الدوائر لا تخطئ العنوان.. والجغرافيا لها حساباتها

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
تتقدم القوات المسلحة والقوات المساندة على محاور جديدة غربي العباسية تقلي بولاية جنوب كردفان، بعد بسط سيطرتها على الدامرة وتبسة وقردود نجاما، في تطور ميداني يضيف مساحات جديدة إلى خارطة العمليات ويعيد ترتيب حسابات الميدان في كردفان. وفي الضفة الأخرى من الإقليم، تعود إثيوبيا إلى واجهة المشهد مع تجدد القتال في شمال البلاد، بما يجعل التطورات المتزامنة على طرفي الحدود جديرة بقراءة تتجاوز الخبر العسكري إلى حسابات الجغرافيا والسياسة.
الميدان، يا سادة، لا يجيد المجاملة. الأرض لا تعرف البيانات المنمقة، ولا تحفظ للمتحدثين في الغرف المغلقة حق تغيير اتجاهاتها بالكلام. هناك، في التراب نفسه، تُكتب الوقائع؛ منطقة تخرج من يد، وأخرى تدخل في نطاق السيطرة، وطريق يفتح، ومحور يتبدل، فتجد الخرائط القديمة نفسها أمام امتحان عسير.
والطريف أن المشهد السوداني يأتي هذه المرة وإثيوبيا نفسها تستدعي قاموساً مشابهاً؛ القتال عاد إلى شمال البلاد، وتجددت المواجهات في تيغراي، واتسعت إلى مناطق حدودية مع أمهرا وعفر، بالتزامن مع تحالف جديد لجماعات إثيوبية معارضة للحكومة الفيدرالية.
لكن التطور الأكثر إثارة جاء من داخل المؤسسة العسكرية الإثيوبية نفسها؛ فقد اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، مصر والسودان وأطرافاً أخرى بدعم جماعات مسلحة وسياسية مناوئة للحكومة في أديس أبابا، وقال إن قوى خارجية تقدم دعماً وتجهيزاً لتحالف جديد يضم جماعات إثيوبية.
وهنا تصبح الحكاية أكثر طرافة من مجرد خبر عابر. البلد الذي تتسع فيه جبهات القتال، وتظهر فيه تحالفات جديدة، وتعود فيه تيغراي إلى واجهة المشهد، يجد نفسه في الوقت ذاته يوزع الاتهامات على الجوار. والسياسة، مثل القهوة السودانية، لا تُشرب بلا حساب؛ لكل فنجان رواسبه، ولكل حساب فاتورته، وبعض الفواتير لا تأتي بالبريد وإنما تصل إلى الباب مباشرة.
كما تدين تُدان؛ ومن جعل أراضيه للمليشيا، دارت عليه الدوائر.
الجغرافيا ليست قطعة قماش تُطوى بعد انتهاء المناسبة، ولا ممراً باتجاه واحد. الأرض التي تُفتح للحرب لا تظل دائماً بمنأى عن آثارها، والممر الذي يُستخدم اليوم لحسابات الآخرين قد يصبح غداً جزءاً من حسابات الداخل. وهذه واحدة من قواعد الجوار التي لا تحتاج إلى مؤتمر دولي حتى تُفهم.
السودان يعرف هذه الحكاية جيداً؛ فقد عاش الحرب بأطرافها المفتوحة، وشاهد كيف تتحول الحدود من خطوط على الورق إلى ممرات للسلاح، وكيف يمكن للأزمة أن تعبر من نقطة إلى أخرى أسرع من قدرة السياسيين على كتابة البيانات. ولذلك فإن ما يجري حول السودان ليس نشرة أخبار أجنبية نطالعها مع فنجان الصباح ثم نطوي الصحيفة؛ إنه جزء من بيئة إقليمية تتحرك أمام أعين الجميع.
وفي كردفان تحديداً، تتحدث الأرض بلغة أكثر وضوحاً. الدامرة وتبسة وقردود نجاما ليست مجرد أسماء تُضاف إلى نشرة العمليات، وإنما مواقع تتحرك معها خريطة الميدان، وتتغير معها حسابات الطرق والمحاور وخطوط الإمداد. وكل تقدم على الأرض يفرض قراءة جديدة لما بعده.
أما هجمات المسيّرات على المدن، فهي الوجه الآخر لحرب تحاول فيها مليشيا الدعم السريع استخدام الضربات بعيدة المدى في مواجهة التحولات على الأرض. وقد أصبحت المسيّرات جزءاً من معركة الاستنزاف، تستهدف المدن والمنشآت وتبقي المدنيين في مرمى الخطر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكتب خريطة جديدة للميدان.
والسخرية في المشهد أن هناك من جلسوا خلف الخرائط يحركون الجغرافيا بقلم، كأن البلاد رقعة شطرنج: حرّك هذا الحجر هنا، وضع ذاك هناك، وانتهت الحكاية. لكن الرقعة نفسها تتحرك. تفتح ممراً، فإذا بالممر يصبح طريقاً في الاتجاهين. تظن أن النار في بيت الجار، فإذا بالدخان يطرق نافذتك. وتراهن على أن الأزمة ستبقى في عنوانها الأول، فإذا بها تتعلم الطريق إلى عناوين جديدة.
وهنا لا تحتاج المسألة إلى كثير من الفلسفة؛ الدوائر لا تخطئ العنوان، والجغرافيا لها حساباتها. وما يحدث في شمال إثيوبيا بالتزامن مع التحولات السودانية يقدم درساً آخر في منطقة لم تعد فيها الأزمات قابلة للحبس داخل حدودها بسهولة.
السودان الذي دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب يعرف قيمة الأرض وقيمة الدولة. ولذلك فإن المعركة ليست مجرد تبديل مواقع على خريطة، وإنما صراع على بقاء الدولة واستعادة عافيتها وتأمين طرقها وحدودها. وما يجري حوله يؤكد أن أمن السودان لا يُقرأ منفصلاً عن محيطه، وأن الجغرافيا التي تجمع دول المنطقة يمكن أن تكون جسراً للاستقرار، كما يمكن أن تتحول إلى قناة لعبور الأزمات.
وفي نهاية هذا اليوم، تبدو الصورة أكثر امتلاءً: تحركات جديدة في كردفان، وتصعيد متجدد في شمال إثيوبيا، واتهامات إثيوبية مباشرة لمصر والسودان، وتحالفات تتحرك داخل الإقليم، بينما تستمر الحرب السودانية في إعادة رسم خرائطها على الأرض.
وليس في الأمر لغز كبير؛ فالجغرافيا لا تنسى، والتاريخ لا يمسح الحسابات بممحاة، ومن يفتح باباً للفوضى لا يملك دائماً مفاتيح إغلاقه. قد تتغير الأسماء، وتتبدل التحالفات، وتتغير اتجاهات الريح، لكن الأرض تبقى هي الشاهد الأخير.
*ولهوامش السيادة كلمة*
الدوائر لا تخطئ العنوان، والجغرافيا لها حساباتها. وما بين كردفان وشمال إثيوبيا، يبدو الدرس أكبر من خبر عابر: الحروب لا تحترم الحدود التي يرسمها أصحابها في الخرائط، والحسابات التي تبدأ من بعيد قد تنتهي عند أقرب باب.
وفي السودان، تبقى الأرض هي الشاهد الأصدق؛ تتحرك القوات، تتبدل المواقع، وتتغير الخرائط، لكن الوطن لا يُكتب من خارج ترابه، ولا تُحسم قضاياه بالوكالة.



