لا أزمة.. فقط طوابير

بقلم/ المبر محمود
أثار الظهور الأخير للسيد رئيس الوزراء داخل إحدى محطات الوقود، وتصريحه المثير للجدل بنفي وجود أزمة وقود في البلاد، موجة من السخرية والاستهجان في الأوساط السودانية. فالمفارقة بين هذا النفي الرسمي وطوابير الانتظار الطويلة التي ترهق كاهل المواطن، تعكس فجوة عميقة في قراءة الواقع المعيشي. ومن هذا المشهد المتناقض، نحاول من خلال هذا المقال تفسير وتشريح مسببات هذه الأزمة المركبة، واستعراض السياسات والتدابير الإدارية التي قادت مسارنا الاقتصادي نحو هذا الوضع المزري.
ولاستيعاب جذور هذه الانتكاسة، نحتاج لاستدعاء التجربة القريبة وكيفية إدارة الدولة لملف الاستيراد خلال الفترة الماضية. فقد استندت الحكومة سابقاً إلى آلية اقتصادية محكمة عُرفت بمحفظة السلع الاستراتيجية، استهدفت بالأساس تحييد الطلب المؤسسي على النقد الأجنبي، وصرف مستوردي المشتقات البترولية عن اللجوء للسوق الموازي. انطلقت تلك المحفظة بشراكة استراتيجية ورأس مال مشترك بين بنك السودان المركزي وبنك الخرطوم قارب المليار دولار، ونجحت عملياً في خلق استقرار مشهود في الإمداد البترولي طيلة خمسة عشر شهراً متصلة بين عامي 2024 و 2025. وكانت المؤشرات تتجه نحو توسيع هذه المظلة التمويلية لتشمل سلعاً حيوية أخرى كالقمح والدواء والسكر، مما أسهم في استقرار ملحوظ لسعر الصرف.
بيد أن مسار هذا الاستقرار تعرض لانتكاسة حادة مع تكليف السيدة آمنة بمهام محافظ بنك السودان المركزي، حيث شهدت السياسات النقدية تحولاً جذرياً بدأ بقرار تصفية المحفظة وإلغاء عملها. وبمجرد رفع هذا الغطاء التمويلي الرسمي، ارتد المستوردون بكتلتهم النقدية الضخمة نحو السوق الموازي لتغطية التزاماتهم، وهو ما وجه ضربة قاصمة لقيمة الجنيه السوداني، ليتدحرج سريعاً من 3600 إلى أكثر من 8000 جنيه للدولار الواحد. ولم يقتصر أثر هذا التخبط على شاشات تداول العملة، بل تجلى في شح خانق وانعدام للإمداد البترولي ضرب عصب الحياة العامة في مقتل؛ إذ أصيبت حركة النقل والمواصلات بشلل شبه تام، وارتفعت تكلفة الترحيل بمعدلات جنونية انسحبت فوراً وبشكل تلقائي على أسعار كافة السلع الاستهلاكية والخدمات. هذا الاختناق المعيشي ضاعف من معاناة المواطن الذي يئن أصلاً تحت وطأة ظروف الحرب، محولاً يومياته إلى معركة استنزاف قاسية ترهق كاهله بحثاً عن أبسط مقومات الحياة.
وفي سياق هذا التخبط النقدي، أقر بنك السودان سياسة توفير “الدولار التفضيلي” لهذه القلة المحتكرة، بأسعار تقل كثيراً عن واقع السوق الموازي. ورغم ضخ 400 مليون درهم في بدايات التطبيق، نضبت الموارد سريعاً وعجز البنك عن الاستدامة، مما دفع الموردين للارتداد العكسي نحو السوق الموازي، ليتعمق انهيار العملة. وتتلخص خطورة سياسة السعر التفضيلي في كونها استنساخاً لتجارب سابقة أضرت ببنية الاقتصاد، وتحديداً تجربة دعم استيراد الدقيق لشركة “سيقا” في فترة حكومة البشير، فحينها وفر البنك المركزي الدولار للشركة بسعر يقل عن جنيهين، بينما كان السعر الموازي يلامس الستة جنيهات. وهذا النهج يلقي بعبء الفارق المالي الضخم على عاتق الخزينة العامة كعجز، بينما يستأثر التاجر بالريع الاقتصادي، ليمضي في توجيه الدقيق المدعوم نحو صناعات تحويلية أو تهريبه لدول الجوار. وتؤكد هذه السابقة أن توجيه الدعم المالي لشركات القطاع الخاص يمثل هدراً صريحاً للموارد العامة لصالح أفراد، ولا يعود بأي نفع حقيقي على المواطن.
وعلى صعيد متصل، تظهر المسؤولية التنفيذية المباشرة لوزارة الطاقة، والتي أخفقت إخفاقاً هيكلياً في إدارة ملف التوزيع. ففي اقتصاديات الحروب والأزمات، تفرض الضرورة الاستراتيجية أن تضع الدولة يدها بالكامل على قنوات التوزيع، وأن تفصله فصلا تاماً عن عمليات الاستيراد، لضمان وصول السلعة للمستهلك وتجنب الاحتكار. غير أن الوزارة تخلت عن دورها السيادي وتركت مقاليد التوزيع لشركات الاستيراد نفسها، مما منح الموردين نفوذاً واسعاً للتحكم في السوق. وبدافع تعظيم المكاسب، تعمدت هذه الشركات إلى ممارسة سياسة “التعطيش” عبر الإحجام عن البيع في المحطات الرسمية بمجرد بروز مؤشرات لارتفاع سعر الصرف. وبذلك يتسرب الوقود ليباع في السوق الأسود بأسعار مضاعفة، وهو ما يفسر عملياً تصريح رئيس الوزراء؛ فالإمداد البترولي متوفر كمياً بالفعل، لكنه مكدس خارج القنوات الرسمية بسبب غياب الرقابة الحازمة لوزارة النفط.
وبناءً على ما تقدم، يتضح أن المشهد المأزوم هو ثمرة شراكة في الفشل الإداري والمالي، غير أن الشق الأكبر والأخطر من هذه الكارثة يظل محصوراً داخل أسوار بنك السودان المركزي. فالسياسات النقدية الأخيرة هي التي عصفت بقيمة العملة الوطنية وأربكت المشهد الاقتصادي الكلي. وبما أن البنك المركزي يتبع هيكلياً ودستورياً لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، فإن تدارك هذا الانهيار يتجاوز صلاحيات رئيس الوزراء والأجهزة التنفيذية المعتادة، ويتطلب تدخلاً عاجلاً ومباشراً من أعلى سلطة في البلاد. ولا مناص من فتح نقاشات وطنية واسعة لإجراء إصلاحات هيكلية وجذرية تعيد صياغة سياسات البنك المركزي وتنهي فوضى الدولار التفضيلي، وذلك بالتزامن مع إصلاح آليات توريد النفط وضبط توزيعه. فصمود الدولة عسكرياً في هذا الظرف التاريخي الاستثنائي، يقتضي في المقابل إحراز انتصارات اقتصادية ومدنية ملموسة، توازي في أهميتها تلك التضحيات العظيمة التي تسطرها قواتنا المسلحة في ميادين القتال.



