الأمن الغذائي الذكي في السودان: حين تصبح التكنولوجيا أداة للبقاء والتنمية

بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق
عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية/جامعة السودان العالمية
في السودان، لم تعد قضية الغذاء مجرد سؤال عن كمية ما تنتجه الأرض، وإنما أصبحت سؤالاً عن قدرة الدولة والمجتمع على حماية الإنسان من الجوع في ظل الحرب والنزوح والتغير المناخي والانهيار الاقتصادي واضطراب الأسواق. ولذلك فإن الحديث عن الأمن الغذائي اليوم يجب أن يتجاوز المفهوم التقليدي الذي يركز على زيادة الإنتاج فقط، إلى مفهوم أكثر شمولاً وواقعية هو الأمن الغذائي الذكي؛ أي بناء منظومة غذائية قادرة على التنبؤ بالأزمات، والاستجابة لها، والتكيف معها، وتقليل خسائرها باستخدام العلم والبيانات والتكنولوجيا.
وتكمن المفارقة السودانية في أن البلاد تعاني أزمة غذائية حادة رغم امتلاكها موارد زراعية وحيوانية ضخمة. فالسودان يمتلك نحو 73.5 مليون هكتار من الأراضي المناسبة للزراعة، بينما يعتمد نحو 65% من السكان على الزراعة وسبل العيش المرتبطة بها، إضافة إلى ثروة حيوانية تقدر بنحو 115.4 مليون رأس. ومع ذلك، فإن ضعف البنية التحتية، وتراجع الخدمات الزراعية، ونقص التمويل، والحرب، وارتفاع أسعار المدخلات والطاقة، جعلت هذه الموارد عاجزة عن توفير الأمن الغذائي الذي يحتاجه السكان.
وتكشف الأرقام حجم الأزمة بوضوح. فقد بلغ إنتاج الحبوب في السودان خلال عام 2025 نحو 5.2 مليون طن، بانخفاض يقارب 22% عن عام 2024، ونحو 19% عن متوسط السنوات الخمس السابقة. وفي المقابل، تشير تقديرات الأمن الغذائي إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الأشهر الأولى من عام 2026. هذه ليست مجرد أرقام إحصائية؛ إنها تعكس فجوة متزايدة بين الإمكانات التي يمتلكها السودان وبين قدرته الفعلية على تحويل هذه الإمكانات إلى غذاء متاح وميسور وآمن.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننظر إلى الأزمة باعتبارها أزمة نقص غذاء فقط. فالسودان لا يحتاج إلى المزيد من الغذاء فحسب، بل يحتاج إلى نظام غذائي أكثر ذكاءً. نظام يعرف قبل بداية الموسم الزراعي أين ستزرع المحاصيل، وما المحصول الأنسب لكل منطقة، وما كمية المياه التي يحتاج إليها، وما احتمالات الجفاف أو الفيضانات، وما الإنتاج المتوقع، وكيف يمكن تخزينه ونقله إلى المناطق التي تحتاج إليه.
وهنا يأتي دور التكنولوجيا. فالأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد يمكن أن تساعد في تحديد المساحات المزروعة ومتابعة حالة المحاصيل وتقدير الإنتاج قبل الحصاد. كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل بيانات الأمطار والتربة والأسعار والإنتاج لتقديم توقعات مبكرة حول مناطق الخطر. وإذا عرفنا قبل عدة أشهر أن منطقة ما ستواجه نقصاً في محصول الذرة أو الدخن، فإن التدخل المبكر سيكون أقل تكلفة بكثير من انتظار وقوع الأزمة ثم البحث عن الغذاء في الأسواق الخارجية.
