م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة (الجزء الاول-3)

السيادة الكوشية والأسرة الخامسة والعشرون (747 – 656 ق.م)
تناولنا في الجزء الأول-١ و الجزء الاول-٢ ملخصات للمراحل المختلفة لامبراطورية كوش و علاقتها بالاسرات من ١ إلى ٢٥ ، و نستمر في هذا الجزء في التركيز على قيمة الأسرة الخامسة و العشرون ، حيث شهدت موازين القوى في وادي النيل تحولاً جذرياً عقب انهيار الدولة الحديثة ودخول مصر في فوضى سياسية وتفتت إداري بين أسر متعددة متنافسة. هذا التراجع الشمالي أتاح الفرصة لظهور قوة سودانية فتية في الجنوب تمثلت في مملكة كوش وعاصمتها “نبتة”. تبنت هذه المملكة الإرث الإداري والديني الذي خلفه الوجود المصري، وتحول ملوكها من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، مبررين زحفهم نحو الشمال بضرورة حماية العقيدة الآمونية وإعادة توحيد الوادي.
استغلت مملكة كوش الناشئة في نبتة الصراعات الداخلية بين أمراء الأسرات المشذرة في الدلتا ومصر الوسطى خلال عصر الانتقال الثالث. وتبنى الملوك الكوشيون العقيدة الآمونية بشكل صارم، واعتبروا أنفسهم الحماة الشرعيين للحضارة والتقاليد الدينية في وادي النيل. وفي عام 747 قبل الميلاد، تحرك الملك الكوشي “بعنخي” (بيي) بجيش نظامي ضخم متوجهاً شمالاً، وأخضع الحكام المحليين وأمراء الأقاليم المصرية في حملة عسكرية واسعة سطر تفاصيلها على “لوحة الانتصار” في جبل البركل، مؤسساً بذلك الأسرة الخامسة والعشرين الكوشية.
أدار الملوك الكوشيون مصر والسودان ككيان سياسي وإمبراطوري موحد لأكثر من قرن من الزمان، متخذين من طيبة مركزاً دينياً رئيسياً لإضفاء الشرعية على حكمهم. اتبع ملوك هذه الأسرة نظام حكم دمج بين التقاليد الملكية الفرعونية والهوية الثقافية السودانية، ونجحوا في إعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي إلى الأقاليم المصرية بعد عقود من الانقسام. وشهدت مصر في عهدهم عودة إلى الفنون والآداب الكلاسيكية التي ميزت عهود الدولتين القديمة والوسطى، في محاولة لترسيخ شرعيتهم كفراعنة عظام.
بلغ الازدهار الكوشي ذروته في عهد الملك “طهارقة” (690 – 664 ق.م)، الذي شهد عهده نشاطاً إنشائياً ومعمارياً مكثفاً تجسد في ترميم المعابد المصرية القديمة وإضافة صروح جديدة في معبد الكرنك، بالتوازي مع بناء معابد مماثلة في صنم والبركل داخل السودان. وتزامن هذا النشاط الداخلي مع دخول كوش في مواجهات عسكرية واقتصادية مباشرة مع الإمبراطورية الآشورية الصاعدة في الشرق الأدنى؛ حيث قاد طهارقة جيوشه للدفاع عن حلفائه في الشام وحماية بوابات مصر الشرقية، مما جعل كوش لاعباً أساسياً في السياسة الدولية لشرق المتوسط.
انتهى النفوذ الكوشي على العرش المصري عام 656 قبل الميلاد نتيجة الضربات العسكرية المتتالية للآشوريين الذين اجتاحوا منف وطيبة، ودعموا أمراء الأسرة السادسة والعشرين (السايسية) لتمكينهم من السيطرة على البلاد. تراجع الملوك الكوشيون إلى معاقلهم الجنوبية ونقلوا عاصمتهم لاحقاً إلى مدينة “مروي” الأبعد عن الحدود المصرية، حيث طوّروا هناك الحضارة المروية بخلط عناصر محلية مع الاحتفاظ بالتقاليد المعمارية المستوحاة من العصور الفرعونية، والتي ظهرت بوضوح في استمرار بناء الأهرامات الجنائزية الحادة لملوكهم في مروي والبجراوية.
ابتداء من الجزء الثاني سنبدأ في مختصرات تشمل مراحل إمبراطورية كوش لمعرفة شذرات من براعة انسان كوش خلال كل المراحل التي مر بها.
