التقراي والأمهرة.. زواج مصالح أم ضرورة مرحلة؟

عدو الأمس يصبح حليف اليوم.. فمن يعيد رسم خريطة إثيوبيا؟

هل دفنت جراح حرب تيغراي أم جرى تأجيلها حتى إشعار آخر؟


بقلم / محمد فؤاد عيد


في السياسة لا توجد صداقات أبدية كما لا توجد عداوات أبدية .. نعم هناك مصالح تتغير بتغير اللحظة وربما لا توجد ساحة تؤكد هذه الحقيقة اليوم أكثر من إثيوبيا

فالقوى التي كانت قبل سنوات قليلة تتواجه بالسلاح وتتهم بعضها بعضاً بالقتل والتهجير والاستيلاء على الأرض أصبحت اليوم تجلس تحت سقف تحالف واحد وتبحث عن صيغة للعمل المشترك فهاهى تيغراي من جهة وفانو الأمهرة من جهة أخرى وبينهما تاريخ قريب لا يحتاج إلى كتب حتى نتذكره فالدم ما زال قريباً والنازحون ما زالوا موجودين خاصة من أولئك الذين امتلئت بهم بلادى ولعل ملفات الأرض لم تغلق وكذلك الاتهامات لم تختف لكن شيئاً كبيراً تغير فالخصم الأول لم يعد هو الخصم القديم ولذلك هنا يبدأ السؤال هل نحن بالفعل أمام مصالحة تاريخية بين التيغراي والأمهرة

أم أمام زواج مصالح فرضته ضرورة المرحلة؟

الإجابة ربما توجد في تلك المسافة الفاصلة بين أحداث حرب 2020 والتحالف الذي أعلن في سبتمبر 2026

ففي الحادي والعشرين من سبتمبر الجارى أعلنت سبع حركات إثيوبية مسلحة وسياسية تشكيل ما أسمته تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء وهو تحالف جمع تحت سقف واحد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحركة الوطنية لفانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو إلى جانب قوى أخرى من عفر والصومال الإثيوبي وبني شنقول قمز ولعل المفارقة الكبرى أن بعض هذه القوى كانت قبل سنوات قليلة تقف على جهات متقابلة من خطوط النار

أما اليوم فقد جمعتها معارضة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد ومخاوف مشتركة من اتجاه الدولة المركزية ومسألة توزيع السلطة بين المركز والأقاليم.

 

من حرب واحدة إلى تحالف واحد :

 

عندما اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر 2020 لم تكن الأمهرة والتيغراي مجرد خصمين سياسيين حينها كانت المواجهة على الأرض مباشرة وقوات أمهرة وفانو شاركت إلى جانب القوات الفيدرالية في الحرب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي وكانت المناطق الواقعة في غرب تيغراي واحدة من أعقد نقاط النزاع كل طرف يحمل روايته التاريخية والقانونية عن ملكية الأرض وكل طرف يعتبر التنازل عنها خسارة تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى مسألة الهوية والقومية ثم جاءت اتفاقية بريتوريا في نوفمبر 2022 لتوقف الحرب الواسعة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي لكن الاتفاق الذي أوقف البنادق لم ينه كل أسباب الحرب لم تكن قوات الأمهرة وإريتريا طرفاً في الاتفاق النهائي بل بقيت ملفات الأرض والنازحين والترتيبات الأمنية والعلاقة بين المركز ٨والإقليم معلقة بدرجات مختلفة وبمرور الوقت بدأت التحالفات القديمة تتفكك فالأمهرة الذين قاتل قطاع منهم إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي دخلت فصائل فانو منهم في مواجهة مسلحة مع الحكومة الفيدرالية منذ 2023 بعد خلافات من بينها خطط تفكيك القوات الإقليمية وإعادة هيكلة الأجهزة المسلحة وفي الجهة الأخرى أخذت العلاقة بين أديس أبابا وقيادة جبهة تيغراي تتدهور مجدداً

وفي أبريل 2026 أعلنت الجبهة استعادة إدارة تيغراي السابقة للحرب في خطوة عكست عمق انهيار الثقة في ترتيبات ما بعد بريتوريا. وهكذا حدث ما كان يبدو قبل سنوات قليلة مستبعداً حينما أصبح للخصوم السابقين خصم مشترك

 

عدو عدوي صديقي :

 

في السياسة توجد قاعدة قديمة تقول إن عدو عدوي يمكن أن يصبح حليفاً لكن هذه القاعدة لا تعني أن العدو القديم أصبح صديقاً وذلك بالضبط ما يبدو أنه يحدث في إثيوبيا ففانو لا تحتاج إلى أن تنسى خلافاتها مع تيغراي كي تنسق معها ضد الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي لا تحتاج إلى التنازل عن مطالبها في المناطق المتنازع عليها كي ترى في فانو شريكاً مرحلياً يكفي أن يشعر الطرفان أن الصراع مع أديس أبابا أصبح أكثر إلحاحاً من الصراع بينهما ولهذا فإن ما نشهده يمكن وصفه بأنه تحالف الضرورة تحالف يقوم على تأجيل الخلافات وليس حلها وعلى تقديم المعركة الحالية على معارك الأمس وهذه نقطة مهمة جداً لفهم المشهد لأن التحالفات التي تتأسس ضد خصم مشترك يمكن أن تكون قوية أثناء وجود ذلك الخصم .

وهذه العبارة وحدها تفسر جزءاً كبيراً من التحول

فالتحالف بالنسبة لتيغراي ليس بالضرورة تعبيراً عن ثقة كاملة في شركائها الجدد بقدر ما هو محاولة لمنع قيام جبهة واسعة ضدها مرة أخرى وفي المقابل تحتاج فانو إلى توسيع نطاق صراعها من إطار إقليم أمهرة إلى معادلة وطنية أوسع فكلما بقي الصراع محصوراً داخل أمهرة تمكنت الحكومة الفيدرالية من التعامل معه باعتباره تمرداً إقليمياً أما عندما يصبح جزءاً من تحالف يضم تيغراي وأورومو وقوى أخرى فإن طبيعة الأزمة نفسها تتغير وتتحول من مواجهة بين الحكومة ومجموعة إقليمية إلى أزمة تتعلق ببنية الدولة الإثيوبية وعلاقة المركز بالأقاليم.

 

آبي أحمد بين جبهات متعددة :

 

المشكلة بالنسبة لآبي أحمد ليست فقط أن هناك معارضة مسلحة إثيوبيا عرفت المعارضة المسلحة لعقود لكن المشكلة أن الجبهات التي كانت منفصلة بدأت تبحث عن مساحة سياسية وعسكرية مشتركة فالحرب مستمرة في أجزاء من أورومو وكذلك فانو تقاتل القوات الفيدرالية في أمهرة منذ 2023 والتوتر عاد بقوة إلى تيغراي ومن بعد جاءت أحداث سبتمبر 2026 لتدفع الأزمة إلى مستوى جديد حينما اتسع القتال في شمال إثيوبيا إلى أجزاء من تيغراي وأمهرة وعفر وسط روايات متضاربة حول الجهة التي بدأت الهجوم حيث ان الحكومة وحلفاؤها اتهموا قوات تيغراي ببدء هجوم واسع بينما قالت سلطات تيغراي إنها كانت ترد على هجوم وقصف من القوات الفيدرالية كما تعطلت الرحلات الجوية إلى مطارات في تيغراي بعد السيطرة عليها أثناء التصعيد. هذه الروايات المتعارضة مهمة لأنها تذكرنا بأن الحرب لا تبدأ فقط بالبندقية بل تبدأ أيضاً بمعركة تحديد من هو المعتدي ومن هو المدافع وكل طرف يريد أن يدخل التاريخ من البوابة التي تمنحه شرعية أكبر لكن هل يستطيع الخصوم أن يصبحوا شركاء؟ ومن هنا توجد العقدة الحقيقية حيث يمكن لتيغراي وفانو أن تتفقا اليوم على مواجهة الحكومة

لكن ماذا عن الغد؟ وماذا عن غرب تيغراي؟ وماذا عن المناطق التي تطالب بها قوى أمهرة وتعتبرها تيغراي جزءاً من إقليمها؟ وماذا عن النازحين؟ بل ماذا عن إعادة السكان؟ ولا يفوتنا ماذا عن الإدارة المحلية؟ وماذا عن الحدود بين الإقليمين؟ وكل هذه ليست خلافات صغيرة يمكن إخفاؤها داخل بيان سياسي إنها قضايا مست جذور الهوية والأرض والذاكرة والدم وقد أقر مسؤولون من تيغراي أنفسهم بأن الخلافات حول المناطق المتنازع عليها ما زالت موجودة وأن التحالف اتفق على محاولة معالجتها بالحوار وهنا تكمن المفارقة حيث ان التحالف قوي بقدر ما يستطيع تأجيل هذه الأسئلة وهش بقدر اللحظة التي يضطر فيها للإجابة عنها

 

ومن يحكم بعد آبي احمد ؟

 

المشكلة الثانية ربما تكون أعقد من الأرض فإذا كان الهدف المعلن للتحالف هو تغيير الحكومة وتشكيل سلطة انتقالية ثم حوار دستوري وانتخابات فإن السؤال يصبح

من يملك القرار داخل تلك المرحلة؟ جبهة تيغراي حكمت إثيوبيا عملياً لعقود عبر الائتلاف السابق وقطاعات واسعة من القوى الأخرى تحمل ذاكرة سياسية معقدة تجاه تلك المرحلة فهل تقبل فانو بعودة تيغراي لاعباً مركزياً في أديس أبابا؟ وهل يقبل الأورومو بذلك؟

وهل تستطيع الحركات المختلفة الاتفاق على نظام فيدرالي جديد؟ بل هل يريد الجميع فيدرالية قومية؟

أم يريد بعضهم دولة أكثر مركزية؟ وماذا عن حدود الأقاليم؟ والأرض؟ والموارد؟ والجيش؟

كل هذه أسئلة مؤجلة اليوم لأن صوت السلاح أعلى

لكنها ستكون الأسئلة الأولى إذا تغير ميزان القوى

 

إريتريا.. اللاعب الذي يقف خلف الستار :

 

ولا يمكن قراءة ما يحدث في شمال إثيوبيا دون النظر إلى إريتريا فالدولة التي قاتلت إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي خلال حرب 2020 أصبحت علاقتها مع أديس أبابا أكثر توتراً في السنوات التالية الخلافات حول اتفاق بريتوريا ثم الحديث الإثيوبي المتكرر عن الوصول إلى البحر الأحمر والموانئ الإريترية زادت من التوتر بين البلدين والحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعم خصومها المسلحين بينما تنفي أسمرة تلك الاتهامات وهنا تصبح الصورة شديدة التعقيد إريتريا التي قاتلت تيغراي بالأمس قد تجد مصالحها اليوم متقاطعة مع خصوم آبي أحمد

وفانو التي قاتلت تيغراي بالأمس تتحالف معها اليوم

والحكومة التي تحالفت مع كل هؤلاء في مراحل مختلفة أصبحت في مواجهة عدد منهم لذلك ينبغى القول إنها ليست خريطة تحالفات ثابتة بل إنها رقعة شطرنج تتحرك أحجارها باستمرار

 

إثيوبيا ومأزق الدولة :

 

لكن اختزال الأزمة كلها في آبي أحمد قد يكون خطأ

فإثيوبيا تحمل أزمة أقدم من رئيس الوزراء الحالي

إنها أزمة السؤال الذي ظل يلاحق الدولة لعقود

كيف يمكن بناء دولة واحدة تضم قوميات كبيرة لكل منها تاريخها ولغتها وأرضها ومشروعها السياسي؟

كيف يمكن الموازنة بين قوة المركز واستقلال الأقاليم؟

ومتى تتحول الفيدرالية إلى أداة لإدارة التنوع

ومتى تتحول إلى حدود سياسية وقومية تنتج صراعات جديدة؟

جبهة تيغراي كانت في قلب النظام الفيدرالي الذي تشكل بعد سقوط نظام منغستو

ثم أصبحت لاحقاً في مواجهة المركز الذي ساهمت هي نفسها في بنائه

الأورومو كانوا يشكون لسنوات من التهميش ثم جاء آبي أحمد من قلب القومية الأورومية ومع ذلك اندلع تمرد مسلح داخل أوروميا والأمهرة كانوا جزءاً من التحالف الذي قاتل تيغراي ثم دخلت فصائل منهم الحرب ضد الحكومة نفسها هذه التحولات تقول شيئاً واحداً إن أزمة إثيوبيا أكبر من تبديل الأشخاص إنها أزمة صيغة الدولة نفسها

 

السودان ليس بعيداً :

 

وقد يظن البعض أن ما يحدث شأن إثيوبي داخلي

لكنه ليس كذلك بالنسبة للسودان فالسودان يملك حدوداً طويلة مع إثيوبيا وأي اتساع للحرب داخل أمهرة وتيغراي يمكن أن يفتح أبواباً جديدة للنزوح والتهريب وحركة السلاح كما يمكن أن يعيد ملف الفشقة إلى قلب الحسابات الأمنية فمن يسيطر على المناطق الحدودية؟

وماذا يحدث إذا ضعفت سلطة المركز؟ وهل تبقى الاتفاقات السابقة ذات القيمة نفسها إذا تغيرت القوى المسيطرة على الأرض؟ ثم هناك إريتريا وهناك البحر الأحمر وهناك التنافس الإقليمي وأي اضطراب كبير في إثيوبيا لن يبقى داخل حدودها بل سيمتد تأثيره إلى السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال والبحر الأحمر وربما إلى ما هو أبعد من ذلك

 

زواج مصالح أم ضرورة مرحلة؟ :

 

ربما يكون الاثنان معاً إنه زواج مصالح لأن لكل طرف حساباته الخاصة وهو ضرورة مرحلة لأن الظروف الحالية دفعت خصوم الأمس إلى البحث عن بعضهم

لكن الزواج السياسي الذي يقوم فقط على وجود عدو مشترك يحمل في داخله بذور أزمته .. فالعدو يوحد

لكن المصالح بعد سقوط العدو تفرق والتاريخ مليء بتحالفات حملت السلاح معاً حتى بوابة النصر

ثم بدأت الحرب بينها عند توزيع الغنائم والسلطة والأرض ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف اجتمعت تيغراي وفانو؟ فهذا السؤال أجابت عنه اللحظة السياسية

السؤال الأصعب هو كم تستطيعان البقاء معاً؟ وهل يستطيع تحالف ولد في ساحات الحرب أن ينتج مشروع دولة؟ أم أن خلافات الأرض والهوية والسلطة ستنتظر فقط اللحظة المناسبة للعودة؟ وهل تتحول الجبهة التي تشكلت لمواجهة آبي أحمد إلى بداية تسوية سياسية جديدة أم إلى مقدمة لدورة حرب أكثر اتساعاً؟

لا توجد حتى الآن إجابة قاطعة لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها إثيوبيا التي عرفنا خريطة تحالفاتها قبل سنوات لم تعد موجودة بالصورة نفسها حيث ان الحليف أصبح خصماً والخصم أصبح حليفاً والأرض التي شهدت معارك الأمس تشهد اليوم اصطفافات جديدة أما الدم القديم فلم يجف تماماً ولذلك فإن التحالف بين تيغراي والأمهرة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلان مصالحة نهائية بل باعتباره واحداً من أكثر التحولات إثارة في القرن الأفريقي هدنة بين خصمين قديمين فرضها خصم مشترك

وربما يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل إثيوبيا كلها هو:

هل تستطيع ضرورة اليوم أن تهزم ذاكرة الأمس

أم أن الأمس ينتظر فقط انتهاء المعركة ليعود من جديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى