السودان ليس شماعة لأزمات الجوار

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
يبدو أن بعض أزمات الجوار الأفريقي كلما استعصت على أصحابها، فتحت النافذة باتجاه السودان! وهذه المرة جاء الدور من أديس أبابا، حيث خرج رئيس أركان الجيش الإثيوبي باتهامات تتحدث عن دعم السودان ومصر لقوى تقاتل الحكومة الإثيوبية في الشمال، في ظل عودة القتال إلى إقليم تيغراي.
الخرطوم لم تحتج إلى كثير من الكلام. القوات المسلحة السودانية رفضت الاتهامات بصورة قاطعة، ووصفتها بأنها بلا أساس، وجددت التأكيد على التزام السودان بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع التشديد على حماية السيادة والأمن القومي.
وهذا هو الرد الذي ينبغي أن يُقرأ جيداً.
السودان ليس معنياً بتصدير أزمته إلى أحد، كما أنه ليس معنياً باستيراد أزمات الآخرين. القوات المسلحة السودانية تخوض حرباً داخل الأراضي السودانية، ومعركتها مع مليشيا الدعم السريع واضحة الأهداف والحدود، ولا تحتاج الخرطوم إلى فتح جبهة سياسية أو عسكرية جديدة في دولة مجاورة.
لكن حسن الجوار لا يعني أن تتحول الحدود إلى دفتر مفتوح، ولا يعني أن يصبح السودان أول متهم في كل أزمة تقع شرقاً.
اللافت أن الاتهامات الإثيوبية تأتي في ظل تصاعد القتال مجدداً في شمال إثيوبيا، وهو تطور داخلي شديد التعقيد. ومن الطبيعي أن تبحث كل حكومة عن تفسير لما يجري، لكن تفسير الأزمات الداخلية بإلقائها على دول الجوار يحتاج إلى دليل لا إلى مجرد اتهام.
والخرطوم، في المقابل، تملك روايتها ومخاوفها التي أعلنتها بوضوح؛ إذ تتهم إثيوبيا بالسماح بتقديم دعم وتسهيلات لمليشيا الدعم السريع من داخل أراضيها، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا.
إذن نحن أمام حدود لا تحتمل سياسة «قالوا وقالت».
السودان يريد علاقة جوار تحفظ المصالح المشتركة، لكنه يريدها أيضاً على قاعدة واضحة: لا تدخل في الشأن السوداني، ولا استخدام للأراضي المجاورة بما يهدد أمن السودان، ولا تحويل الحدود إلى منطقة رخوة تتحرك فيها الجماعات المسلحة والإمدادات بعيداً عن مسؤولية الدول.
ومن حق إثيوبيا أن تبحث عن أمنها واستقرارها، ومن حق السودان كذلك أن يحرس أمنه وحدوده وسيادته. وهذه ليست معادلة معقدة تحتاج إلى مؤتمر دولي حتى تُفهم.
المشكلة تبدأ عندما تختلط الأوراق، ويصبح الصراع الداخلي في دولة ما مبرراً لتوزيع الاتهامات على الجيران، ثم يتحول الاتهام إلى ضغط سياسي، ويصبح الجوار نفسه جزءاً من الأزمة.
السودان لا يحتاج إلى هذا العبء.
فالبلاد أمام حربها، وجيشها أمام مسؤولياته، وحدودها أمام تهديدات حقيقية لا تحتاج إلى اختراع أخرى. ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن تفعله العواصم المجاورة هو أن تساعد على تثبيت الحدود، لا أن تجعلها جزءاً من حسابات الصراع.
ولأن السودان دولة ذات سيادة، فإن الرد على مثل هذه الاتهامات لا ينبغي أن يكون انفعالياً، ولا ينبغي في الوقت نفسه أن يكون مرتبكاً. البيان العسكري الذي صدر اليوم وضع المسألة في إطارها الصحيح: احترام سيادة الآخرين لا يعني السماح بالمساس بسيادة السودان.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج السياسة.
السودان لم يطلب من إثيوبيا أن تختار له معاركه، ولن يقبل أن تختار له خصومه. لا يريد حرباً مع جيرانه، لكنه لا يقبل أن تتحول حسن نواياه إلى مساحة مفتوحة للتدخل أو الاتهام أو العبث بأمنه القومي.
فالحدود ليست خطاً مرسوماً على الخريطة فقط؛ الحدود مسؤولية، والسيادة ليست شعاراً يقال في البيانات، وإنما موقف يحرسه الجيش وتحميه مؤسسات الدولة.
وإذا كانت إثيوبيا تواجه أزمة داخلية متصاعدة، فالأولى أن تُعالج أسبابها داخل البيت الإثيوبي. أما السودان، فله بيت آخر وحرب أخرى وأمن قومي آخر، ولن يكون شماعة جاهزة لتعليق أزمات الآخرين عليها.
هوامش السيادة كلمة:
الجوار المحترم لا يحتاج إلى كثير من البيانات؛ يحتاج إلى قاعدة واحدة: لا تجعل أرضك منصة ضد جارك، ولا تجعل جارك شماعة لأزمتك.
السودان يحترم سيادة إثيوبيا، وهذا موقف ثابت، لكنه في المقابل ينتظر احترام سيادته وحدوده وأمنه القومي.
أما الاتهامات المرسلة، فلن تغيّر حقيقة واحدة: السودان دولة لها جيش يحميها، وحدود تصونها، وقرار سيادي لا يُدار من خارجها.



