العلاقات السودانية–الإريترية: من الجوار الاستراتيجي إلى الشراكة الشاملة والتكامل الإقليمي

بقلم السفير/ أسامة أحمد عبدالباريءـ
سفير جمهورية السودان لدى دولة إريتريا
لا تُقاس أهمية العلاقات بين السودان وإريتريا بطول الحدود المشتركة أو القرب الجغرافي وحدهما، وإنما بما تمثله من تداخل عميق في التاريخ والروابط الاجتماعية والأمن والاقتصاد، وبما تمنحه للدولتين من قدرة على الإسهام في استقرار الساحل الغربي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي . فالبلدان لا يعيشان مجرد حالة جوار تقليدية، بل يشتركان في فضاء واحد تتداخل فيه حركة السكان والتجارة والمياه والموانئ والطرق والتحديات الأمنية، ويؤثر ما يجري في أحدهما مباشرة في الآخر .
وقد مرت هذه العلاقة، مثل معظم علاقات الدول المتجاورة، بمراحل متفاوتة من التقارب ، وتأثرت في بعض الفترات بالتحولات الداخلية والإقليمية وباجتهادات سياسية وأمنية متغيرة . غير أن التجربة أثبتت أن المصالح الدائمة بين الشعبين أعمق و اكبر و تشكل الرافعة الأقوى للعلاقات ، وأن استقرار السودان يمثل مصلحة إريترية مباشرة، مثلما يمثل أمن إريتريا وسيادتها واستقرارها مصلحة وطنية سودانية .
ومن هنا كان توجه القيادة في البلدين بنقل العلاقة من دائرة إدارة الظروف إلى الفضاء الاستراتيجي طويل المدى مثلما يجري العمل عليه حاليآ دبلوماسياً و سياسياً و إقتصاديا.
لقد اتخذت إريتريا، منذ اندلاع حرب الكرامة المفروضة على السودان ، موقفاً واضحاً في دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية التي تستهدف الدولة أو تسعى إلى فرض كيانات موازية عليها. وقد أسهمت الاتصالات والزيارات المتبادلة على مستوى القيادتين، إلى جانب التشاور السياسي والدبلوماسي، في تأكيد خصوصية العلاقة وفي بناء مستوى متقدم من الثقة . وهذه المواقف لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مساندة مرتبطة بظرف الحرب فحسب، بل بوصفها أساساً يتم البناء عليه لتأسيس شراكة أوسع وأكثر رسوخاً .
و إتساقا مع ذلك ، فإن العمل يجري حاليا للإرتقاء بالمجالات الإقتصادية و التنموية لتتوازى مع العلاقة في المستوى السياسي . فالتحدي الحقيقي تمثل في تحويل الثقة بين القيادتين والتقارب في المواقف إلى اتفاقيات منفذة، ومؤسسات دائمة، ومشروعات يشعر بعائدها المواطن في كسلا وبورتسودان والقاش بركة وعنسبا وغيرها من المناطق المتصلة بفضاء العلاقة ، فالدول تبني شراكاتها الاستراتيجية بالطرق والمعابر والأسواق ونظم الدفع والمشروعات الإنتاجية وبرامج التعليم والصحة والثقافة و المواقف المتماثلة في مختلف الأروقة .
وتملك الحدود المشتركة بين البلدين إمكانات كبيرة للتحول من نطاق أمني يحتاج إلى الحماية إلى حزام للإنتاج والتجارة والاستقرار. ويمكن تحقيق ذلك عبر تنظيم المعابر، وإنشاء أسواق حدودية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، ومكافحة التهريب من خلال توفير البدائل القانونية، و تأهيل الطرق وتوفير خدمات النقل والتخزين . وعندما يجد المواطن على جانبي الحدود منفعة مباشرة في التجارة النظامية، يصبح هو نفسه شريكاً في حماية الأمن و تحقيق الاستقرار ، وتتراجع قدرة شبكات التهريب والجريمة المنظمة على استغلال الفقر والفراغ التنموي .
كما يوفر القطاع الزراعي والحيواني مجالاً واسعاً للتعاون. فشرق السودان وغرب إريتريا يمتلكان موارد وخبرات وأسواقاً يمكن ربطها في منظومة إنتاج مشتركة تشمل الزراعة والثروة الحيوانية والمحاجر البيطرية والتصنيع الغذائي وسلاسل التبريد والنقل . ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على زيادة حركة السلع الخام، بل يجب أن يتجه إلى إنشاء قيمة مضافة وتشغيل المجتمعات المحلية وتوسيع فرص التصدير إلى أسواق البحر الأحمر والخليج وشرق أفريقيا .
أما البحر الأحمر فيمنح العلاقة بعداً يتجاوز الحدود البرية. فالسودان وإريتريا دولتان مشاطئتان تمتلكان ساحلاً وموانئ وموارد بحرية، وتتأثران بسلامة الملاحة والتنافس على الموانئ والقواعد والاضطرابات في باب المندب وخليج عدن . ويتيح ذلك تعاوناً في البحث والإنقاذ، والإنذار البحري، ومكافحة التهريب والصيد غير المشروع والتلوث، وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختصة . كما يمكن دراسة التكامل بين الموانئ والخدمات اللوجستية ، بحيث يؤدي كل ميناء وظيفة تخدم اقتصاده الوطني وتوسع في الوقت نفسه حركة التجارة الإقليمية .
وفي المجال السياسي، إستطاع البلدان تطوير آلية تشاور منتظمة تنسق المواقف تجاه قضايا السودان و إريتريا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتعمل داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية للدفاع عن سيادة الدول ورفض التدخلات والحروب بالوكالة . ولا يعني هذا التنسيق إنشاء محور موجه ضد دولة أو محور ، وإنما بناء شراكة سيادية مفتوحة تؤيد الاستقرار وحسن الجوار وتمنع تحويل الإقليم إلى ساحة لصراعات القوى الأخرى .
وتفرض التحولات المتسارعة في القرن الأفريقي أهمية خاصة لهذا التنسيق. فالتطورات الداخلية في بعض دول المنطقة، وتصاعد التنافس على المنافذ البحرية، وانتشار السلاح والجماعات غير النظامية ، وتزايد الضغوط الاقتصادية و المناخية ، كلها تطورات لا تستطيع دولة مواجهتها منفردة .
ويملك السودان وإريتريا، بحكم موقعهما وخبرتهما، فرصة لتقديم نموذج يقوم على أن أمن البحر الأحمر يبدأ من استقرار دوله المشاطئة واحترام سيادتها ، وأن أي ترتيبات إقليمية مستدامة ينبغي أن تمنح هذه الدول الدور الأول في صياغتها .
ولا تكتمل الشراكة من دون البعد الإنساني والثقافي والمعرفي. فالعلاقات بين الجامعات والمراكز البحثية، وبرامج المنح والتبادل الطلابي، والتعاون الطبي، والأنشطة الثقافية والرياضية، تستطيع بناء قاعدة مجتمعية تحمي العلاقة من تقلبات السياسة . كما تمثل الجاليات والروابط الاجتماعية الممتدة واللغات والثقافات المتداخلة جسوراً طبيعية ينبغي تنظيمها والاستفادة منها، مع المحافظة على القوانين والحقوق واحترام خصوصية كل دولة.
وتحتاج الشراكة كذلك إلى حضور فاعل للقطاعين الخاص والمصرفي وغرف التجارة والولايات والأقاليم الحدودية. ويمكن لمنتدى اقتصادي سوداني–إريتري دوري أن يحول الأفكار العامة إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ ، وأن يحدد العقبات المتعلقة بالنقل والتحويلات والتأشيرات والمعايير والجمارك . ومن المهم أن تبدأ المشروعات بما هو واقعي وسريع العائد، لأن نجاح مشروع واحد في سوق حدودية أو طريق أو خدمة مصرفية قد يبني ذالك ثقة أكبر تشجع توقيع اتفاقيات إضافية .
إن العلاقة السودانية–الإريترية مؤهلة اليوم للانتقال من خصوصية سياسية مثبتة إلى شراكة استراتيجية أكثر إنتاجا . والمطلوب ليس تضخيم التوقعات ، بل البرنامج المتدرج المتفق عليه الذي يبدأ بتنظيم الحدود وتفعيل التجارة والآليات المشتركة، ثم الإنتقال إلى مشروعات الإنتاج والنقل والطاقة والموانئ ، وصولاً إلى تنسيق إقليمي أوسع . وعندما تتحول المصالح المشتركة إلى مؤسسات ومشروعات ومنافع يومية، يصبح استقرار كل دولة جزءاً من أمن الأخرى ، وتغدو العلاقة ركيزة لتوازن الساحل الغربي للبحر الأحمر .
وبهذا المعنى ، فإن مستقبل العلاقات بين السودان وإريتريا لا ينبغي أن يُبنى على مجرد المحافظة على حسن الجوار ، بل على رؤية تجعل البلدين شريكين في إنتاج الأمن والتنمية والتكامل . فالجغرافيا منحتهما فرصة نادرة، والتاريخ وفر لهما خبرة مشتركة ، والظرف الإقليمي يفرض عليهما مسؤولية مضاعفة . ويبقى الخيار الحاسم هو تحويل هذه العناصر إلى إرادة مؤسسية ومشروعات قابلة للحياة ، بما يخدم مصالح الشعبين ويمنح المنطقة نموذجاً للتعاون السيادي القائم على الاحترام والمنفعة والاستقرار.




