وحدة الجبهات واختبار الضمانات الأمريكية: إلى أين يتجه مصير الاتفاق الإطاري !؟

بقلم/ السفير د.معاوية البخاري
رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بجولات التفاوض الأخيرة والتأكيدات المتبادلة من مختلف الأطراف بشأن الرغبة في المضي نحو تفاهم يخفف من حدة التوتر الإقليمي، فإن تأجيل توقيع مذكرة التفاهم ليوم الجمعة بجنيف، يكشف أن العقبات الجوهرية لم تُحسم بعد، وأن الاتفاق المرتقب ما يزال يواجه اختبارات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز حدود الملف التفاوضي المباشر الي حاجز الثقة.
فالمسألة لم تعد مرتبطة ببنود تقنية أو تفاصيل إجرائية، وإنما باتت تتصل بطبيعة البيئة الاستراتيجية التي يفترض أن يولد فيها الاتفاق، ومدى قدرة الأطراف الضامنة على توفير شروط استمراره في ظل مشهد إقليمي شديد السيولة والتقلبات.
وحدة الجبهات ومعضلة التوقيت السياسي
تواجه إيران اليوم معضلة دقيقة بين مقتضيات التفاوض ومتطلبات الالتزام السياسي تجاه حلفائها الإقليميين. ففي الوقت الذي تتواصل فيه الاتصالات الدبلوماسية سعياً للوصول إلى تفاهمات قابلة للحياة، تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، بما يجعل أي خطوة إيرانية متقدمة نحو الاتفاق عرضة لتساؤلات سياسية وأخلاقية داخلية وإقليمية.وبالتالي جاء التأخير ايجابا وتضمن الاتفاق وقف الحرب في الجبهة اللبنانية.
ومن منظور طهران، يصعب فصل مسار التفاوض عن واقع الميدان، خاصة في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية وما تسببه من خسائر بشرية وموجات نزوح وتدمير للبنية المدنية. كما أن المطالبة بتجريد قوى المقاومة من عناصر الردع في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية تضع القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة الحساسية ترتبط بمفهوم “وحدة الجبهات” الذي أصبح أحد المحددات الرئيسية لسلوك المحور خلال السنوات الأخيرة.
ولذلك فإن أي تقدم في المفاوضات سيظل رهيناً بقدرة الأطراف على معالجة هذا التناقض بين متطلبات التسوية السياسية واستمرار المواجهة الميدانية اذا ما استمرّت من المؤكد ستفشل الاتفاق الإطاري.
الضمانات الأمريكية بين النظرية والتطبيق
إذا كانت وحدة الجبهات تمثل التحدي السياسي للاتفاق، فإن الضمانات الأمريكية تمثل التحدي العملي الأكبر أمام صموده.
فالخبرة المتراكمة في أزمات المنطقة تشير إلى أن الاتفاقات لا تنهار عادة بسبب نصوصها، بل بسبب غياب الضمانات الكافية لتنفيذها. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل تستطيع واشنطن إلزام إسرائيل بسقف منضبط يحول دون تقويض التفاهمات الجديدة؟ وهذا ما ستكشفه الايام.
إن نجاح أي اتفاق لن يقاس فقط بما يتضمنه من ترتيبات مالية أو تفاهمات أمنية، وإنما بقدرة الولايات المتحدة على إدارة التناقض القائم بين مسار التهدئة الذي تسعى إليه وبين السياسات الميدانية الإسرائيلية التي قد تدفع نحو التصعيد في أي لحظة.
ففي حال عجزت واشنطن عن ممارسة دور الضامن الفعلي، فإن الاتفاق قد يتحول إلى إطار هش يفتقد إلى مقومات الاستدامة، مهما بلغت أهمية التفاهمات التي يتضمنها.
الوساطة القطرية والباكستانية: رصيد إضافي للثقة
في هذا السياق يكتسب دور الوسطاء أهمية استثنائية. فالحراك الذي قادته كل من قطر وباكستان خلال الأشهر الماضية لم يقتصر على تقريب وجهات النظر بين الأطراف، بل امتد إلى توفير قنوات اتصال موثوقة ساعدت على احتواء العديد من لحظات التوتر التي كانت كفيلة بإفشال المسار التفاوضي بأكمله.
وتتمتع الدوحة برصيد معتبر من الخبرة في إدارة الوساطات المعقدة، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بينما تضيف إسلام آباد بعداً مهماً بحكم علاقاتها التاريخية مع طهران وواشنطن ودورها المتنامي في معالجة أزمات الإقليم. وان استمرار طاولة المفاوضات اللاحقة تحتاج الي استمرار الوساطة لضمان صموده.
ولا تقتصر أهمية الوساطة هنا على تسهيل التفاوض، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد الاتفاق، حيث يمكن للوسطاء أن يشكلوا آلية متابعة وضمان غير مباشرة تساعد في معالجة الخلافات الطارئة ومنع انهيار التفاهمات عند أول اختبار ميداني.
ومن ثم فإن نجاح الاتفاق لن يكون رهناً بالإرادة الأمريكية وحدها، وإنما أيضاً بقدرة الوسطاء على الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة وامتصاص الصدمات السياسية والأمنية التي قد تعترض مراحله وطرق تنفيذه.
ترابط الملفات وصعوبة الفصل بينها
تكشف التطورات الأخيرة أن الفصل بين الملف الإيراني والجبهة اللبنانية أصبح أمراً بالغ الصعوبة. فالقضايا الأمنية والاقتصادية والسياسية باتت متداخلة بصورة تجعل أي تصعيد في إحدى الساحات قادراً على التأثير المباشر في مسار التفاوض برمته.
كما أن قضايا الإفراج عن الأموال وتخفيف العقوبات والترتيبات الأمنية لم تعد ملفات مستقلة، بل أصبحت حلقات ضمن معادلة إقليمية واحدة تتأثر بمستوى الاستقرار أو التوتر في المنطقة.
ولهذا فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط على طاولة المفاوضات، وإنما أيضاً في الجنوب اللبناني وفي طبيعة التفاعل الأمريكي مع السلوك الإسرائيلي وفي قدرة الوسطاء على حماية التفاهمات من تداعيات الميدان.
إلى أين يتجه مصير الاتفاق؟
لا يبدو أن تأجيل التوقيع يعكس انهياراً للمسار التفاوضي بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأطراف بأن نجاح الاتفاق يتطلب معالجة الأسئلة الكبرى قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
فبين اعتبارات وحدة الجبهات، واختبار الضمانات الأمريكية، والدور المتنامي للوساطة القطرية والباكستانية، يقف الاتفاق اليوم عند مفترق طرق حقيقي. وإذا نجحت هذه العناصر في إنتاج منظومة متماسكة من الضمانات السياسية والأمنية، فقد يشكل الاتفاق مدخلاً لخفض التوتر وإعادة ترتيب أولويات المنطقة وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، لتمضي أطرافه قدما في التفاصيل لمدة ٦٠ يوما ، ومتابعة أطر التنفيذ.
أما إذا استمرت الفجوة بين ما يجري على طاولة التفاوض وما يحدث في الميدان، فإن الاتفاق سيظل معلقاً بين فرص النجاح ومخاطر الانتكاس، لتبقى الجبهات المشتعلة هي العامل الأكثر تأثيراً في رسم مستقبله ومآلاته.
وعليه، فإن مصير الاتفاق لن تحدده الوثيقة التي قد تُوقّع في قاعة المفاوضات بقدر ما ستحدده قدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات إلى وقائع ميدانية قابلة للاستمرار. فبين وحدة الجبهات، واختبار الضمانات الأمريكية، ودور الوسطاء في حماية مسار التهدئة، تقف المنطقة أمام مرحلة انتقالية دقيقة قد تفتح الباب لتسوية أوسع تعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي، أو تعيد إنتاج دورة جديدة من التصعيد وعدم الاستقرار، بما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه البوصلة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.لذلك من المبكر الحديث الآن عن انتصار لأي من أطراف الحرب ، أو تجاوز العقبات الرئيسية حتى عقب التوقيع المتوقع بجنيف نهاية هذا الأسبوع .
—————-
١٥ يونيو ٢٠٢٦ م



