المشهد الآن.. الشرق الأوسط الجديد!!..

14 بنداً للإتفاق الذي حبس أنفاس العالم..

إتفاق أم إعادة صياغة للشرق الأوسط؟..

يبدو أن البنود المتداولة للإتفاق الأمريكي الإيراني ليست مجرد إطار لوقف المواجهة العسكرية ووقف الحرب فيما بدا كمشروع سياسي وأمني وإقتصادي لإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين..وربما إعادة تعريف قواعد الإشتباك في المنطقة بأكملها..
عند قراءة البنود بنداً بنداً.. يتضح أن القضية النووية..التي ظلت لعقود عنوان الصراع الرئيسي.. تحولت لملف واحد ضمن حزمة أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي والإقتصاد وموازين القوى..
أولاً: وقف دائم وفوري للحرب في جميع الجبهات..بما فيها لبنان..وهو بند يكشف إتساع نطاق التسوية المقترحة لتشمل ساحات النفوذ الإقليمي وليس العلاقة الثنائية فقط..

ثانياً: إلتزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية واحترام السيادة الوطنية..وهو مطلب إيراني ظل حاضراً في الخطاب السياسي منذ انتصار الثورة الإسلامية..

ثالثاً ورابعاً وخامساً: رفع الحصار البحري وسحب القوات الأمريكية من محيط إيران..وإعادة فتح مضيق هرمز وفق ترتيبات إيرانية.. وهي بنود تعكس سعياً إيرانياً لتحويل المكاسب العسكرية والسياسية إلى ضمانات أمنية دائمة..

سادساً: تعليق العقوبات النفطية والبتروكيميائية وإتاحة الوصول الكامل للعائدات المالية..وهو بند يمثل شريان الحياة للإقتصاد الإيراني ويعكس إدراكاً أمريكياً بأن الضغوط الإقتصادية وحدها لم تنجح في تحقيق أهدافها السياسية..

سابعاً: الحديث عن مساهمة تصل إلى 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية يمثل..إن تم أعتماده نهائياً أكبر إعتراف ضمني بحجم الخسائر التي أنتجتها سنوات الصراع والعقوبات..وأحد أكثر البنود إثارة للجدل سياسياً واقتصادياً..
لكن جوهر الإتفاق الحقيقي يكمن في المادة الثامنة..
فهذه المادة لا تتحدث عن إتفاق نهائي..إنما عن مفاوضات تمتد ستين يوماً للتوصل لتسوية شاملة للملف النووي.. تشمل إلغاء العقوبات الأمريكية والأممية وقرارات مجلس الأمن الدولي وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية..هذه الصياغة تجعل المادة الثامنة بمثابة “قلب الإتفاق” و”غرفته المركزية”.. لأن جميع البنود السابقة تبدو وكأنها إجراءات تمهيدية لبناء الثقة وتهيئة المناخ للوصول لهذه النقطة..
والأهم أن المادة الثامنة تحمل تحولاً إستراتيجياً عميقاً.. فهي تنقل التفاوض من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البحث عن تسوية نهائية لجذورها القانونية والسياسية.. كما أنها تفتح الباب أمام إعادة دمج إيران في الإقتصاد العالمي ورفع القيود الدولية التي ظلت تحاصرها لسنوات طويلة..

تاسعاً وعاشراً: تؤكد إيران إلتزامها بمعاهدة عدم الإنتشار النووي..مقابل تعهد أمريكي بعدم زيادة القوات أو فرض عقوبات جديدة أثناء المفاوضات..وهو تبادل واضح للضمانات..

حادي عشر وثاني عشر وثالث عشر: الإفراج عن الأموال المجمدة..وإنشاء آلية رقابة..ثم إعتماد الإتفاق بقرار من مجلس الأمن..وهي خطوات تمنح الإتفاق صفة التنفيذ العملي والغطاء القانوني الدولي..

أما المادة الرابعة عشرة فهي لا تقل أهمية عن المادة الثامنة..إذ إنها تستبعد بصورة نهائية ملفي البرنامج الصاروخي ودعم الحلفاء الإقليميين من التفاوض..وتحصر النقاش في التخصيب النووي والعقوبات.. وهذه نقطة بالغة الدلالة لأنها تعني أن واشنطن (إن صحت هذه الصيغة).. إنتقلت من محاولة إعادة تشكيل السلوك الإستراتيجي الإيراني بالكامل إلى التركيز على منع إنتاج السلاح النووي فقط..
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه البنود ستوقف الحرب..بل ما إذا كانت تؤسس لمرحلة جديدة من التوازن بين الولايات المتحدة وإيران.. فالإتفاقات التي تنجح في تغيير قواعد اللعبة يجب قرائتها من زاوية الحقائق السياسية الجديدة التي تخلقها..وإذا كُتب لهذا الإتفاق أن يرى النور.. فإن أهم ما فيه يتجاوز وقف إطلاق النار للأعتراف المتبادل بأن الصراع المفتوح لم يعد قادراً على إنتاج نصر حاسم لأي من الطرفين..وأن التسوية ـ مهما كانت مؤقتة ـ أصبحت أقل كُلفة من إستمرار المواجهة..
وهذا وحده كفيل بأن يجعل من هذه الوثيقة..إن إكتملت واحدة من أكثر الوثائق تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى