الحارث.. وسقط القناع

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
■ لم تكن مرافعة السفير الحارث إدريس، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، مجرد رد دبلوماسي عابر على ما قيل بشأن السودان، بل كانت مواجهة سياسية وقانونية استندت إلى الوثائق والتقارير والأسئلة المباشرة. وفي جلسة شهدت تبادل الاتهامات، اختار الحارث أن يذهب إلى صلب القضية: من أين تأتي الحرب، ومن يغذيها، ومن يملك الدليل على ما يوجهه من اتهامات؟
■ الحارث لم يكتفِ بالاتهام المضاد، بل وضع التقارير الدولية أمام من تحدث عن التدخلات الخارجية، مستنداً إلى ما أورده من تقارير أممية بشأن تدفق السلاح والدعم الخارجي إلى أطراف الحرب. وهنا تكمن قوة المرافعة الدبلوماسية: أن تتحول القضية من سجال سياسي إلى أسئلة موثقة، وأن يُطلب من كل طرف أن يضع ما لديه من أدلة على الطاولة.
■ وفي ملف الأسلحة الكيميائية، كان الحارث أكثر مباشرة. فالاتهام خطير، ولا ينبغي أن يصبح مادة للمزايدات السياسية أو البيانات المتبادلة. موقف السودان ظل يطالب بالدليل الفني والتحقيق وفق الآليات الدولية المختصة، وهي نقطة سبق أن أثارها الحارث أمام مجلس الأمن، مؤكداً أن السودان تعاون مع فريق فني أمريكي وأن عينات من التربة جرى جمعها من مواقع حُددت في إطار التحقيقات، بينما قالت الخرطوم إنها لم تتلقَّ دليلاً موثقاً يثبت الاتهام.
■ هذه هي النقطة التي تستحق التوقف: الاتهام السياسي شيء، والإثبات الفني شيء آخر. والأسلحة الكيميائية ليست خبراً عابراً يمكن حسمه بالتصريحات؛ إنها قضية لها منظومة دولية وآليات فنية معروفة. لذلك فإن مطالبة السودان بالدليل والتحقيق الفني ليست هروباً من المساءلة، بل هي وضع للاتهام في مساره الطبيعي الذي يسمح بإثباته أو نفيه على أساس الأدلة.
■ أما في ملف الدعم الخارجي، فقد ظل الخطاب السوداني في الأمم المتحدة يكرر اتهامات محددة بشأن الدعم الذي يصل إلى مليشيا الدعم السريع. وقد سبق للحارث أن قدم إلى الأمم المتحدة مذكرات ووثائق تضمنت اتهامات للإمارات وتشاد بالارتباط بمسارات الدعم العسكري واللوجستي. وفي المقابل تنفي أبوظبي هذه الاتهامات، كما ترفض تشاد اتهامات التسهيل العسكري. ولذلك فإن المعركة الحقيقية هنا ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في الوثيقة التي تستطيع الصمود أمام التحقيق الدولي.
■ الحارث يعرف جيداً أن المنبر الأممي لا يكسبه من يرفع صوته أكثر، وإنما من يملك رواية قابلة للدفاع عنها بالوثائق. ولذلك كانت قيمة مداخلته في أنها نقلت النقاش من محاولات وضع السودان ومؤسساته في خانة الاتهام إلى سؤال أكبر: ماذا عن التدخلات الخارجية، وماذا عن السلاح الذي يعبر الحدود، وماذا عن الجهات التي تقول الخرطوم إنها تسهم في إطالة أمد الحرب؟
■ ومن هنا جاء عنوان هذا العمود: «الحارث.. وسقط القناع». ليست المسألة مجرد مرافعة دبلوماسية، وإنما مواجهة كشفت الفارق بين رواية تُلقى، وحجة تُناقش، وبين اتهام يُردد، ودليل يمكن إخضاعه للفحص. وفي مثل هذه الساحات، لا تكفي البلاغة وحدها؛ الوثيقة هي التي تتقدم، والحجة هي التي تبقى.
■ وربما كانت العبارة الأهم في كل هذه المواجهة أن السودان لا يحتاج إلى رواية مصنوعة من الانفعال، بل إلى ملف متكامل يضع التدخلات الخارجية أمام المجتمع الدولي، ويطالب بالتحقيق في كل ادعاء، ويرفض أن تتحول الاتهامات إلى أحكام جاهزة قبل اكتمال الأدلة.
■ وفي خاتمة مداخلته، اختار الحارث عبارة لا تخطئها الذاكرة، فقال: «عليكم أن تخسأوا، وبُؤْ بشِسع نعل كليب». عبارة تحمل إحالة إلى موروث حرب البسوس، لكنها في سياق المرافعة جاءت كخاتمة حادة لمواجهة سياسية ودبلوماسية، بعد أن وضع ما لديه من حجج واتهامات على طاولة النقاش. وفي النهاية، تبقى قيمة الموقف الدبلوماسي في قدرته على الدفاع عن قضية بلاده بالحجة والوثيقة، لا بمجرد ارتفاع الصوت.
■ شكراً للحارث إدريس على مرافعة أعادت ترتيب المشهد من زاوية سودانية واضحة. الدبلوماسية ليست مجاملة، وليست مسابقة في رفع الأصوات؛ إنها دفاع عن دولة وحقوق ومصالح، وكلما كان الدليل أقوى كان الصوت أكثر تأثيراً. وفي معركة السودان الدبلوماسية، المطلوب أن تظل الوثيقة حاضرة، وأن يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل من يملك اتهاماً: هاتوا الدليل.
■ ولعل المفارقة أن الذين دخلوا إلى المنبر الدولي يحملون أكياس الاتهامات، وجدوا أنفسهم أمام سؤال صغير في حجمه، ثقيل في وزنه: أين الدليل؟ فهناك فرق بين من يكتب الاتهام على ورقة، ومن يملك القدرة على الوقوف أمام العالم وفتح ملفه صفحة صفحة. وفي السياسة، كما في المحاكم، لا تكفي الثقة بالنفس لتصبح التهمة حقيقة، ولا تكفي كثرة التكرار لتتحول الرواية إلى وثيقة.
■ أما الذين ظنوا أن السودان سيجلس في الأمم المتحدة واضعاً يديه على رأسه، منتظراً صك البراءة من أحد، فقد اكتشفوا أن الخرطوم تستطيع أن ترد، وأن المندوب السوداني يستطيع أن يسأل، وأن السؤال أحياناً يكون أوجع من الإجابة. وهنا تصبح عبارة الحارث الأخيرة أكثر من مجرد خاتمة ساخرة؛ إنها تقول لمن جاء محملاً بالاتهامات: هاتوا ما عندكم، فالميكروفون ليس محكمة، والضجيج ليس دليلاً.
ولهوامش السيادة كلمة
■ وفي النهاية، تبقى المسألة أبسط مما يحاول البعض تعقيدها: من يملك الدليل فليضعه على الطاولة، ومن لا يملكه فليترك للسياسة شيئاً من الحياء. أما السودان، فقد قال كلمته، وقالها الحارث بطريقته: «عليكم أن تخسأوا، وبُؤْ بشِسع نعل كليب». وهذه، في قاموس الدبلوماسية السودانية، ليست نهاية الكلام… بل آخر سطر في محضر الجلسة.



