هندسة التغيير أم استنساخ الوصاية: نحو رؤية نقدية لمنظمات المجتمع المدني في السودان

شيء للوطن

بقلم/ م. صلاح غريبة – مصر

 

Ghariba2013@gmail.com


هندسة التغيير أم استنساخ الوصاية: نحو رؤية نقدية لمنظمات المجتمع المدني في السودان

 

تشكل منظمات المجتمع المدني ركيزة أساسية في بناء وتوجيه المجتمعات الحديثة، إلا أن مسيرتها في السودان طالها الكثير من الجدل والانحرافات الهيكلية التي تستوجب وقفة متأنية. يعود ذلك لقصور في أسلوب تأسيس هذه المنظمات وغياب آليات الرقابة الفاعلة عليها، مما جعلها في كثير من الأحيان تتحول عن مسارها الحقيقي المعني بخدمة التنمية وتلبية تطلعات الأجيال الفاعلة.

تتركز الفاعلية المجتمعية الحقيقية في الفئة العمرية التي تتراوح غالباً ما بين العشرين والاربعين عاماً، وتحديداً المرحلة العمرية الأكثر عطاءً بين الخامسة والعشرون والأربعين عاماً. غير أن المنظمات الدولية غير الحكومية عمدت في كثير من الأحيان إلى إعادة توجيه طاقات هذه الأجيال الفاعلة؛ فبدلاً من أن تسلك هذه الكوادر دروب النشاط السياسي المباشر الساعي لتغيير السلطة وتعديل البرامج السياسية، تم استقطابها للعمل في حقل منظمات المجتمع المدني لتصبح نشطاء يضغطون على صناع القرار من خارج مقاعد الحكم.

يتم استهداف الشباب الطموح وتحويل مسارهم من العمل الحزبي والسياسي المباشر إلى العمل المدني الظاهري، وتساهم هذه الآلية في الضغط على السلطات الحاكمة لإحداث التغيير المنشود من خلال أدوات الضغط الشعبي والمدني. فيفقد العمل السياسي أحياناً طاقاته الشابة لصالح منظمات مدنية قد تفتقر إلى الاستقلالية الحقيقية.

شهدت العقود الماضية تأسيس العديد من المنظمات تحت لافتات براقة تستهدف خدمة الفئات الفقيرة والمهمشة في العاصمة والأقاليم، مثل تقديم خدمات الإيواء والنظافة أو دعم المجتمعات الضعيفة عبر مشاريع ممتدة بملايين الدولارات. ورغم ضخامة هذه الميزانيات، إلا أن الواقع كان يشهد في كثير من الأحيان تبدداً للموارد لصالح القيادات والإدارات التنفيذية التي تستحوذ على نصيب الأسد من التمويل، مكتفية بحلول مؤقتة وفورية لا تعالج جذور الفقر والاحتياج.

ضعف الأثر التنموي، حيث تقتصر المشاريع غالباً على حلول شكلية تنتهي بانتهاء فترة التمويل دون إحداث استدامة حقيقية، مع تضارب المصالح، ويستحوذ القائمون على إدارة هذه المنظمات على رواتب ومزايا مالية ضخمة مقارنة بما يتم توجيهه فعلياً للمستفيدين الحقيقيين. مع غياب الرقابة، فتفتقر هذه الكيانات إلى آليات حوكمة ومساءلة شفافة تضمن توجيه الأموال لمواضعها الصحيحة.

أدت هذه الممارسات إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في خلق طبقة من المستفيدين أو ما يمكن وصفهم بـ “الكومبرادور المدني”، وهم أشخاص يتم تمويلهم لخدمة أجندات خارجية تحت غطاء العمل الإنساني والمدني. وفي تجارب تاريخية متعددة، مثل ما حدث في دارفور وغيرها من مناطق السودان، أدت سياسات تجفيف التمويل المفاجئة أو إعادة توجيهه إلى انهيار هذه المنظمات المصطنعة بين عشية وضحاها، مما ألقى بالشباب والنشطاء في أتون الضياع وخيبة الأمل بعد أن تم إبعادهم عن مسارات النضال السياسي الحقيقي.

إن النهوض بالعمل المدني في السودان يتطلب اليوم مراجعة جذرية لسياسات التأسيس وأساليب الإدارة، وإخضاع هذه المنظمات لرقابة صارمة وشفافة تضمن ارتباطها العضوي بهموم المجتمع وقضاياه المصيرية. لا بد للمجتمع المدني أن يعود أدراجه ليكون معبراً حقيقياً عن إرادة الجماهير وتطلعاتها، لا مجرد أداة لخدمة مصالح ضيقة أو أجندات خارجية تفقد الأوطان طاقاتها الشبابية وتفرغ العمل العام من مضمونه الوطني السليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى