الضغط الخانق. إن القبول المتزايد باليوان الرقمي والعملات المشفرة في تجارة الطاقة يهز أركان هيمنة الدولار كعملة احتياط عالمية، وهو الهدف الذي تسعى إليه دول “الجنوب العالمي” للتحرر من القيود الاقتصادية الغربية. تبرز الحرب الرقمية هنا كساحة موازية لا تقل خطورة عن القصف الجوي، حيث تهدف لتجريد واشنطن من أقوى أسلحتها المتمثلة في النظام المصرفي، وتحول المشهد المالي الدولي إلى فضاء لا مركزي تتلاشى فيه قدرة القوى التقليدية على التحكم والمنع، لتصيغ بذلك واقعاً مالياً جديداً يكسر القيود التقليدية.
يعاني الاقتصاد الإيراني حالياً من “نزيف صامت” نتيجة تخزين كميات هائلة من النفط غير المصدر، مما يهدد السلامة التقنية للآبار ويجبر طهران على خفض الإنتاج قسرياً. دفع هذا الاختناق النظام لتقديم مقترحات للسلام عبر الوساطة الباكستانية، تضمنت بنوداً توصف بـ “المرونة الاستراتيجية” كـتجميد تخصيب اليورانيوم لفترات طويلة. رغم ذلك، تقابل واشنطن هذه الخطوات بريبة عميقة، وتراها مناورة لكسر الحصار دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الصاروخية والإقليمية. تدور الآن معركة “عض أصابع” شرسة؛ إذ تراهن طهران على قدرتها التاريخية في تحمل الحرمان وتحريك أوراق الضغط في المنطقة، بينما يتمسك ترامب بـسياسة “التصفير الكامل” للصادرات النفطية لإرغام الخصم على قبول اتفاق شامل ينهي الطموحات النووية الإيرانية. تعكس هذه الحالة انقساماً داخلياً في طهران بين تيار يريد الانفتاح لتجنب الانهيار الاقتصادي، وجناح متشدد يرى في التراجع هزيمة وجودية، مما يعقد فرص الوصول إلى تسوية سريعة ومستدامة، ويجعل الدبلوماسية تسير فوق حقل من الألغام السياسية التي قد تنفجر في أي لحظة لتنهي آمال التهدئة.
تزايدت فرص الانفجار الإقليمي الشامل مع دخول أطراف ثالثة في دائرة الاستهداف المباشر، حيث شهد مطلع مايو 2026 تصعيداً خطيراً ضد المنشآت الإماراتية بصواريخ كروز ومسيرات انتحارية. تعتبر أبوظبي هذه الهجمات “قرصنة دولية” تهدف لابتزاز أمن الملاحة واهتزاز استقرار المنطقة. تزامنت هذه الأحداث مع أنباء عن غارات أمريكية إسرائيلية استهدفت عمق المنشآت النووية في “فوردو” و”نطنز” باستخدام قنابل GBU-72 القادرة على اختراق التحصينات الجبلية. استتبع ذلك رداً صاروخياً إيرانياً طال معامل التكرير في حيفا، مما وضع المنطقة على حافة “حرب الكل ضد الكل”. تطلق الأمم المتحدة تحذيرات من تحول الاستعراضات العسكرية إلى مواجهة نووية أو كيميائية محتملة، في ظل عجز الدفاعات الجوية عن اعتراض مئات المقذوفات المنطلقة من جبهات متعددة. يضع هذا التصعيد أمن الطاقة العالمي في مهب الريح، ويثير تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على لجم النزعات القتالية قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة وتتحول لصدام مباشر بين القوى العظمى لحماية مصالحها، ما قد يشعل المنطقة بالكامل في أتون صراع لا يبقي ولا يذر.