ولعل السودان يحتاج بصورة عاجلة إلى إنشاء منصة وطنية للأمن الغذائي الذكي، تكون بمثابة غرفة معلومات وطنية تجمع بيانات الزراعة والمياه والمناخ والأسواق والمخزون الغذائي والثروة الحيوانية وحركة السكان. مثل هذه المنصة يمكن أن تجيب عن أسئلة تبدو بسيطة لكنها حاسمة: كم زرع السودان؟ أين زرع؟ كم يتوقع أن ينتج؟ أين توجد الفجوة؟ أين توجد المخزونات؟ وما الولايات أو المناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل؟
إن إدارة المياه تمثل محوراً آخر لا يمكن تجاهله. فالسودان بلد واسع، تتفاوت فيه كميات الأمطار بصورة كبيرة، ويواجه في الوقت نفسه مخاطر الجفاف والفيضانات. ولذلك فإن التوسع الزراعي في المستقبل يجب ألا يكون توسعاً أفقياً فقط، وإنما توسعاً في إنتاجية وحدة المياه. وهذا يتطلب الانتقال من الري التقليدي إلى الري الذكي، واستخدام تقنيات قياس رطوبة التربة، وجدولة الري وفق احتياجات المحصول، والاستفادة من بيانات الطقس والاستشعار عن بعد.
وهنا تبرز الطاقة الشمسية كجزء من معادلة الأمن الغذائي. فارتفاع أسعار الوقود لا يرفع تكلفة النقل فقط، بل يرفع تكلفة الري والإنتاج والتخزين والتصنيع. وعندما تصبح تكلفة تشغيل مضخة المياه مرتفعة، فإن ذلك ينعكس في النهاية على سعر الغذاء الذي يدفعه المستهلك. ولذلك فإن استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل مضخات الري والآبار ومرافق التبريد والتخزين يمكن أن يخفض التكلفة ويمنح المجتمعات الزراعية مصدراً أكثر استقراراً للطاقة.
لكن الإنتاج وحده لا يكفي. فكمية كبيرة من القيمة الاقتصادية يمكن أن تضيع بعد الحصاد بسبب ضعف التخزين والنقل والتصنيع. ولذلك فإن السودان يحتاج إلى شبكة حديثة من الصوامع والمخازن الاستراتيجية، مرتبطة بنظام رقمي يراقب الكميات ومستويات الرطوبة والجودة والتلف. كما يحتاج إلى تطوير الصناعات الغذائية المحلية حتى لا يبقى الاقتصاد السوداني أسيراً لتصدير المواد الخام واستيراد المنتجات الغذائية المصنعة بأسعار مرتفعة.
ومن الضروري كذلك إعادة النظر في مفهوم التمويل الزراعي. فالمزارع السوداني يحتاج إلى أكثر من قرض موسمي؛ يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التمويل، والتأمين الزراعي، والبذور، والأسمدة، والإرشاد، ومعلومات الأسعار، والوصول إلى الأسواق. ويمكن للتكنولوجيا المالية أن تلعب دوراً مهماً في ذلك من خلال المدفوعات الرقمية والتمويل الرقمي وربط المزارعين بالمؤسسات المالية والأسواق.
كما أن الأمن الغذائي لا يمكن أن ينجح إذا ظل المزارع يتحمل وحده مخاطر المناخ والحرب والسوق. فالدولة والمصارف وشركات التأمين والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص يجب أن تتشارك في توزيع المخاطر. ومن هنا يمكن تطوير منتجات تأمين زراعي تعتمد على مؤشرات الأمطار والجفاف، بحيث يحصل المزارع على تعويض سريع عندما تتجاوز الظروف المناخية مستويات محددة.
ولا ينبغي أن ننسى الثروة الحيوانية، التي تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية والغذائية للسودان. إن امتلاك نحو 115.4 مليون رأس من الحيوانات يفتح فرصاً كبيرة لإنتاج اللحوم والألبان والجلود والصادرات، لكنه يتطلب إدارة حديثة للمراعي والمياه والأعلاف والخدمات البيطرية. كما يمكن استخدام الأنظمة الرقمية لتتبع الحيوانات، وتسجيل التطعيمات، ورصد الأمراض، وتحسين إدارة حركة القطعان.
