عبد اللطيف السيدح يكتب من مكة المكرمة: الأراضي المقدسة تشهد إزالة الخلافات بين وزير الأوقاف وأمين الحج والعمرة
تفاصيل نجاح المساعي الحميدة في تلطيف أجواء بعثة الحج السودانية

في توقيت بالغ الحساسية، نجحت المساعي الحميدة التي قادها عدد من الحكماء الحادبين على مصلحة الوطن والحريصين على نجاح موسم حج 1447 هجرية في تلطيف الأجواء داخل بعثة الحج السودانية واحتواء الخلاف الذي كان ناشبا بين وزير الشؤون الدينية والأوقاف الأستاذ بشير هارون عبد الكريم، والأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة المكلف الأستاذ عمر مصطفى.
ولأن مواقف الرجال تعرف عند المنعطفات الدقيقة فقد انتصر الطرفان لصوت الحق والحكمة، وقدما مصلحة حجاج بيت الله الحرام على أي تباينات إدارية أو خلافات حول الصلاحيات، فارتفعا إلى مقام الصفح الجميل والتسامح المسؤول، وأعلنا عمليا طي صفحة الأزمة، والتفرغ الكامل لمعركة النجاح الحقيقية خدمة الحجاج السودانيين في أطهر بقاع الأرض.
وما حدث لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد احتواء لخلاف عابر، إنما نقطة تحول مهمة تؤكد أن مؤسسات الدولة قادرة على تجاوز الأزمات متى ما خلصت النوايا، وحضرت الإرادة الوطنية، وتقدم الواجب على المكاسب الشخصية. فالحجاج الذين تركوا أوطانهم وأموالهم وأهليهم لا تعنيهم تفاصيل النزاعات الإدارية، بقدر ما يعنيهم أن يجدوا خدمة كريمة، وتنظيما محكما، ورعاية تحفظ لهم أمنهم وراحتهم وسلامتهم طوال رحلة الحج.

وقد انعكست هذه الروح الإيجابية بصورة واضحة على الاجتماع الموسع الذي عقده وزير الشؤون الدينية والأوقاف مع أمناء أمانات الحج والعمرة بالولايات، بحضور معالي وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد أحمد، إلى جانب الأمين العام الأستاذ عمر مصطفى، والملحق الإداري الدكتور عبد العزيز الصادق أحمد، ومسؤولي المشاعر المقدسة والنقل والإسكان والإعاشة.
وخرج الاجتماع برسالة مهمة مفادها أن مؤسسات الحج السودانية، رغم التحديات والتعقيدات والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ما تزال قادرة على العمل بروح الفريق الواحد، وأن الجميع باتوا يدركون أن نجاح الموسم لا يصنعه فرد، وإنما هو عبارة عن منظومة متكاملة تتشارك المسؤولية والهم الوطني.
وما يدعو للتفاؤل أن التقارير المقدمة أكدت أن نسبة الإنجاز بنجاح بلغت حتى الآن 80%، وهي نسبة تعكس جهدا كبيرا قد بذل خلال الفترة الماضية، خاصة في ملفات السكن والنقل والتفويج والإعاشة والترتيبات الصحية. أما النسبة المتبقية فهي مرتبطة بأكثر مراحل الحج حساسية، وتعقيدا، وخوفا والمتمثلة في عمليات التصعيد إلى المشاعر المقدسة، والوقوف بعرفة، والنفرة إلى مزدلفة، والإفاضة وأيام التشريق بمشعر منى، وهي مراحل تحتاج إلى أعلى درجات التنسيق والانضباط والعمل الميداني المتواصل.
إن المطلوب الآن ليس العودة إلى دفاتر الخلافات القديمة، وإنما تثبيت أجواء الوفاق، وتحويل روح المصالحة إلى برنامج عمل يومي داخل البعثة، لأن نجاح موسم الحج لا يحتمل التراخي ولا يسمح بتشتيت الجهود. فالعالم كله يتابع، والدولة السودانية تتطلع إلى موسم ناجح يعيد الثقة في مؤسساتها، والحجاج ينتظرون خدمات تليق بمعاناتهم وظروفهم.
كما أن المسؤولية الأخلاقية والوطنية والدينية تفرض على الجميع أن يعملوا بروح التجرد، وأن يتعاملوا مع هذا الموسم باعتباره مهمة وطنية مقدسة، لا مجال فيها للانتصارات الشخصية أو الحسابات الضيقة. فالحج موسم عبادة، لكنه أيضاً امتحان حقيقي للكفاءة والصبر والانضباط وحسن الإدارة.
ومن المهم الإشادة بالجهود الكبيرة التي تبذلها السلطات السعودية في سبيل إنجاح الموسم، وما وفرته من تسهيلات وخدمات وإمكانات ضخمة لضيوف الرحمن، الأمر الذي يضع على عاتق مسؤولي بعثة حجاجنا مسؤولية مضاعفة للاستفادة المثلى من تلك الترتيبات، وتقديم صورة مشرفة لبلدنا أمام العالم الإسلامي.
إن المساعي الحميدة التي أطفأت نار الخلاف داخل بعثة الحج السودانية يجب أن تتحول إلى ثقافة دائمة، لأن الوطن لم يعد يحتمل المزيد من الصراعات الجانبية، ولأن المواطن السوداني البسيط يريد أن يرى مسؤوليه مجتمعين على كلمة سواء، خاصة في القضايا التي تمس الناس بصورة مباشرة.
ويبقى الأمل كبيرا في أن يواصل الجميع العمل بروح التفاني والإخلاص خلال الأيام المقبلة، حتى يعبر الموسم إلى بر الأمان، ويعود الحجاج إلى أهلهم سالمين غانمين، وقد أُديت الأمانة كما ينبغي، وارتفعت راية السودان خفاقة في خدمة ضيوف الرحمن.
الوقوف بعرفة
غدا الثلاثاء هو يوم عرفة، التاسع من شهر ذي الحجة، يوم من الأيام العشرة العظيمة، ووقوف الحاج بعرفة هو الركن الأعظم للحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة، وهو اليوم الذي يُباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات، وهو أيضاً يوم إكمال الدين وإتمام النعمة.
لذا يشرع في هذا اليوم الدعاء بالأدعية المأثورة من القرآن الكريم والسنة النبوية للحاج وغير الحاج.
وهو كذلك يوم صيام لغير الحاج، حيث ثبت عن النبي أن صيامه يُكفِّر ذنوب سنة قبله وسنة بعده.


