ما بعد وجع الرصاصة

هوامش السيادة
ما بعد وجع الرصاصة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
ليست كل آثار الحرب تُرى في صورة مبنى مهدّم أو شارع تغطيه آثار القذائف. هناك وجع آخر يمضي في صمت، يسكن غرف المستشفيات، ويطرق أبواب الأسر، ويضع المرضى أمام معركة لا تقل قسوة عن معركة السلاح: معركة البحث عن العلاج.
وفي خبر مؤلم، كشفت عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، الدكتورة أديبة إبراهيم السيد، عن وجود أكثر من 467 مريضة بالسرطان في عدد من المستشفيات لا يجدن العلاج، مع تسجيل 143 حالة وفاة خلال الأيام الأخيرة. والأهم هنا أن هذه الأرقام تخص الحالات الموجودة في عدد من المستشفيات، وليست إحصاءً شاملاً لكل مرضى السرطان في البلاد.
والتوقيت أكثر إيلاماً؛ فنحن في أكتوبر، الشهر الذي ترتفع فيه حملات التوعية بسرطان الثدي، ويُذكّر الناس بأهمية الكشف المبكر والعلاج. لكن ما قيمة كل رسائل التوعية إذا كان المريض يصل إلى المستشفى ولا يجد الدواء؟ وما قيمة الحديث عن الكشف المبكر إذا كانت أدوية العلاج الكيميائي نفسها تعاني من النقص؟
الحرب تركت فاتورتها الثقيلة على الخدمات الصحية، لكن المواطن لا يستطيع أن يؤجل مرضه إلى ما بعد انتهاء الحرب. السرطان لا ينتظر اتفاقاً سياسياً، والدواء لا يعرف المواعيد العسكرية، والمريض لا يملك ترف الانتظار حتى تستقر الأوضاع.
بلدنا محتاج أكثر من استعادة المدن؛ محتاج أن تستعيد الحياة نفسها عافيتها. أن يجد المريض علاجه، وأن يرسل الأب أبناءه إلى المدرسة مطمئناً، وأن يفتح التاجر دكانه وهو يعرف حساب يومه، وأن يعود الطبيب إلى مستشفاه، والموظف إلى مكتبه، وأن تدخل الأسرة السوق من غير أن تتحول أبسط احتياجاتها إلى معركة جديدة.
وهنا لا بد من كلمة حق في مؤسسات الدولة وقواتها التي تحملت العبء الأكبر في هذه المرحلة. حفظ الله قوات شعبنا المسلحة، وحفظ القوات النظامية الأخرى، وحفظ كل من وقف في صف الوطن وحمى أرضه وأهله. فاستعادة الأمن ليست تفصيلاً منفصلاً عن التعافي؛ هي الباب الذي تمر منه بقية أبواب الحياة.
لكن حماية الوطن لا تنتهي عند صمت البندقية. بعد المعركة تأتي معركة البناء، وبعد حماية الأرض يأتي واجب إعمارها، وبعد أن نحفظ المدن من السقوط علينا أن نعيد إليها المدارس والمستشفيات والأسواق والمصانع والطرق.
وهنا يأتي دور أبناء السودان؛ الطبيب في مستشفاه، والمهندس في موقعه، والمعلم في مدرسته، والمزارع في حقله، والعامل في مصنعه، ورجل الأعمال في مشروعاته، والشاب الذي يحمل فكرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى مشروع كبير. الوطن لن يُبنى بالشكوى وحدها، ولا بالشعارات، وإنما بسواعد أبنائه وعقولهم وعرقهم.
نحن الذين دفعنا ثمن هذه الحرب، ونحن الأحق بأن نصنع من نهايتها بداية جديدة. قد تكون الطريق طويلة، وقد يكون الخراب واسعاً، لكن الأوطان لا تُقاس بحجم ما أصابها فقط، وإنما بقدرتها على النهوض من بين الركام.
*ولهامش السيادة كلمة*
بعد كل هذا العناء، وبعد كل هذا الدمار الذي خلفته الحرب، سنبني وطناً بسواعد أبنائه الأحرار؛ بالصبر والعمل والإرادة. سنعيد للمستشفى رسالته، وللمدرسة مكانتها، وللسوق عافيته، وللبيت أمنه، وللوطن هيبته.
حفظ الله قوات شعبنا المسلحة، وحفظ القوات النظامية الأخرى، وحفظ السودان وأهله.
سنَبنيه… وعدٌ لا شعار..



