ليلى… آخر زاد من المحروسة

بقلم/ رندة المعتصم اوشي

في جراج العزيزية لا تبدأ الحكايات عند أبواب الحافلات، بل تبدأ عند موقد صغير تقف خلفه امرأة اسمها ليلى. تضع براد الشاي على النار، وتغلي القهوة، وتحرك الحلبة والشيرية، بينما تفتح قلبها لكل من يجلس أمامها.

هناك، لا أحد يشتري كوب شاي فقط، بل يجد فسحة يلتقط فيها أنفاسه قبل السفر، وكتفا يسند إليه ذاكرته المثقلة، وأذنا تسمع دون أن تمل، وقلبا يتسع للجميع.

ليلى ليست بائعة شاي كما يظن العابرون. إنها استراحة للعائدين، صديقة للعمال، ورفيقة للمتطوعين في برنامج العودة. تحفظ الوجوه أكثر مما تحفظ الأسماء، وتعرف أن لكل مسافر قصة.

يجلس أمامها الرجال والنساء، الشيوخ والشباب، والأطفال الذين لا يدركون أن ساعات قليلة تفصلهم عن وطن طال انتظاره. يروون لها كيف وصلوا إلى مصر، وما حملوه من خوف وتعب وفقد، ثم تتغير نبرة أصواتهم وهم يتحدثون عن العودة، وعن البيوت التي تنتظرهم، والأمهات، والأصدقاء، ورائحة الأرض التي لم تغب عن قلوبهم يوما.

تنصت ليلى في هدوء، وتبتسم في الوقت المناسب، وكا نها تقول لكل واحد منهم… ما بقي أجمل.

وفي يوم التفويج يتحول المكان إلى لوحة كبيرة من الحنين. اليوم تحرك أربعة وعشرون باصا، وعلى متنها مئات العائدين، رجال ونساء، أطفال وشباب وشيوخ. يمرون جميعا على ليلى، يحتسون آخر فنجان قهوة، أو آخر كوب شاي في المحروسة، ثم يصعدون إلى الحافلات وهم يحملون حقائبهم… وتحمل هي دعواتها لهم بأن يصلوا سالمين.

يمضي الركاب، ويخلو المكان شيئا فشيئا، لكن ليلى تبقى. تجمع الأكواب، وترتب المقاعد، بينما تبقى أصواتهم معلقة في المكان. ضحكة هنا، ودمعة هناك، ودعاء أم، وحلم شاب، ولهفة طفل يرى السودان لأول مرة .

وربما ينسى العائدون أسماء شوارع كثيرة مروا بها في القاهرة، لكنهم لا ينسون ليلى. لا ينسون ابتسامتها، ولا كلماتها الطيبة، ولا كرمها الذي سبق أكوابها. كانت آخر زادهم من المحروسة، وآخر وجه ودعهم بمحبة صادقة قبل أن يعانقوا الوطن.

ومع حلول المساء، تعود ليلى إلى منزلها محملة بوجوه لا تشبه بعضها، لكنها تشترك في شيء واحد… أنها كانت تحلم بالعودة. تحمل معها حكايات لم تكتب في الصحف، لكنها بقيت محفوظة في قلب امرأة أدركت أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للآخرين هو أن يصغي إليهم.

ثم يطلع صباح جديد.

تشعل ليلى موقدها من جديد، وتغلي القهوة مرة أخرى، وتنتظر أفواجا جديدة، ووجوها جديدة، وأحلاما جديدة.

وهكذا، يوما بعد يوم، لا تبيع ليلى الشاي والقهوة، بل توزع الطمأنينة، وتمنح العابرين شيئا من الدفء، وتكتب بصمت فصلا جميلا من حكاية العودة إلى الوطن.

ولعل أجمل ما في رحلة العودة أن الوطن لا يبدأ عند الحدود، بل يبدأ من وجوه طيبة نصادفها في الطريق. وكانت ليلى واحدة من تلك الوجوه ،امرأة بسيطة، لكنها تركت في ذاكرة المئات أثرا لا يمحى. فمن شرب قهوتها، أو جلس دقائق في استراحتها، لم يحمل معه إلى السودان طعم القهوة فحسب، بل حمل شيئا من دفء المحروسة، ومن قلب ليلى الذي ظل مفتوحا لكل عابر.

سلام على ليلى… التي لم تكن مجرد بائعة شاي، بل شاهدة على زمن العودة، وحارسة للحكايات، وآخر زاد من المحروسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى