م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة – 16/5

اسياد النهر وأباطرة الشمس: الإمبراطورية الكوشية وعصر الفراعنة السود (750 ق.م – 656 ق.م)

 

​الطوفان القادم من الجنوب

 

​تخيل مشهداً مهيباً: النيل يتدفق هادراً، وعلى ضفتيه جيش عرمرم يتحرك بإيقاع واحد، تتقدمه رايات الأسد وصيحات الفرسان السمر. انتهى زمن الانتظار الصامت في نبتة، وجاء الوقت ليعرف العالم أن كوش تستعيد إرثها بقوة. في هذا العصر، تمددت المملكة الفتية لتصبح إمبراطورية شاسعة، وارتدى ملوكها التيجان المزدوجة، مصلحين ما أفسدته الفوضى في الشمال، ومسطرين صفحة عسكرية وسياسية فريدة غيرت وجه الشرق الأدنى القديم.

 

​*بعنخي.. عبقرية السيف والقلب (747 ق.م – 716 ق.م)*

​تولى الملك الشاب بيي (المعروف بـ بعنخي) عرش نبتة، وعيونه ترنو نحو الشمال حيث مصر تتمزق بين أمراء الدلتا المتناحرين. عندما حاول حاكم سايس الملك “تف نخت” غزو الجنوب وتوحيد مصر تحت رايته، اعتبر بعنخي هذا الأمر تدنيساً للأرض المقدسة وتحدياً لإرادة الإله آمون.

​تحرك بعنخي بأسطوله وجيشه في نهر النيل معلناً زحفه المقدس. تميزت معركته بطابع روحي فريد؛ إذ أمر جنوده بالتطهر بماء النهر قبل القتال، والصلاة في معبد الكرنك. تركت لنا هذه الحقبة في جبل البركل لوحة النصر العظيمة، وهي نص تفصيلي نابض بالحياة، يروي كيف حاصر المدن المصرية واحدة تلو الأخرى. تبرز عبقريته الإنسانية والعسكرية في تعامله مع المنهزمين؛ عفا عن الأمراء المستسلمين، ورفض دخول القصور التي جُوّعت فيها الخيول، مبرهناً على فروسية نبيلة هزت قلوب خصومه قبل عروشهم. عاد بعنخي إلى نبتة محملاً بالغنائم، تاركاً مصر موحدة تابعة للتاج الكوشي.

 

​*شباكا وشبـتـكو.. ترسيخ الإمبراطورية (716 ق.م – 690 ق.م)*

​خلف الملك شباكا أخاه بعنخي، واختار استراتيجية جديدة تمثلت في نقل مقر إقامته سياسياً إلى قلب مصر في منطقة ممفيس، ليدير من هناك الإمبراطورية الممتدة من سواحل البحر المتوسط حتى أعالي النيل الأزرق والأبيض.

​شهد عهد شباكا حركة إحياء ديني ومعماري واسعة، تضمنت نسخ النصوص القديمة المتآكلة على حجر صلب، وهو الأثر المعروف بنص شباكا، مخلداً الفلسفة الفكرية العميقة لوادي النيل. بدأت نذر الخطر تلوح من الشرق مع تمدد الإمبراطورية الآشورية، فأدرك الكوشيون حتمية المواجهة، وبدؤوا بدعم الدويلات الكنعانية والفلسطينية لإنشاء حائط صد دفاعي، ممهدين الطريق لعصر المواجهات الكبرى.

 

​*تهارقا.. المجد المعماري وصدام الجبابرة (690 ق.م – 664 ق.م)*

​وصلنا إلى الإمبراطور الأبرز، الملك الذي خلدت الكتب السماوية واليونانية اسمه كأحد أعظم قادة زمانه؛ الملك “تهارقا”. شهد النيل في عهده فيضاناً قياسياً أدى إلى وفرة زراعية هائلة، فاستغل هذه الثروة في بناء معابد ضخمة في جبل البركل، صنم، الكرنك، والكوا شرق دنقلا. يقف عموده الفريد المنفرد في معبد الكرنك شاهداً حتى اليوم على ضخامة رؤيته المعمارية.

​قاد تهارقا جيوشه شخصياً إلى الشام لمساندة حلفائه ضد الآشوريين، وتذكر النصوص التاريخية كيف أنقذ أورشليم من حصار الملك الآشوري “سنحاريب”. تحول الصراع لاحقاً إلى كر وفر داخل الأراضي المصرية بعد أن قرر الآشوريون غزو مصر انتقاماً من التدخل الكوشي، فقاوم تهارقا بضراوة، متراجعاً إلى الجنوب ومستجمعاً قواه مراراً، رافضاً الاستسلام.

 

​*الانحسار والعودة إلى الجذور (664 ق.م – 656 ق.م)*

​تسلم الملك “تنوت أماني” العرش وسط أجواء مشحونة بالحرب، ورأى في منامه رؤية شهيرة بوجود ثعبانين على رأسه، فسرها الكهنة بأنه سيملك الشمال والجنوب. زحف تنوت أماني شمالاً، واستعاد ممفيس مؤقتاً، مقتصاً من الحكام المعينين من قبل الآشورين. جاء الرد الآشوري قاسياً؛ إذ اجتاح جيش “آشور بانيبال” طيبة ودمرها تدميراً بليغاً. وأمام تفوق الأسلحة الحديدية الآشورية وتحالف بعض أمراء الشمال مع الغزاة، اتخذ الملك الكوشي قراراً استراتيجياً بالانسحاب الكامل نحو العاصمة الأم نبتة، مغلقاً خلفه بوابات الشلالات.

 

*​ومضة تاريخية:*

قرن كامل من الزمان، حكم فيه الفراعنة السود القوة العظمى في العالم. تفرغوا لموطنهم الأصلي بعد أن استنزفت الحروب طاقاتهم في الشمال، عائدين إلى الجنوب بحصيلة وافرة من الخبرات الإدارية، العسكرية، والثقافية، شكلت الوقود الحيوي للمرحلة القادمة في عمق القارة الإفريقية.

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى