منى ابوزيد تكتب : عذوبة أن لا تفعل شيئاً..!

هناك فرق


“الانشغال المستمر قد يكون أحياناً طريقة اجتماعية محترمة للهروب من مواجهة الذات”.. الكاتبة..!

 

لم يعد الانشغال مجرد نتيجة راجحة لكثرة المسؤوليات، بل تحول شيئاً فشيئاً إلى قيمة اجتماعية. فالشخص المشغول يبدو مهماً، وكثير المواعيد يبدو مطلوباً، ومن لا يجد وقتاً لأحد يبدو ناجحاً إلى الحد الذي لا يسمح له بالفراغ. كأننا لا نكتفي بأن نعيش كما يجب، وإنما نريد أن نثبت للآخرين أننا نعيش حياة تستحق الإعجاب..!

 

المفارقة أن الإنسان قد يكون مشغولاً طوال اليوم، دون أن يكون قد عاش فيه لحظة واحدة لنفسه. نحن نخلط كثيراً بين قيمة الوقت وما نملؤه به، وبين قيمة الإنسان ومقدار ما ينجزه. حتى الراحة أصبحت عند البعض مشروعاً له أهداف ومؤشرات قياس. نرتاح كي نستعيد طاقتنا للعمل، ونمارس الهوايات كي نطور ذواتنا، ونذهب في العطلات كي نعود أكثر إنتاجية. نادراً ما نسمح لأنفسنا بأن نفعل شيئاً لا يؤدي إلى شيء..!

 

الإيطالبون لديهم تعبير جميل يصفون به تعمد عدم فعل شيء “عذوبة أن لا تفعل شيئاً”. ليس المقصود بطبيعة الحال تمجيد الكسل أو الهروب من المسؤوليات، وإنما الاستمتاع بوقت لا يطلب منك أن تنجز فيه شيئاً “أن تجلس في مقهى، تشرب قهوتك وتتأمل وجوه المارة، أو أن تتحدث مع شخص تحبه، أو أن تمشي بلا غاية محددة ومع ذلك تستفيد على طريقة نيتشة الذي قال إن كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي..!

 

فكرة تبدو بسيطة، لكنها في عالم يطالبنا دائماً بأن نكون منتجين، تكاد تصبح نوعاً من الرفاه الفلسفي.

ففي أوقات الفراغ غير المبرمج يستطيع العقل أن يهدأ من ضجيج المهام، وأن يعيد ترتيب أفكاره بعيداً عن ضغط الإجابة والإنجاز. بعض الأفكار التي نبحث عنها طويلاً لا تأتي ونحن نطاردها، وإنما تظهر حين نتوقف عن مطاردتها. وبعض المشاعر التي لا نسمعها وسط زحام اليوم تحتاج إلى صمت حتى نكتشف أنها كانت هناك طوال الوقت. وحتى الملل، الذي نحاول اليوم أن نهرب منه بالهاتف والشاشات، قد يكون نافذة صغيرة تدخل منها فكرة جديدة..!

 

أن تجلس دون عمل ليس بالضرورة أن تكون عاطلاً عن الحياة. أحياناً تكون للمرة الأولى حاضراً فيها. أن تشرب القهوة دون أن ترد على رسالة، وأن تنظر من النافذة دون أن تصور ما تراه، وأن تمشي دون أن تحسب عدد خطواتك، وأن تجلس مع شخص دون أن تشعر بأن عليك ملء كل ثانية بالكلام. كل ذلك يعيد للوقت شيئاً من طبيعته التي فقدناها حين جعلنا كل دقيقة مطالبة بأن تبرر وجودها..!

 

ربما لهذا نحتاج بين حين وآخر إلى أن نكف عن محاولة أن نكون أشخاصاً مهمين في أعين الآخرين، وأن نمنح أنفسنا حق أن نكون مجرد بشر. ننام حين نتعب، ونجلس حين نريد الجلوس، ونصمت حين لا نملك ما نقوله، ونترك بعض الوقت يمر دون أن نطالبه بأن ينتج لنا شيئاً..!

 

قيمة الحياة ليست في عدد الأشياء التي أنجزناها خلالها فحسب، وإنما في قدرتنا أيضاً على أن نكون فيها دون مهمة، ودون جمهور، ودون إثبات. فالإنسان الذي لا يعرف كيف يفعل شيئاً قد يتعب من الحياة، أما الذي لا يعرف كيف لا يفعل شيئاً، فحتماً سوف يفوته أن يعيشها!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى