إعادة هندسة التعاون الدولي (1_3)

دعوات لتأسيس كيان وطني مستقل لإدارة الشراكات الخارجية..
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها السودان يبرز ملف التعاون الدولي كأحد أكثر الملفات حساسية وتشابكاً إذ يتداخل فيه السياسي بالدبلوماسي والاقتصادي والتنظيمي ويتحول من مجرد قناة للعون الخارجي إلى ركيزة محتملة لإعادة الإعمار وبناء الثقة مع المجتمع الدولي. وبين دعوات إعادة هيكلته داخل وزارة الخارجية أو فصله في كيان مستقل، تتقاطع الرؤى حول جوهر الإشكال: ضعف التكامل المؤسسي، وتشتت القرار، وغياب الإطار الوطني الموحد الذي ينظم العلاقة مع شركاء التنمية.
وفي هذا السياق، تتباين المقاربات بين من يرى أن الخلل بنيوي يتطلب إنشاء مؤسسة متخصصة لإدارة التعاون الدولي، ومن يركز على ضرورة تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية ورفع كفاءة التفاوض.
وضعت صحيفة “العودة” هذا الملف الحساس أمام عدد من الدبلوماسيين وخبراء التعاون الدولي والاقتصاد في محاولة لقراءة أعمق للتحولات التي يشهدها السودان في مرحلة ما بعد الحرب وما يرافقها من تحديات تتصل بإعادة الإعمار وإعادة بناء منظومة العلاقات مع شركاء التنمية
– إشراقة: «الملف لا يحتمل التبعية بل يحتاج إلى كيان مستقل يحدد مساره بوضوح »
– : «كلما دُمجت إدارة الشراكات الخارجية داخل البنية التقليدية، تراجعت أولويتها تلقائياً. »
– : «التجربة السابقة أثبتت أن الاستقلال المؤسسي هو مفتاح استقطاب الدعم الدولي. »
تقرير معمّق: نشوة أحمد الطيب
قراءة أولى:
ويأتي هذا الجزء الأول من التقرير ليضع أمام القارئ رؤية سياسية ومؤسسية حول طبيعة هذا الملف وفي هذا السياق، تبدأ “العودة” بقراءة أولى من خلال إفادة الأستاذة إشراقة سيد محمود رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الهيئة القيادية العليا التي تقدم تصوراً يركز على البعد المؤسسي والتاريخي للملف، وما شهده من انتقالات بين الدمج والاستقلال، وصولاً إلى النقاش الحالي حول ضرورة إعادة ترتيبه بما يضمن فاعليته وقدرته على استقطاب الدعم الدولي وتوجيهه نحو الأولويات التنموية.
ملف التعاون الدولي:
قالت الأستاذة إشراقة سيد محمود، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الهيئة القيادية العليا، في حديثها لصحيفة “العودة”، إن ملف التعاون الدولي في السودان مرّ بمراحل متعددة، إذ كان في السابق جزءاً من وزارة الخارجية قبل أن يُفصل ليصبح وزارة مستقلة تحت مسمى “وزارة التعاون الدولي”، قبل أن يُعاد ضمه لاحقاً إلى وزارة الخارجية. وترى أن هذا الدمج غير صحيح في جميع المراحل، لأن ملف التعاون الدولي، سواء في الوقت الحالي أو في أي وقت آخر، لا ينبغي أن يكون تابعاً للخارجية.
وتوضح أن السبب في ذلك يعود إلى أن وزارة الخارجية تظل منشغلة في المقام الأول بالملفات السياسية والعلاقات الحكومية بين الدول، ما يجعل ملف التعاون الدولي يأتي في مرتبة ثانوية داخلها، رغم أهميته الاقتصادية والتنموية.
طبيعة الملف:
تشير إلى أن التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري يحتاج إلى إدارة متخصصة ومستقلة، نظراً لتشعب تفاصيله واتساع مجالاته. وتلفت إلى أن تجربة وجود وزارة مستقلة للتعاون الدولي كانت ناجحة في السابق، حيث أسهمت في استقطاب منح وأموال كبيرة من الخارج، إضافة إلى نجاحها في إدارة ملف اللجان الوزارية المشتركة، الذي يُعد من أهم ملفات التعاون الثنائي بين الدول.
وتؤكد أن هذه اللجان تضم ملفات معقدة وضخمة في مجالات متعددة، ما يجعل إدارتها تتطلب وزارة متخصصة تمتلك أدوات فنية وإدارية متكاملة، خاصة وأنها تختلف جذرياً عن الشؤون السياسية التقليدية.
أولوية الإصلاح:
وترى أن هناك أملًا كبيرًا في أن ينجح وزير الخارجية، السفير محيي الدين سالم، في منح ملف التعاون الدولي أولوية داخل الوزارة، مستنداً إلى خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي واطلاعه على هذا الملف.
وتشير إلى أن الوزير بدأ فعلياً في إنشاء وكالة حكومية متخصصة للتعاون الدولي، وهي خطوة شبيهة بما هو معمول به في عدد من دول العالم، حيث توجد وكالات تنموية مستقلة داخل أو خارج وزارات الخارجية.
وتستشهد بتجارب دولية مثل بريطانيا عبر وكالة التعاون والتنمية البريطانية، إلى جانب نماذج مماثلة في أوروبا ومصر واليابان وعدد من الدول الآسيوية.
التعاون الثنائي:
توضح أن وزارة التعاون الدولي كانت تضم في السابق ملف التعاون الثنائي، الذي يشمل العلاقات بين الدول واللجان الوزارية المشتركة، وهو ملف واسع ومعقد يتطلب إدارة دقيقة ومتابعة مستمرة.
