السيادة لا تُقاس في نيويورك بل في ود الماحي والأبيض وأم روابة

رد علمي على نقد برهاني ناقا: “هل السودان يدافع عن سيادته أم يسيء فهم العقوبات؟”


بقلم/ د. عبد العزيز الزبير باشا


 

أشكر الدكتور المحترم برهاني ناقا على نقده المنشور يوم الخميس 9 أكتوبر 2026. الاختلاف المحترم ليس عداءً، كما قال، وهو محق. ولأن نقده أكاديمي، أرد عليه أكاديمياً، مع إضافة حقائق ميدانية حدثت خلال 24 ساعة فقط بعد صدور القرار 2830، وتثبت بطلان فرضية أن توسيع الحظر يحمي المدنيين.

 

*تنبيه توثيقي ضروري:*

اعتمد مجلس الأمن القرار 2830 بالإجماع يوم الأربعاء 8 أكتوبر 2026 بتمديد تقني لنظام العقوبات 1591 حتى 11 ديسمبر 2026. مجزرة ود الماحي وهجوم الأبيض وقعا يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، أي بعد 24 ساعة فقط من قرار يفترض أنه يحمي المدنيين.

 

*1. القوات المسلحة هي الضامن الوحيد لمنع التفكك

 

الطرح الذي يحاول التفكيك بين “مفهوم الدولة” و”القوات المسلحة” هو طرح نظري يغفل الواقع العملي. القوات المسلحة السودانية ليست مجرد فصيل مسلح، بل هي *المؤسسة الشرعية التاريخية والركيزة الأساسية التي تحمي كيان الدولة السودانية من التشرذم والتفكك والانهيار أمام الهجمات العابرة للحدود والمليشيات المتمردة والمرتزقة.

 

عندما أساوي بين جيش وطني معترف به وميليشيا متهمة بالإبادة الجماعية من قبل الإدارة الأمريكية نفسها عبر حظر شامل، فأنا لا أحمي نظرية الدولة، أنا أفتت الدولة.

 

*2. سجل مجلس الأمن لا يبعث على الطمأنينة – جنوب السودان شاهد

 

الاستناد إلى قرارات مجلس الأمن كمرجعية حصرية لصنع السلام يصطدم بالتجربة المريرة للشعب السوداني في فصل جنوب السودان. قرارات مترددة وحلول مفروضة زادت الهشاشة ولم تحقق استقراراً. هذا التاريخ يزيد من حالة عدم الاطمئنان المشروعة تجاه القرارات الحالية.

 

*3. العقوبات كعمل عدائي يطيل أمد الحرب – ودليل ود الماحي والأبيض

 

ناقا يسمي العقوبات “دبلوماسية قسرية”، لكنه يعترف في نفس الفقرة: “حظر ضعيف الإنفاذ قد يضر بالفاعلين الذين يعتمدون على الأسواق الرسمية بينما يترك الشبكات السرية دون مساس”.

 

هذا ما حدث حرفياً في 9 أكتوبر:

 

الجريمة الأولى – مجزرة النيل الأزرق – محافظة ود الماحي – الجمعة 9 أكتوبر 2026 – 03:00 صباحاً: هجوم بطائرة مسيرة تابعة للدعم السريع استهدف مركز إيواء نازحين في منطقة أبو شندي – مشروع القرية 6. الحصيلة الرسمية من محافظ ود الماحي محجوب الشيخ: *30 نازحاً قتيلاً بينهم 26 امرأة و4 أطفال وعشرات الجرحى. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أعرب عن صدمته وقال إن المعلومات الأولية تشير لمقتل 40 مدنياً معظمهم نساء وأطفال. الضحايا كانوا ينقبون عن الذهب بعد فرارهم من قيسان والكرمك. حكومة الإقليم طالبت المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي بالحماية.

 

*الجريمة الثانية – الأبيض – الجمعة 9 أكتوبر 2026 – فجراً:

هجوم بسرب مسيرات انقضاضية (10-13 مسيرة) أطلقتها قوات الدعم السريع من غرب المدينة (50 كلم). استهدفت أحياء سكنية شرق الأبيض، عاصمة شمال كردفان ومقر الفرقة الخامسة الهجانة. النتيجة الموثقة من 3 مصادر لدارفور24: *6 مدنيين جرحى بينهم حالة خطيرة، احتراق 6 سيارات مدنية، وأضرار في منازل. المصدر العسكري أكد أن الدفاعات الجوية أسقطت 11 مسيرة. حكومة شمال كردفان أدانت الهجوم ووصفته بـ “اعتداء سافر على حياة المدنيين وممتلكاتهم وانتهاك للقواعد التي تكفل حماية السكان”.

 

سؤالي لناقا: القرار صدر 8 أكتوبر ليحمي المدنيين، فلماذا قُتل 30 مدنياً في مركز إيواء في 9 أكتوبر؟ هل هذا هو السلام الذي سيجلبه توسيع حظر السلاح ليشمل الجيش الذي يدافع عن ود الماحي والأبيض؟ الحظر يمنع الجيش من الحصول على مضادات مسيرات عبر القنوات الرسمية، بينما المليشيا تستورد المسيرات عبر التهريب.

 

*4. زيف ادعاء “أزمة الحكم” – انظر إلى المناطق المحررة

 

الحديث عن “أزمة حكم” في مناطق سيطرة القوات المسلحة جفاء للحقيقة. المناطق المحررة تشهد استقراراً وأمناً وتمارس فيها الحياة بانتظام، وتستوعب ملايين النازحين الذين فروا من بطش مليشيا الدعم السريع. الشعب يلوذ بها ويعيش فيها كنسيج وطني واحد. المشكلة ليست في شرعية السلطة الوطنية، بل في احتلال المنازل من قبل القوات المتمردة.

 

*5. هل كان فيتو أم لا؟ نعم – فيتو استباقي

 

ناقا محق شكلياً: القرار 2830 صدر بالإجماع، ولم يكن هناك فيتو رسمي يوم 8 أكتوبر. لكنه نسي أنه سماه هو نفسه *anticipatory veto bargaining. عندما تقول روسيا “لن نسمح” كخط أحمر، وتضطر أمريكا – وهي حاملة القلم لملف العقوبات – لسحب مشروع التوسيع الشامل والاكتفاء بتمديد تقني 60 يوماً حتى 11 ديسمبر، فهذا فيتو ضمني. أسميته “فيتو الثامن” بلاغياً: 7 سيناتورات كتبوا خطاب 4 سبتمبر، والعضو الثامن أسقطه.

 

*6. روسيا والصين – تقاطع مصالح

 

أوافق تماماً. موسكو وبكين لا تدافعان حباً في السودان، بل مصالحهما تتقاطع مع مبدأ السيادة. استثمر التقاطع، ولا تعتمد عليه كاستراتيجية دائمة. الهدنة حتى 11 ديسمبر فرصة لبناء موقف ذاتي.

 

*7. مسارات الإمداد موثقة – والجبهة السابعة بني شنقول

 

مصادري ليست إشاعات. المسارات الستة وردت في تقارير فريق الخبراء 1591. والآن ظهر المسار السابع الذي كشفه تغريد MShmseldin: عبد الوهاب محمد – مسؤول أمني في بني شنقول – حزب الازدهار – يدير معسكرات تجنيد مرتزقة من الساحل وغرب أفريقيا ممن يجيدون العربية بتمويل إماراتي، وحزب الشعب الثوري الإثيوبي قال: “أراضي بني شنقول تم شراؤها بالكامل من قبل الإمارات والمليشيا”. هذا يفسر رصد 430 عربة قادمة من بني شنقول، ويفسر مسيرات ود الماحي والأبيض.

 

*8. الكونغرس ليس كتلة واحدة

 

ناقا استشهد بأن سفارة السودان رحبت بحذف بند من HR1939. هذا يؤكد استراتيجيتي: *من “رفض HR1939” إلى “استثمار S.935″* الذي يضغط على أبوظبي كمورد للمليشيا.

 

*9. أين الشعب؟ في ود الماحي والأبيض

 

ناقا سأل أين الشعب في تحليلي. جوابي: الشعب هو 26 امرأة و4 أطفال قتلوا في ود الماحي وهم نازحون يبحثون عن لقمة عيش، و6 جرحى في الأبيض وهم نائمون في بيوتهم. القدرة الوطنية على بسط الأمن دون وصاية تؤكدها المعطيات ميدانياً: القوات المسلحة بمساندة الشعب قادرة على إنهاء التمرد إذا احتُرمت سيادتها ودُعمت مؤسساتها.

 

الخاتمة: ماذا بعد 11 ديسمبر؟

 

1. تقرير خاص من فريق الخبراء عن الجسر الجوي بني شنقول-ود الماحي قبل 11 ديسمبر.

2. توحيد ملف مجزرة ود الماحي (30 شهيداً) وهجوم الأبيض (6 جرحى) وقصف محكمة أم روابة (31 شهيداً) مع ملف 1591: القصف دليل فشل الحظر الحالي، لا ذريعة لتوسيعه.

3. مطالبة رسمية بتحقيق دولي في دعم المسيرات.

 

السودان لا يحتاج منظري سيادة يساوون بين جيش يحمي 45 مليوناً وميليشيا تقتل النساء في مراكز الإيواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى