«حمى الضنك» تحاصر سنار وتزحف نحو الأرياف

جولة ميدانية لـ(العودة) داخل أحياء المدينة..


إشادة كبيرة بمبادرة شركة «ستنا» والمستشفى العسكري على خط المساندة


وزير الصحة الاتحادي: توجيهات صارمة وفورية بإرسال عربات المكافحة والرش الضبابي لإسناد الولاية


تقرير: مصطفى احمد عبدالله


تواجه مدينة سنار، وقراها المجاورة، وضعاً صحياً مأساوياً ومرحلة حرجة من التدهور البيئي إثر التفشي المتسارع لمرض حمى الضنك والأوبئة المصاحبة، حيث سجلت السلطات الصحية رسمياً آلاف الإصابات المؤكدة، وسط حالة استنفار واسعة وتكامل للجهود الرسمية والمجتمعية والخاصة والعسكرية لحصار الوباء. ولم تعد الكارثة محصورة في المركز؛ بل امتدت رقعة المرض والأنين المكتوم لتصنع بؤراً ساخنة داخل المدينة وفي عمق ريفها المحيط.

وشهد حي المزاد العريق فاجعة إنسانية هزت الوجدان، تمثلت في وفاة شقيقين لم يفصل بين رحيلهما سوى ساعات معدودة إثر مضاعفات الحمى الشديدة، تلتها وفاة مواطن آخر في ذات الحي، مما فجّر صدمة كبرى جسدت الشراسة الفيروسية للموجة الحالية.

 

مرضى داخل المنازل

 

وامتد هذا التمدد المخيف ليتوزع جغرافياً بين عدة قطاعات؛ فداخل المدينة تكتظ المنازل بالمرضى في أحياء المزاد، الفاشر، القلعات، وآبيي وسط آلام حادة ونقص حاد في المستهلكات الطبية. كما دخلت منطقتا مايرنو وود هاشم في حزام الخطر الوبائي بعد تسجيل قفزات متتالية في الحالات وسط مخاوف حقيقية من خروج الوضع عن السيطرة نتيجة قلة المعامل والمراكز التشخيصية بالأرياف.

وبات الموقف الوبائي حرجاً أيضاً في مناطق أخرى مثل فنقوقة والعباسية، حيث أكد المريض مهند محمد عثمان من العباسية تأثر أسرته بالكامل قائلاً إنهم طريحو الفراش جميعاً، وسط مطالبات بضرورة إطلاق حملة مكافحة جدية للمرض، في حين تشير التقارير إلى أن كل منزل في فنقوقة يضم الآن عدداً كبيراً من المرضى.

 

الضغوط المالية

 

ولا تتوقف معاناة المواطنين عند آلام الجسد، بل امتدت لتشمل الضغوط المالية الخانقة؛ حيث تشهد أسعار الفحوصات المعملية مثل فحص الدم الكامل قفزات فلكية تعجز الأسر عن سدادها.

ويعاني الأهالي من الارتفاع الجنوني في أسعار الأدوية، والمسكنات، والمحاليل الوريدية كدربّات البندول، وسط جفاف الصيدليات المركزية وخروج أغلب الأدوية المنقذة للحياة من مظلة التأمين الصحي.

 

جولة ميدانية لـ(العودة)

 

وفي جولة ميدانية على مراكز تقديم الخدمة، رصدت متابعات تكدساً بشرياً هائلاً يعكس حجم الكارثة.

وفي مركز الهلال الأحمر الواقع جوار القسم الجنوبي، يظهر بوضوح حجم الضغط الرهيب؛ حيث يتواجد في الاستقبال المواطن أحمد عبد العزيز وسط تدفق مستمر للمرضى. ووصف المريض بالمركز عبد الله حلاوي الوضع موضحاً أن المرضى يفترشون الكراسي لتلقي المحاليل الوريدية، مشيراً إلى أن المركز يستوعب عشرات الحالات في وقت واحد.

 

توفر الأدوية

 

ورغم هذا الاكتظاظ، أشاد المرضى بتوفر الأدوية وفعالية العلاجات الممتازة داخل المركز، إلا أن السعة الاستيعابية تظل التحدي الأكبر. ومن داخل ذات المركز، طالبت المريضة سيد موري حكومة الولاية بضرورة النزول الميداني وزيارة المراكز الصحية والمستشفيات لتقديم يد العون الفوري، متسائلة باستنكار عن اختفاء حملات الرش التي تم الإعلان عنها سابقاً.

