زلزال جيوسياسي في حوض النيل والقرن الأفريقي: هندسة العطش ومواجهات البحر الأحمر

شيء للوطن
بقلم/ م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
زلزال جيوسياسي في حوض النيل والقرن الأفريقي: هندسة العطش ومواجهات البحر الأحمر
تشهد منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي تحولات جدرية ومتسارعة تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي والدولي وفق هندسة استراتيجية جديدة، لم تعد فيها أزمة سد النهضة الإثيوبي مجرد نزاع فني حول حصص المياه أو القواعد التشغيلية، بل أضحت أداة مركزية لإعادة هيكلة الجيوسياسة العربية والأفريقية. وتتقاطع في هذا الملف المعقد طموحات هيمنة إقليمية، وأجندات دولية، ومخططات تستهدف بشكل مباشر الأمن القومي لكل من مصر والسودان، مع ارتباط وثيق بأمن الملاحة في البحر الأحمر الذي بات ساحة لتجاذبات تقوض الاستقرار الإقليمي بأكمله.
في أدبيات الفكر الاستراتيجي الصهيوني التاريخية، طالما نُظر إلى مياه النيل كهدف استراتيجي حيوي، تجسد ذلك في محاولات مبكرة لتحويل جزء من مياه النهر نحو صحراء النقب، أو عبر السعي للتحكم بمنابعه وروافده للضغط السياسي على القاهرة. ويأتي الحضور الإسرائيلي الفاعل في أزمة سد النهضة متسقاً مع إستراتيجية “شد الأطراف” (Periphery Doctrine)، التي تهدف إلى إيجاد موطئ قدم دائم وفاعل في دول حوض النيل للتحكم غير المباشر في الشريان الحيوي المصري.
إن تصميم السد بمواصفات فنية ضخمة تفوق الحاجة الفعلية لتوليد الطاقة الكهربائية، يمنح أديس أبابا “محبساً مائياً” وأداة سياسية للابتزاز والتهديد المستمر، بما يلبي الغاية الإسرائيلية طويلة المدى في كسر الهيمنة المصرية التاريخية، وفرض معادلات جديدة من الإذعان السياسي والإقليمي.
يتشكل المشهد الراهن وفق تقسيم دقيق للأدوار بين أطراف متعددة تسعى لتثبيت واقع جديد بالتخطيط والدعم التقني: تتولى إسرائيل تقديم الخبرات الهيدرولوجية والتقنيات المتقدمة في مجالات الإدارة الأمنية والمائية، إلى جانب تزويد أديس أبابا بمنظومات دفاع جوي متطورة لحماية جسم السد، مما يمنحه حصانة استراتيجية ضد أي سيناريوهات عسكرية محتملة.
التمويل والاستثمار الإقليمي: يضخ الحلفاء الإقليميون والدوليون مليارات الدولارات لدعم البنية التحتية، والموانئ، والمشاريع الزراعية والصناعية في إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي، لتوفير مظلة حماية اقتصادية وسياسية تقي أديس أبابا تبعات الأزمات المالية والعقوبات الدولية، بالإضافة الى التنفيذ والمناورة: تقود إثيوبيا عمليات الملء والتشغيل الأحادية، مستغلة المشروع كأداة للهيمنة الإقليمية ولإعادة صياغة قواعد القانون الدولي للمياه بشكل أحادي يخدم مصالحها الضيقة.
لم تكتفِ أديس أبابا بإفشال جولات التفاوض المتعاقبة والالتفاف على إعلان المبادئ لعام 2015، بل امتد سلوكها العدواني للتدخل المباشر في الشأن الداخلي السوداني لإضعاف مقومات الدولة والمؤسسة العسكرية، وذلك عبر عدة محاور، شملت دعم وتقديم التسهيلات اللوجستية والسياسية والعسكرية لقوات الدعم السريع، مستغلة حالة التصدع والانقسام الداخلي، وخلق حزام أمني طائفي وقبلي: تأجير وتوظيف المناطق الحدودية الاستراتيجية مثل الفشقة للضغط المستمر على القيادة في الخرطوم، وإضعاف الجبهة الشرقية: السعي الحثيث لتحييد أي موقف سوداني صلب وموحد بالتنسيق مع مصر في ملف السد والمياه.
رغم تبني الاتحاد الأفريقي ملف الوساطة لسنوات تحت شعار “حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية”، إلا أن دوره اتسم بالضعف والشلل الهيكلي لأسباب جوهرية بارتهان مقر الإقامة: أتاح وجود مقر الاتحاد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا فرصة سانحة لممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة وتوجيه كواليس القرار الأفريقي، وتغليب الأجندات: تعرض آليات اتخاذ القرار لاختراق من قوى خارجية وتأثير المال السياسي على مواقف بعض الدول الأعضاء، والافتقار للآليات الإلزامية: تفتقر نصوص ميثاق الاتحاد إلى أدوات قسرية لإلزام الدول المفاوضة، مما حول منصات الوساطة إلى مظلة زمنية منحت إثيوبيا الغطاء لإتمام البناء وفرض سياسة الأمر الواقع.
في مواجهة هذا التهديد الوجودي المتصاعد والتغير الحاد في موازين القوى، برزت القمة الثلاثية في أسمرة بين مصر والسودان وإريتريا كخطوة استراتيجية جريئة لإعادة التوازن ومواجهة أطماع أديس أبابا. وتستهدف هذه الخطوة تطويق النفوذ الإثيوبي: عبر بناء جدار أمني وسياسي يحيط بإثيوبيا من الشرق والشمال، ويحمي استقرار البحر الأحمر وحوض النيل، ودعم الدولة السودانية بالتأكيد الحاسم على سيادة السودان ووحدة أراضيه، ومواجهة التدخلات الخارجية المغذية للحرب، وحماية أمن الملاحة وكبح محاولات إثيوبيا الحصول على منافذ بحرية غير شرعية تهدد أمن البحر الأحمر (مثل الاتفاق مع إقليم أرض الصومال)، بالإضافة الى التنسيق المائي والأمني وتوحيد الرؤى والمواقف حيال أخطار سد النهضة وصيانة حقوق دول المصب التاريخية.
إن ما يجري في حوض النيل والقرن الأفريقي يتجاوز بكثير الأبعاد الفنية لبناء سد على نهر دولي؛ إنه مشروع متكامل لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة وفق إرادة إثيوبية وتخطيط ودعم خارجيين. وفي المقابل، يمثل المحور الثلاثي الجديد (المصري السوداني الإريترية) بداية صحوة إقليمية ضرورية لحماية مقدرات الشعوب والدفاع عن شريان الحياة التاريخي في نهر النيل والبحر الأحمر في وجه مخططات الهيمنة والتفتيت.