يعيش لبنان حالة من “النزيف الاستراتيجي” بعدما تحول جنوبه إلى صندوق بريد ناري لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، وسط قصف إسرائيلي عنيف طال مدن النبطية وصور وصيدا. تبذل واشنطن جهوداً مكثفة لعزل الملف اللبناني عن مسار مفاوضات “إسلام آباد” مع إيران، عبر ممارسة ضغوط دبلوماسية على الرئاسة اللبنانية للقبول بمفاوضات مباشرة مع تل أبيب لتهدئة الجبهة. في المقابل، تعتبر طهران “ورقة لبنان” أداة حيوية لتخفيف الضغط عن عمقها الداخلي، وتدفع باتجاه استمرار عمليات الإسناد العسكري. يضع هذا الانقسام الحاد الداخل اللبناني أمام مستقبل مجهول، حيث تتقاطع الأجندات الوطنية مع الحسابات العابرة للحدود التي تديرها إيران تحت مسمى “وحدة الساحات”. تبرز المعضلة في كون أي استقرار في الخليج يظل رهناً بتهدئة الجبهات الفرعية، مما يجعل لبنان ساحة رهينة لنتائج “لعبة القمار” الكبرى الدائرة في مضيق هرمز، ويصعب من مهام الوسطاء الدوليين الذين يسعون لنزع فتيل الانفجار في بلد يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية وسياسية خانقة تجعل الحلول التقليدية غير ذات جدوى.
في القاهرة، تتبلور رؤية تحليلية تحذر من تأثر الأمن القومي المصري المباشر بهذا الغليان الإقليمي، لاسيما مع تراجع عوائد قناة السويس جراء التوترات المستمرة في البحر الأحمر. أبدت الحكومة المصرية والبنك المركزي قدرة على احتواء الهزات الاقتصادية من خلال توحيد سعر الصرف واستقطاب تدفقات مالية من قوى صاعدة كالصين التي ترى في مصر ملاذاً آمناً وسط الاضطراب. يشدد الخبراء الاقتصاديون على أهمية الوعي الشعبي في إدارة المدخرات، مشيرين للذهب كحصن أخير في أزمنة الحروب، مع التحذير من مغبة “الفقاعات العقارية” التي قد تنفجر مع تآكل القدرات الشرائية. انتقلت مصر من وضعية رد الفعل إلى استراتيجية المبادأة لتعزيز الأمن الغذائي والسيادي عبر توطين الصناعة وتقليل الارتهان لسلاسل الإمداد العالمية التي أثبتت الأزمة الحالية هشاشتها. يعكس هذا التحول إدراكاً عميقاً لضرورة بناء اقتصاد حرب قادر على الصمود في ظل تقلبات جيوسياسية ممتدة، وتأمين الاحتياجات الأساسية بعيداً عن تقلبات المسارات الملاحية الدولية التي باتت عرضة للابتزاز العسكري، مما يرسخ استقلال القرار المصري في عالم مضطرب يبحث عن بوصلة أمان.
تجسد الحالة الراهنة في مايو 2026 “لعبة بوكر” جيوسياسية معقدة، حيث تراهن إيران على قدرتها التاريخية في تحمل الأزمات المعيشية للضغط على المواطن الغربي الذي يضيق ذرعاً بارتفاع الأسعار. في الجهة المقابلة، تعتمد الإدارة الأمريكية على تفوقها الاستخباراتي والتقني لإدارة رقعة الشطرنج، لكنها تواجه تحدي “المعلومات الضبابية” والتحركات غير التقليدية للحرس الثوري الذي يبرع في إدارة اقتصاد الظل. يمثل اقتراب الدورات الانتخابية في واشنطن عامل ضغط حاسم على ترامب، إذ يدرك الخصوم أن أي زيادة في تكلفة المعيشة ستنعكس تراجعاً في شعبيته لدى الناخبين. تستغل طهران “سلاح الوقت” بذكاء لاستدراج القوات الأمريكية لمعركة استنزاف طويلة ومكلفة، تهدف في نهايتها لانتزاع اعتراف بمصالحها الحيوية. تبرز الفجوة بين لغة الدبلوماسية والواقع الميداني كأكبر عائق أمام الحل، حيث تُدار الصراعات الحقيقية خلف الكواليس وفي ممرات الملاحة المظلمة، بعيداً عن البيانات الرسمية التي تحاول تهدئة الأسواق دون تقديم ضمانات حقيقية على الأرض، لتظل الحقيقة حبيسة الغرف المغلقة والتحركات الاستراتيجية الصامتة التي تسبق العواصف الكبرى.