 

العسكري على الخط

 

وفي إطار الاستجابة الواسعة للتخفيف من هذا الاكتظاظ الكبير وسد النقص، دخل المستشفى العسكري بسنار على خط المواجهة كقوة إسناد طبي حقيقية، حيث فتح المستشفى أبوابه لتقديم الدعم والمساندة لجهود القطاع الصحي المدني، واستقبل أعداداً من المرضى والمصابين لتوفير الرعاية الطبية اللازمة والمساهمة في تخفيف الضغط الرهيب عن كاهل المستشفيات والمراكز الطرفية التابعة لوزارة الصحة، مما شكل دفعة معنوية وطبية قوية للأهالي في هذا التوقيت الحرج.

وأمام هذا الواقع الأليم، أطلق ناشطون ومواطنون في سنار بيان استنكار شديد اللهجة موجه إلى أصحاب الشركات الكبرى والمؤسسات الخاصة العاملة في الولاية، وجاء فيه أنهم يخاطبونهم من وسط المعاناة والآلام الطاحنة التي يفتك فيها الوباء بأرواح الأهالي، مستنكرين موقفهم المتخاذل؛ فشركاتهم التي مُنحت الأراضي التشجيعية، وتستنزف موارد الولاية، وتجني الأرباح من عرق إنسانها، تقف اليوم موقف المتفرج أو تكتفي بتقديم فتات لا يسمن ولا يغني من جوع.

 

بيان المجتمع

 

وأكد المجتمع السناري في بيانه أن المسؤولية الاجتماعية ليست منّة أو تبرعاً اختيارياً، بل هي دين مستحق وواجب وطني وأخلاقي، محذرين من أن استمرار جني الأرباح بينما تفيض مستشفيات الولاية ومقابرها بالضحايا هو قمة الانتهازية التي لن يصمت عنها المجتمع ولن يرحمها التاريخ.

وفي مقابل هذا التخاذل، سجلت شركة ستنا للأدوية والمبيدات موقفاً وطنياً مشرفاً حظي باحترام وإشادة واسعة من مواطني الولاية. وتقدم مديرها العام، الابن البار لسنار الأستاذ أسامة علي سليمان، بحزمة تبرعات ضخمة ومقدرة لدعم غرف الطوارئ الصحية، شملت أعداداً كبيرة من طلمبات الرش، والمبيدات الحشرية عالية الجودة، والمعقمات الطبية. وأثبتت هذه المبادرة السخية من ابن سنار أن معدن الإنسان السوداني يتجلى في الأزمات، مشكّلةً دافعاً قوياً وسنداً حقيقياً لفرق المكافحة الأرضية.

وأمام هذا التفاقم المقلق للإصابات، تسابق الأجهزة الحكومية والمبادرات التطوعية الزمن عبر مسارات ميدانية متزامنة؛ حيث تبذل إدارة صحة البيئة أقصى ما في وسعها ميدانياً، بينما أعلنت المحلية عن تسخير كامل ميزانيتها المالية وجعلها تحت تصرف غرف طوارئ مكافحة نواقل الأمراض لتوفير الوقود والمعينات دون قيود بيروقراطية.

كما تقرر تعيين وتدريب مجموعة كبيرة من العاملات الصحيات المجتمعية للبدء الفوري في حملات طرق الأبواب والتفتيش المنزلي الدقيق داخل أحياء المدينة لتجفيف منابع التوالد كالبراميل والأزيار.

وشرعت وزارة الصحة الولائية في إمداد المراكز الصحية بحصص إسعافية من الأدوية والمحاليل الوريدية مجاناً.

 

اسناد اتحادي

 

وعزز وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم هذا المسار بتأكيده المباشر أنه كان قبل أيام في اجتماع مشترك مع السيد وكيل الوزارة لمناقشة ذات الوضع الميداني في سنار، حيث أسفر الاجتماع عن توجيهات صارمة وفورية بإرسال عربات المكافحة والرش الضبابي لإسناد الولاية وتغطية الشوارع والأرياف بشكل عاجل.

وبالتوازي مع هذه التحركات، أطلق ناشطون غرف طوارئ مجتمعية وحملات تبرع شعبية واسعة عبر الوسائط لمد يد العون للأسر المعسرة وتوفير المسكنات، متمسكين بالأمل ومرددين شعارات المقاومة والصمود حتى ينجلي الوباء عن أرض سنار وقراها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى