المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: انكسار الدبلوماسية تحت أقدام “الخطوط الحمراء”
هل كانت مفاوضات إسلام آباد فرصة حقيقية للسلام أم مجرد مناورة لاختبار قوة الردع؟

لماذا فشل “مقترح الـ 15” الأمريكي في كسر جمود “الثوابت العشرة” الإيرانية؟
هل يواجه العالم الآن “حرب استنزاف” شاملة في مضيق هرمز بعد رحيل الوفود؟
دخلت الوفود إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد صباح اليوم السبت 25 أبريل 2026، وسط أجواء من التفاؤل الحذر الذي غذّته تسريبات حول “عرض إيراني مرن” وقرب وصول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس لتوقيع اتفاق إطاري ينهي سنوات من الحصار الخانق. كان المتوقع أن تكون هذه الجولة هي “جولة الخلاص” التي توازن بين مطالب واشنطن الـ 15 الصارمة، والتي تضمنت وقفاً شاملاً لتخصيب اليورانيوم وتفكيك المنشآت الحيوية، وبين رغبة طهران في استعادة أنفاسها الاقتصادية عبر الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول المجمدة ورفع الحصار البحري الذي شلّ موانئها. كانت كل المؤشرات الفنية، التي هندسها الوسطاء الباكستانيون، تشير إلى إمكانية صياغة “منطقة وسطى” تمنح ترامب نصراً دبلومسياً وتمنح إيران مخرجاً آمناً من نفق العقوبات المظلم.
بيد أن التفاصيل الدقيقة للمفاوضات سرعان ما كشفت عن “فجوة زلزالية” لا يمكن جسرها بكلمات دبلومسية منمقة؛ فواشنطن لم تقدم “مقترحاً” بل قدمت ما يشبه “صك الاستسلام” الذي يطالب برقابة دائمة وغير مشروطة على المواقع العسكرية ومنعاً كاملاً لأي نشاط نووي لمدة عشرين عاماً. وفي المقابل، جاء الرد الإيراني الذي حمله عباس عراقجي في 10 نقاط ليؤكد أن طهران لن تبيع “سيادتها النووية” مقابل حفنة من الدولارات، مشترطةً أن يكون رفع الحصار البحري هو “المفتاح الأول” لأي تحرك، وهو ما اعتبره صقور البيت الأبيض محاولة لقلب الطاولة والهروب إلى الأمام. هذا التصلب المتبادل حوّل فندق “سيرينا” من ردهة للحوار إلى ساحة “اشتباك صامت” تُدار عبر وسيط باكستاني أرهقه التنقل بين أجنحة الوفود التي رفضت المصافحة المباشرة.
ومع اقرار الساعات، وصل التوتر إلى ذروته حين اصطدمت “نرجسية القوة” الأمريكية بـ “أيديولوجيا الصمود” الإيرانية حول بند مضيق هرمز؛ فبينما يرى ويتكوف وكوشنر أن أمن الملاحة هو حق دولي مقدس لا يخضع للمقايضة، يرى عراقجي أن المضيق هو الرئة التي تتنفس منها إيران، وأن فتحه دون رفع الحصار هو تفريط في آخر أوراق القوة التي تملكها بلاده. هنا، بلغت المفاوضات نهايتها المسدودة حين أعلن الوفد الإيراني رفضه القاطع لـ “تسييس” أمن الممرات المائية وتدخل المفتشين الدوليين في المواقع الدفاعية، معتبراً أن المطالب الأمريكية تجاوزت النووي لتطال “شرعية الدولة” وقدراتها الصاروخية، وهو ما يمثل انتحاراً سياسياً لصقور طهران لا يمكن قبوله تحت أي ضغط.
جاءت الخاتمة الدرامية لهذه الجولة حين رُصدت تحركات سريعة للوفد الإيراني بمغادرة الأراضي الباكستانية مساء اليوم، دون أن يلتقي بالأمريكيين وجهاً لوجه، ودون أن تهبط طائرة “جي دي فانس” في مطار نور خان العسكري كما كان مؤملاً. هذا الرحيل المفاجئ كان بمثابة “إعلان فشل” رسمي لمكوك إسلام آباد، حيث غادرت الوفود وهي تحمل معها خيبات أمل كبرى ورسائل تصعيدية مشفرة. لقد أثبتت النهاية أن “سياسة حافة الهاوية” التي تتبعها الإدارة الأمريكية لم تنجح في ترويض “العناد الإيراني”، بل دفعته نحو مزيد من الانغلاق، لتتحول طاولة المفاوضات إلى ساحة مهجورة تعكس عمق القطيعة وانعدام الثقة الذي بات السمة الأبرز لهذا الصراع الوجودي.
أما عما هو متوقع في الأيام القادمة، فإن المؤشرات الجيوسياسية تشير إلى عودة وشيكة لـ “دبلوماسية المدافع” و”حرب الناقلات”؛ ففشل المفاوضات يعني آلياً استمرار الحصار البحري الأمريكي، وهو ما سيقابله الجانب الإيراني بالتأكيد عبر تحركات ميدانية في مضيق هرمز لرفع كلفة التأمين والشحن العالمي. من المتوقع أن تقفز أسعار النفط إلى مستويات قياسية مع افتتاح الأسواق غداً الاثنين، متجاوزة حاجز الـ 130 دولاراً، مما سيضع ضغوطاً هائلة على الاقتصاد العالمي. كما أننا قد نشهد “استدارة إيرانية” كاملة نحو المحور الشرقي، حيث ستسارع طهران لتفعيل اتفاقية الـ 25 عاماً مع الصين، في محاولة لكسر العزلة الأمريكية عبر تحالفات اقتصادية وأمنية بعيدة عن هيمنة الدولار.
ختاماً، إن انكسار جولة إسلام آباد الثانية يضع المنطقة برمتها في مهب ريح مسمومة؛ فالفراغ الدبلومسي الذي خلفه رحيل الوفود سيملؤه بالضرورة التصعيد العسكري والتحشيد البحري. نحن الآن أمام سيناريو “الصِدام الحتمي” الذي حاول الجميع تجنبه، حيث ستكون الأيام القادمة اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على احتواء انفجار وشيك في أهم ممرات الطاقة العالمية. لقد غادر الدبلوماسيون وتركوا الميدان للعسكريين، وفي ظل هذا الانسداد، يبدو أن السلام الذي طمع فيه أكثر المتفائلين قد أصبح أثراً بعد عين، بانتظار ما ستسفر عنه “صدمة النفط” القادمة و”مناورات القوة” التي ستحدد من سيكسر إرادة الآخر أولاً.