//////////////////
الممشى العريض
خالد أبو شيبة
انهض يا مأمون… فأنت أكبر من المرض وأقوى من الوجع
زرت اليوم أخي وصديقي وأحد أحب الناس إلى قلبي وإلى قلوب أبناء الهبيكة جميعاً العزيز مأمون الطيب حمدون بشقته في ضاحية فيصل بالقاهرة. كانت زيارة ثقيلة على النفس امتزج فيها الألم بالأمل والحزن بالرجاء.. رأيت بأم عيني ما فعلته جرعات العلاج الكيماوي بجسده النحيل الذي أنهكه الصراع مع المرض ولاحظت التدهور الذي أصاب صحته في الأيام الأخيرة لكن وسط ذلك كله رأيت ذلك البريق الذي لم ينطفئ في عينيه ورأيت روحاً عصية على الانكسار وعزيمة لا تزال تقف شامخة في وجه الإبتلاء.
رأيت مأمون الذي نعرفه جميعاً المبتسم حتى في ذروة الألم والصابر حين تضيق السبل القوي الذي لا يعرف الاستسلام. رأيت الإصرار والتحدي يسكنان ملامحه فالرجل يخوض معركته بإيمان المؤمنين وصلابة الرجال الفرسان الذين لا تهزمهم الشدائد.
يا مأمون الجميع يشهد بأنك لست شخصاً عادياً حتى يهزمك هذا المرض اللعين. عرفناك صلباً عند الملمات ثابتاً أمام العواصف لا تنحني للبلايا ولا تستسلم للمحن. عرفناك مؤمناً راضياً بقضاء الله تستقبل الابتلاء بالصبر الجميل والابتسامة الصادقة وتواجه الأيام العسيرة بقلب عامر باليقين.
وعرفناك قبل ذلك كله إنساناً نبيلاً رقيق الحاشية لين الجانب قريباً من القلوب محباً للناس والحياة. تستوقفك بسمة طفل فتفرح بها وتأسرك لمحة جمال فتحتفي بها وتمنح من حولك من دفء روحك ما يجعل الجميع يشعرون أنهم أقرب الناس إليك.
عرفناك عاشقاً للحياة صاحب قلب نقي لا يحمل إلا المحبة والخير. ماجناً بالفرح الجميل وصوفياً في صفاء روحه تتنقل بين الناس بمحبة خالصة وإنسانية نادرة وتنثر البهجة حيثما حللت كأنما أنت المعني بوصف جماع “هين تستخفه بسمة الطفل قوي يصارع الاجيالا ”
أنت حفيد الصالحين وأهل القرآن ابن البيوت الوضئة التي عرفت الذكر والتقابة واللوح والدواية وتربت على الإيمان واليقين. تعلم كما نعلم أن الابتلاء مهما اشتد وأن الليل مهما طال فإن الفجر آتٍ لا محالة وان مع العسر يسراً وأن بعد الصبر فرجاً وهذا وعد الله الحق الذي لا يخلف وعده.
ثق يا صديقي أننا جميعاً في انتظارك أبناؤك يترقبون ابتسامتك التي افتقدوها وأهلك وأحبابك يرفعون أكف الدعاء لك في كل حين وأبناء الهبيكة ينتظرون عودتك لتملأ مجالسهم دفئاً وانساً ومحبة والنادي يفتقد أحد ركائزه وأكبر اعمدة إنارته وأوفى أبنائه وأكثرهم إخلاصاً ونبلاً.
انهض يا مأمون…وقاوم كما عهدناك دائماً. لا تمنح المرض فرصة للنيل من روحك الكبيرة فأنت أقوى منه بإيمانك وأصلب منه بصبرك وأعظم منه بمحبة الناس التي تحيط بك من كل جانب. نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يلبسك ثوب الصحة والعافية وأن يجعل ما اصابك رفعة من الدرجات وتكفيرٱ للذنوب وزيادة في الأجر والثواب.. شفاك الله ي أنبل الناس فقلوبنا كلها معك ودعواتنا لا تفارقك وثقتنا بالله كبيرة وعشمنا أكبر بأنك ستتجاوز هذا الامتحان الصعب بإذنه تعالى وستعود كما عهدناك تغني للحياة وتنثر المحبة بين رفاقك وتمضي في دروب الحياة نبلٱ وإنسانية ووسامة.