والأمن الغذائي أيضاً قضية اقتصادية كلية. فارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار الوقود والمدخلات الزراعية يؤدي في النهاية إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن. وقد يصبح الغذاء موجوداً في السوق، لكن المواطن لا يستطيع شراءه. ولذلك فإن معالجة الأمن الغذائي تتطلب سياسات متزامنة لتحقيق استقرار الأسعار، وخفض تكلفة الإنتاج والنقل، وتحسين التمويل، وتقليل الاختناقات في سلاسل الإمداد.
ومن الأخطاء الاستراتيجية أن تبقى المساعدات الإنسانية هي الأداة الأساسية لمعالجة الأزمة الغذائية لفترة طويلة. فالمساعدات ضرورية لإنقاذ الأرواح في مناطق المجاعة والحرب، لكنها لا تستطيع وحدها بناء مستقبل غذائي مستدام. المطلوب هو الانتقال تدريجياً من “إطعام الإنسان” إلى “تمكينه من إنتاج غذائه”، ومن توزيع المساعدات إلى إعادة بناء سلاسل الإنتاج والأسواق وسبل العيش.
إن إعادة الإعمار بعد الحرب ينبغي أن تكون فرصة لإعادة بناء القطاع الزراعي السوداني على أسس جديدة. فبدلاً من إعادة إنتاج النموذج القديم بكل مشكلاته، يمكن أن تصبح إعادة تأهيل مشاريع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة وغيرها مدخلاً إلى زراعة حديثة تعتمد على البيانات والري الكفء والطاقة الشمسية والتصنيع الغذائي. ويمكن للسودان أن يستفيد من تجاربه السابقة، ولكن دون أن يبقى أسيراً لها.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل يستطيع السودان إنتاج الغذاء؟ فالإجابة، بالنظر إلى موارده الطبيعية والبشرية، هي نعم. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع السودان إدارة موارده الغذائية بذكاء؟
وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
فالأمن الغذائي الذكي يعني أن نعرف قبل الأزمة أين ستحدث الفجوة، وأن نعرف قبل الجفاف أين سيقل الإنتاج، وأن نعرف قبل ارتفاع الأسعار أين توجد الاختناقات، وأن نعرف قبل نفوق الحيوانات أين تنتشر الأمراض. ويعني كذلك أن نستخدم كل قطرة ماء بكفاءة، وكل فدان بصورة أفضل، وكل وحدة طاقة بأقل تكلفة، وكل معلومة في الوقت المناسب.
إن السودان لا يحتاج إلى شعار جديد بقدر ما يحتاج إلى نموذج جديد لإدارة الغذاء. نموذج يجمع بين الاقتصاد والزراعة والمياه والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والمناخ، ويضع الإنسان والمزارع في مركز عملية التنمية.
وإذا نجح السودان في بناء هذا النموذج، فإن الأزمة الحالية يمكن أن تتحول، رغم قسوتها، إلى نقطة تحول تاريخية. فقد يمتلك السودان فرصة للانتقال من بلد يعاني فجوات غذائية متكررة إلى دولة ذات قاعدة إنتاج غذائي قوية، ومن اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد الخام إلى اقتصاد يضيف القيمة، ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل وقوعها.
الأمن الغذائي في السودان لن يتحقق بكثرة الأرض وحدها، ولا بكثرة المياه وحدها، ولا بالمساعدات وحدها. إنه يتحقق عندما تصبح المعرفة والتكنولوجيا والبيانات جزءاً من كل فدان، وكل قطرة ماء، وكل سوق، وكل قرار زراعي.
وهذه هي فلسفة الأمن الغذائي الذكي: أن ننتج أكثر، ونهدر أقل، ونخطط قبل الأزمة، ونحمي المزارع، ونستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان، ونحوّل موارد السودان الهائلة من إمكانات كامنة إلى قوة إنتاجية حقيقية.