وتضيف أن السودان يمتلك عدداً كبيراً من هذه اللجان مع دول مختلفة، ما يجعل الحاجة إلى جهاز متخصص أمراً ضرورياً لضمان فاعليتها.
التعاون المتعدد:
وتشير إلى أن الملف الآخر يتمثل في التعاون المتعدد، والذي يرتبط بالعلاقات مع المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، خاصة مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة، إضافة إلى التعامل مع التكتلات والتحالفات الدولية.
وتلفت إلى أن هذه التحالفات، مثل مجموعة “البريكس” ومفهوم “الجنوب-الجنوب”، تمثل مسارات تعاون حديثة تتميز بمرونة أكبر في تقديم المنح، وغالباً ما تكون أقل ارتباطاً بالشروط السياسية مقارنة ببعض المؤسسات الغربية.
ملف الصناديق
وفيما يتعلق بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، توضح أن تبعيتهما في السودان كانت لوزارة المالية بحكم طبيعتهما المالية، إلا أن هناك رؤية ترى ضرورة إدراجهما ضمن منظومة التعاون الدولي.
وتشير إلى أن هذا الفصل بين الجانبين المالي والتنموي خلق نوعاً من الارتباك في إدارة العلاقات الخارجية، إذ يُفترض أن تكون هذه الصناديق جزءاً من سياسة تعاون شاملة، لا مجرد تعاملات مالية.
إصلاح المنظومة:
وتؤكد أن نجاح التعاون الدولي يتطلب وجود إدارات قوية قادرة على الإشراف الفعّال، خصوصاً في ملف التعاون المتعدد والتعامل مع المنظمات الدولية.
وتنتقد وجود عدد كبير من المنظمات التي تعمل داخل السودان دون تمويل حقيقي أو أثر واضح، معتبرة أن بعضها لا يضيف قيمة فعلية.
وتدعو إلى تفعيل سياسة تقييم سنوي للمنظمات العاملة، ووضع سقف مالي واضح للعون الخارجي، بحيث لا يُسمح لأي منظمة بالعمل دون تمويل حقيقي ومشروعات ذات أثر ملموس.
شروط العون:
وتضيف أن هناك حاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات العون الخارجي، في ظل تحول العديد من الجهات الدولية إلى فرض شروط سياسية ورقابية على الحكومات، وهو ما انعكس على تدفق الأموال والمشروعات.
وتشير إلى أن ذلك يتطلب حواراً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً لاستعادة جزء من الأموال الموقوفة في الخارج، وإعادة صياغة العلاقة مع المانحين على أسس أكثر توازناً.

مرحلة الإعمار
وترى أن ملف التعاون الدولي يكتسب أهمية خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، مؤكدة ضرورة البدء في الإعداد المبكر لمؤتمر للمانحين، وعدم الانتظار حتى انتهاء الحرب.
وتوضح أن السودان في حاجة ماسة إلى هذا المؤتمر لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، في ظل عجز الميزانية الحالية عن تلبية متطلبات النازحين واللاجئين وإعادة تأهيل البنية التحتية.
وتقترح أن يتضمن المؤتمر التزامات واضحة من الدول الشقيقة والصديقة في مجالات محددة مثل الصحة والتعليم والطرق والبنية التحتية، إلى جانب عقد مؤتمر موازٍ للاستثمار يضم شركات كبرى.
اللجان المشتركة:
وتشدد على أهمية تفعيل اللجان الوزارية المشتركة مع الدول الصديقة، مثل الصين وروسيا ودول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إضافة إلى دول أوروبية وأفريقية ذات مصالح استراتيجية.
وتوضح أن هذه اللجان يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تبني مشروعات محددة، مثل الطاقة والتعليم التقني والتدريب المهني، بما يسهم في إعادة بناء القطاعات الحيوية في البلاد.
تعزيز كفاءة:
وتختتم بأن الخطوة التي بدأها وزير الخارجية، عبر إنشاء وكالة حكومية للتعاون الدولي، تمثل توجهاً صحيحاً بنسبة 100%، من شأنه تقليل التقاطعات داخل الملف، وتعزيز كفاءته، وتفعيل دوره في دعم مسار التنمية والتعاون الخارجي للسودان.
تقاطعات الدبلوماسية والاقتصاد:
وبينما تطرح إفادة الأستاذة إشراقة سيد محمود مقاربة ترتكز على إعادة الاعتبار للبنية المؤسسية المستقلة وتفكيك إشكالات الدمج التي أضعفت فاعلية الملف، يظل السؤال الأوسع مفتوحاً حول كيفية ترجمة هذه الرؤية إلى سياسة عملية قادرة على التعامل مع تعقيدات الواقع الداخلي وضغوط البيئة الدولية.
وفي الجزء الثاني من التقرير يتسع نطاق المعالجة ليشمل زوايا أكثر تنوعاً حيث تنتقل “العودة” من القراءة المؤسسية إلى تقاطعات الدبلوماسية والاقتصاد وإدارة العون، عبر إفادات السفير الدكتور معاوية البخاري، والخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الشريف، إلى جانب مصدر رفيع بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. وتسلّط هذه القراءات الضوء على تحديات الخطاب التفاوضي، وضعف التنسيق الداخلي، وإشكالات جذب التمويل، فضلاً عن متطلبات بناء رؤية اقتصادية متماسكة وآليات أكثر كفاءة لإدارة الشراكات الخارجية، بما يعكس صورة أشمل لتعقيدات هذا الملف في المرحلة المقبلة.