يمثل ظهور أسلحة متطورة مثل صواريخ “الدارك إيجل” والدرونات زهيدة التكلفة “لوكاس” تحولاً جوهرياً في العقيدة القتالية المعاصرة، حيث لم يعد حجم النيران هو المعيار الوحيد للانتصار. تتركز الأهداف الآن على شل المرافق الحيوية كتحلية المياه ومحطات الكهرباء لكسر إرادة الخصم اقتصادياً وتقنياً. كشفت واشنطن عن استخدام الهندسة العكسية لاختراق برمجيات مسيرات العدو، بينما تصر طهران على أن سيادتها على هرمز خط أحمر، مهددةً باستهداف أي قطعة بحرية تخترق المياه الإقليمية دون تنسيق مسبق. توضح هذه “الحرب الذكية” أن مراكز السيطرة انتقلت من خنادق القتال إلى غرف البرمجة والتحكم الرقمي. يفرض سباق التسلح السيبراني معضلات أخلاقية وقانونية جديدة حول حدود السيادة الوطنية وحقوق الملاحة في الفضاءين المادي والرقمي. يتطلب الوصول لأي اتفاق مستقبلي تقديم ضمانات تكنولوجية معقدة تتجاوز الالتزامات السياسية التقليدية، لضمان عدم استخدام الأدوات التقنية في تقويض الأمن القومي للدول في لحظات التأزم السياسي أو العسكري المفاجئ، مما يجعل التقنية هي الحاكم الفعلي لقواعد الاشتباك الجديدة.
تظهر المؤشرات المستقبلية أن الصراع دخل نفقاً مسدوداً قد يدفع الأطراف نحو قرارات انتحارية إذا لم تنجح جهود التهدئة الدولية في احتواء الموقف. توظف واشنطن عامل الوقت لإغلاق كافة الملفات الخلافية مع طهران بشكل نهائي، بينما تراهن إيران على قدرتها على خلق حالة من الفوضى العالمية تجبر الجميع على الرضوخ لشروطها وفتح المضائق. تسعى وساطات إقليمية تقودها السعودية وتركيا ومصر لبلورة مبادرة سياسية تحمي المنطقة من الانزلاق لـ “حرب عالمية ثالثة” قد تنطلق شرارتها من مياه الخليج. يقف العالم اليوم على حافة انهيار مالي واجتماعي نتيجة الارتهان لممرات مائية غير آمنة وقرارات سياسية تفتقر للنظرة الاستراتيجية الشاملة. تظل أزمة الثقة العميقة هي الحاجز الأكبر أمام أي تقارب، مما يجعل احتمالية العودة للمواجهة المباشرة قائمة في كل لحظة، خاصة مع وجود قوى مستفيدة من استمرار النزاع تهدف لإفشال أي محاولة لإعادة الهدوء للمنطقة المشتعلة وحماية مصالحها الخاصة في ظل الاضطراب العام، ما يجعل الأمل في السلام خياراً صعباً المنال في ظل هذه العواصف الجيوسياسية.
أخيراً، يظل الصعود الصيني الهادئ والتحول نحو الاقتصاد الرقمي هما الجوهر الحقيقي للتغيير الذي يشهده ربيع 2026، بعيداً عن صخب المدافع في الشرق الأوسط. بينما تنهمك أمريكا في صراعات استنزافية تآكل مكانتها الدولية، تبني بكين نظاماً موازياً ضمن “سطوة الأوليغارشية الذكية” مستفيدةً من رغبة الدول في التحرر من سطوة المنظومة المالية التقليدية. تؤكد دروس الأزمة الحالية أن الهيمنة العالمية لم تعد مرتبطة بحاملات الطائرات بقدر ارتباطها بالتحكم في تدفق البيانات وسلاسل التوريد والعملات الرقمية. يتجه العالم نحو تعددية قطبية واقعية يسعى فيها “الجنوب العالمي” لتأمين استقلاله الاقتصادي عبر اللجوء للأصول الحقيقية كالذهب والتشفير المالي كملاذات آمنة. سيبقى مضيق هرمز شاهداً على ولادة عسيرة لنظام عالمي جديد ينبثق من ركام الأزمات، معلناً نهاية عهد السيادة المطلقة للقوة الواحدة وبداية عصر توازنات المصالح الرقمية والاتفاقات العابرة للقارات التي تعيد تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين، لتنتهي فصول الهيمنة التقليدية وتبدأ فصول السيادة الموزعة والذكاء الاصطناعي المسيطر.


