إبراهيم جابر.. حين تحولت إعادة إعمار الخرطوم من شعار إلى عمل

هذا قولي
بقلم/ هيثم حسن السوباط
زرت الخرطوم مرتين بعد التحرير، وبين الزيارتين رأيت بعيني الفرق الذي يمكن أن تصنعه الإرادة والعمل حين تتحول مسؤولية إعادة الإعمار من حديث وشعارات إلى عمل يُنفذ على الأرض.
كانت زيارتي الأولى بعد التحرير بنحو شهر. يومها كانت الخرطوم تبدو كأن الحرب مرت عليها بكل ثقلها؛ الخراب في الشوارع والمباني، وآثار الدمار في المؤسسات والمرافق، ومشهد مدينة أنهكتها الحرب وتركت جراحها واضحة في كل مكان.
ثم عدت إلى الخرطوم بعد نحو سنة ونيف، وكانت المفاجأة كبيرة بالنسبة لي. لم أجد الخرطوم التي تركتها في زيارتي الأولى. وجدت مدينة بدأت تستعيد ملامحها، ومرافق عادت إلى الخدمة، وحركة أخذت تدب من جديد في شرايين العاصمة.
شعرت أن الخرطوم تغيرت إلى الأفضل بصورة واضحة، وأن هناك عملًا حقيقيًا يجري لاستعادة الحياة.
ومن هنا، فإن الحديث عن إعادة إعمار الخرطوم بالنسبة لي ليس مجرد حديث يُقرأ في التقارير أو يُسمع في التصريحات؛ فقد رأيت جانبًا منه بعيني، بين زيارة وأخرى.
وهنا يبرز اسم إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة، الذي ارتبط اسمه خلال هذه المرحلة بملف إعادة الإعمار ومتابعة إعادة تأهيل وتشغيل عدد كبير من مرافق العاصمة.
الخرطوم لم تعد إلى الحياة بالكلام… عادت بالماء الذي جرى في محطاتها، وبالكهرباء التي أضاءت أحياءها، وبالمستشفيات التي فُتحت أبوابها، وبالمؤسسات التي عادت إلى مقارها، وبالطرق والجسور التي بدأت تستعيد عافيتها.
ففي قطاع المياه، تمت صيانة وتوفير احتياجات محطة مياه بيت المال وإعادة افتتاحها. وفي قطاع الكهرباء، تم توفير نحو 85% من المحولات المطلوبة لولاية الخرطوم، مع توصيل الكهرباء إلى نحو 82% من الولاية، وفق الأرقام الواردة في هذا الملف.
وفي الصحة، جاءت أعمال الصيانة وإعادة التشغيل لعدد من المستشفيات، من بينها مستشفى أمدرمان التعليمي، ومستشفى بحري التعليمي، ومستشفى حاج الصافي، ومستشفى السلام لأمراض القلب بسوبا، إلى جانب افتتاح مستشفى أحمد قاسم لأمراض القلب ببحري، ومستشفى الراقي الجامعي، ومستشفى ابن سيناء التخصصي بالخرطوم، وإنشاء غرفة العمليات المركزية.
هذه ليست مباني تُفتح أبوابها فقط؛ هذه مرافق صحية تعني بالنسبة للمواطن فرصة للحصول على العلاج داخل مدينته.
وفي البنية التحتية، تم توفير احتياجات ولاية الخرطوم من مواد صيانة وتأهيل الطرق والجسور، بالتزامن مع صيانة وافتتاح محطة المقرن، بما يدعم عودة الحركة ويعيد وصل أجزاء العاصمة ببعضها.
أما مؤسسات الدولة، فقد بدأت تستعيد حضورها بصورة متسارعة، مع صيانة وافتتاح بنك السودان المركزي، ونقل المقرات الحكومية إلى الخرطوم، وافتتاح أقسام الشرطة بولاية الخرطوم، وافتتاح السجل المدني بأبو آدم، والسجل المدني ومركز الفحص الآلي بشرق النيل.
وفي التعليم، لم تكن جامعة الخرطوم بعيدة عن هذا المشروع، حيث تم توفير احتياجاتها من أجهزة ومستلزمات، لتستعيد واحدة من أهم مؤسسات السودان العلمية قدرتها على أداء رسالتها.
وفي الإعلام والثقافة، عادت الخرطوم لتسمع صوتها وترى صورتها من جديد، من خلال صيانة وافتتاح الإذاعة والتلفزيون، وافتتاح المسرح القومي بأمدرمان، وافتتاح مسرح خضر بشير ببحري.
حتى النشاط الاقتصادي والمعارض عاد إلى المشهد، مع صيانة وافتتاح معرض الخرطوم الدولي وإنشاء معرض «صنع في السودان».
وهنا تظهر قيمة ما رأيته بعيني بين الزيارتين.
في الزيارة الأولى، كان الخراب هو المشهد الغالب. وفي الزيارة الثانية، بدأت ملامح الحياة تظهر من جديد.
وقد يكون من حق الناس أن تختلف في تقييم الشخصيات العامة، لكن من حق المواطن أيضًا أن يشكر من يرى أن عمله ترك أثرًا ملموسًا.
وأنا كمواطن سوداني، أقولها بوضوح: شكرًا إبراهيم جابر على ما بذلته خلال فترة تكليفك بملف إعادة إعمار الخرطوم.
والحقيقة أن هذا المقال لم يكن في ذهني أصلًا.
ما دفعني إلى الكتابة هو أنني عندما وردت أنباء تكليف إبراهيم جابر بالإشراف على ملف السلع الاستهلاكية، استبشرت خيرًا.
استبشرت، ليس لأنني أبحث عن شخص أمدحه، وإنما لأنني أتذكر الخرطوم التي رأيتها بعد التحرير بشهر، ثم الخرطوم التي عدت إليها بعد سنة ونيف، وأتذكر حجم الفارق بين المشهدين.
قلت في نفسي: الرجل الذي شارك في متابعة ملف إعادة الحياة إلى مدينة بحجم الخرطوم، بما فيه من مياه وكهرباء ومستشفيات وطرق ومؤسسات، انتقل الآن إلى ملف يمس حياة المواطن اليومية بصورة مباشرة: السلع الاستهلاكية.
وهذا ملف لا يقل أهمية عن الإعمار؛ لأن المواطن الذي يريد أن يرى الخرطوم تنهض يريد أيضًا أن يجد احتياجات أسرته الأساسية، وأن يرى الأسواق مستقرة، والسلع متوفرة، وأن يشعر بأن الدولة موجودة في تفاصيل حياته اليومية.
لذلك جاء هذا المقال.
جاء من تجربة رأيتها بعيني، ومن أمل أضعه أمام الرجل في مهمته الجديدة.
إبراهيم جابر… كما شكرناك على ما رأيناه في الخرطوم، ننتظر منك في ملف السلع الاستهلاكية أن نرى الأثر نفسه.
فالنجاح في هذا الملف لن يُقاس بالاجتماعات ولا بالتصريحات، وإنما بما يراه المواطن في السوق، وما يشعر به في بيته، وما يجده متوفرًا أمامه بسعر يستطيع تحمله.
وفي النهاية، تبقى الخرطوم هي الشاهد.
مدينة خرجت من الخراب، وبدأت تستعيد حياتها خطوة بعد خطوة.
وإذا كانت الحرب قد حاولت أن تجعل منها مدينة بلا نبض، فإن ما رأيته في زيارتي الثانية يقول شيئًا آخر:
الخرطوم تنهض.
والآن، ومع انتقال إبراهيم جابر إلى ملف السلع الاستهلاكية، أتمنى أن تنتقل معه تلك الروح التي رأيناها في الإعمار: من التكليف إلى العمل، ومن العمل إلى النتيجة، ومن النتيجة إلى أثر يلمسه المواطن.



