حلاوة ” العودة”

صنعت حضورها بالموهبة والتأهيل
تحية زروق .. حضور استثنائي في ذاكرة الإبداع
البدايات الفنية :
تمثل الفنانة تحية زروق واحدة من الأسماء المهمة في تاريخ الدراما السودانية فقد انتمت إلى جيل أسهم في ترسيخ وجود المرأة داخل المسرح والإذاعة والتلفزيون وجاءت تجربتها في مرحلة كانت فيها الفنانة السودانية تخوض تحديات متعددة لتأكيد موهبتها وانتزاع مكانتها في المشهد الثقافي والفني السوداني.
النشأة الثقافية :
نشأت تحية زروق في أسرة أمدرمانية ارتبط بعض أفرادها بالثقافة والإبداع ومن بينهم شقيقها القاص والأديب الطيب زروق وهو ما يضع تجربتها في سياق اجتماعي وثقافي متصل بالحياة الأدبية والفنية في أمدرمان حيث تداخلت الحكايات الشعبية مع المسرح والشعر والغناء وأسهمت في تشكيل الوعي الإبداعي.
التأهيل الأكاديمي :
في عام 1975 تخرجت تحية زروق من المعهد العالي للموسيقى والمسرح تخصص تمثيل وإخراج وهي خطوة مهمة في مسيرتها الفنية إذ منحتها التأهيل الأكاديمي الذي ساعدها على التعامل مع فنون الأداء وفق أسس علمية ومسرحية لتصبح واحدة من الوجوه النسائية التي جمعت بين الدراسة المتخصصة والممارسة الفنية.
أولى التجارب :
ارتبطت بدايات تحية زروق المسرحية بعمل خطوبة سهير الذي أشار المخرج مكي سنادة إلى أنه شهد أول ظهور لها على خشبة المسرح وقد شكلت تلك التجربة محطة مبكرة في مشوارها الفني وفتحت أمامها الطريق للمشاركة في أعمال مسرحية أخرى ساعدت على إبراز قدراتها التمثيلية وتأكيد حضورها بين زملائها.
أعمال مسرحية :
واصلت تحية زروق حضورها في المسرح من خلال مشاركتها في أعمال متعددة من بينها الرفض والأسد والجوهرة وهي تجارب تعكس تنوع المسارات التي خاضتها خلال مشوارها الفني فقد ظل المسرح بالنسبة إليها مساحة أساسية للتعبير وتطوير أدوات الأداء والمشاركة في حركة درامية كانت تسعى إلى ترسيخ تقاليدها المهنية.
الحضور الإذاعي :
لم تنحصر تجربة تحية زروق في خشبة المسرح بل امتدت إلى الإذاعة السودانية التي شكلت لسنوات طويلة نافذة رئيسية لوصول الدراما إلى الجمهور وشاركت في أعمال إذاعية من بينها الحراز والمطر للكاتب هاشم صديق وهو عمل ارتبط بذاكرة المستمعين وأسهم في إبراز قيمة الدراما الإذاعية السودانية وتنوع موضوعاتها.
التجربة التلفزيونية :
امتد عطاؤها إلى التلفزيون أيضا ومن الأعمال التي ارتبطت باسمها مسلسل أيادي القدر لتؤكد بذلك تنوع تجربتها بين وسائط الأداء المختلفة وقد أتاح لها هذا الانتقال الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور والمساهمة في تشكيل الذاكرة الدرامية السودانية عبر أعمال جمعت بين الحضور المسرحي والأداء الإذاعي والظهور التلفزيوني.
أثر الريادة :
تظل أهمية تحية زروق مرتبطة بمكانتها ضمن جيل من الفنانات اللاتي أسهمن في توسيع مساحة مشاركة المرأة السودانية في الدراما ولم تكن مسيرتها مجرد قائمة أعمال بل تجربة تنتمي إلى مرحلة تأسيسية تستحق التوثيق والقراءة النقدية لأن استعادة هذه الأسماء تعني استعادة جانب أصيل من تاريخ الفن السوداني.
/////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
حكاية عن حبيبتي .. اغنية خارج الراهن
يمتلك الشاعر الراحل سعد الدين إبراهيم قدرة استثنائية على ابتكار نص شعري يتجاوز المألوف ويؤسس لخصوصيته الجمالية بعيدا عن القوالب التقليدية التي استقرت في الوجدان الغنائي السوداني. في أغنية عن حبيبتي يقدم نموذجا شعريا مختلفا تتداخل فيه العاطفة بالرمز وتتسع فيه صورة المحبوبة لتصبح وطنا وذاكرة وملاذا إنسانيا. إنها كتابة تستشرف أفقا جديدا في التعبير الشعري وتمنح المفردة اليومية طاقة إيحائية تتجاوز معناها المباشر لتصنع عالما مدهشا من الحنان والجمال والانتماء.
عبقرية التلحين:
يأتي أبوعركي البخيت بوصفه فنانا يمتلك حساسية لحنية نادرة وقدرة استثنائية على قراءة النص الشعري من الداخل واستكشاف موسيقاه الكامنة. فهو لا يكتفي بتلحين الكلمات وإنما يعيد تفسيرها موسيقيا ويمنح صورها وأحاسيسها أبعادا تعبيرية جديدة. في هذه الأغنية تتجلى قدرته على المزاوجة بين بساطة العبارة وعمق الدلالة مع بناء لحني يحتضن المعنى ويكشف طبقاته الشعورية. وهكذا يصبح اللحن شريكا أصيلا في صناعة الصورة الشعرية لا مجرد إطار موسيقي يرافق الكلمات.
وطن من الحنان:
منذ المطلع يختار الشاعر أن يحكي عن حبيبته وكأنه يدعو الآخرين إلى اكتشاف سر استثنائي لا يخصه وحده. تتجاوز المحبوبة حدود العلاقة العاطفية الخاصة لتصبح كائنا جماعيا يحمل ملامح الناس وطباعهم وأحلامهم. إنها قريبة منهم لأنها تشبههم وتأخذ من تفاصيل حياتهم اليومية ما يجعلها مألوفة وأليفة لكنها تظل محتفظة بسحرها الخاص الذي يمنح الحكاية طابعها الإنساني العميق.
ذاكرة اللقاء:
في صورة ظل الضفائر يخلق سعد الدين إبراهيم مشهدا حميميا تختلط فيه الطبيعة بالذاكرة ويصبح الظل مساحة للقاء والاطمئنان. أما شد أوتار الضلوع فينقل الإحساس من الخارج إلى الداخل حيث يتحول الحب إلى موسيقى تسكن الجسد وتوقظ مشاعره. إنها صور لا تعتمد على الزخرفة اللفظية وإنما على قدرة الشاعر في تحويل التجربة العاطفية إلى مشهد مرئي ومسموع يشارك المتلقي في اكتشافه.
استعادة الفرح:
حين تغني المحبوبة عن الهوى تفرح الحزانى وحين تلتقي الحمامات الحزينة تمنحها من حنانها ما يعيد إليها القدرة على الطيران. هنا تتجاوز الأغنية وظيفة التعبير عن الحب لتصبح فعلا من أفعال الخلاص الإنساني من الحزن. وتبلغ الصورة ذروتها عندما تنام المدينة دون حزن للمرة الأولى في عمرها وكأن المحبوبة استطاعت أن تحقق بالحنان ما تعجز عنه وسائل كثيرة. إنها استعارة عن قوة الجمال في ترميم الروح الجماعية.
أنثى تشبه الناس:
تتجلى براعة النص في جعل المدينة كائنا حيا يتأثر بحضور المحبوبة ويستعيد عبرها توازنه الداخلي. فالحمامات والفضاء والأنغام ليست عناصر منفصلة وإنما أجزاء من مشهد تتوحد فيه الطبيعة والإنسان والعاطفة. ويمنح هذا التداخل الأغنية اتساعا دلاليا يجعلها قابلة لقراءات متعددة تتجاوز قصة الحب المباشرة نحو التأمل في أثر الجمال على الحياة العامة.
ملامح المحبوبة:
حين يقول الشاعر إن لون المحبوبة من الناس وإنها أخذت حاجات منهم فإنه يؤسس لعلاقة واضحة بين المرأة وبيئتها السودانية. تظهر ملامحها في الشروق وزراعة الأرض والشعاع الذي يدخل الرواكيب والغرف وفي الشاي الذي تعده بمحبة. إنها صورة تتشكل من تفاصيل الحياة البسيطة وتستمد جمالها من صدق الانتماء لا من المثاليات البعيدة. وهكذا تصبح المحبوبة تجسيدا لروح المكان ودفء العلاقات الإنسانية.
خاتمة الجمال؛
تصل الصورة الشعرية إلى ذروتها حين يخبرنا الشاعر أن المحبوبة تخبئ في جيوب النيل ما يروي العطشى وأنها تأتي بالنجمة لتمنح الناس ضوءا يكفيهم. هنا يتسع الرمز لتصبح المحبوبة مصدرا دائما للعطاء لا ينفد مهما تزايدت حاجات الآخرين. ويأتي اللحن بصوت أبوعركي ليمنح هذه الرؤية طاقتها الوجدانية ويحولها إلى احتفال جماعي بالجمال. لذلك تظل الأغنية حكاية عن الحب بقدر ما هي نشيد للإنسان والوطن والقدرة على صناعة الفرح.
/////////////////////
نص كلمة
رانيا محجوب .. مراجعة خدمات المستمعين !!
النجومية الجماعية:
حينما كانت الفنانة رانيا محجوب ضمن فرقة عقد الجلاد استطاعت أن تحقق حضورا جماهيريا واضحا وأن تبني قاعدة جماهيرية صلبة مستفيدة من طبيعة التجربة الجماعية التي منحتها مساحة واسعة للظهور والتألق. فقد كانت جزءا من مشروع فني متكامل يمتلك جمهورا وفلسفة غنائية خاصة ساهمت في إبراز قدراتها الصوتية ومنحتها مكانة مميزة في المشهد الغنائي السوداني.
تجربة منفردة:
بعد الانفصال عن عقد الجلاد خاضت رانيا محجوب تجربة الغناء المنفرد وهي خطوة أتاحت لها فرصة تقديم شخصيتها الفنية بصورة مستقلة لكن النتائج لم تبلغ مستوى التوقعات التي صاحبت تجربتها السابقة. فلم تحقق التجربة النجاح المأمول ولم تستطع حتى الآن صناعة الحضور الجماهيري نفسه الذي عرفته خلال وجودها داخل الفرقة التي شكلت محطة مهمة في مسيرتها الفنية.
مراجعة القرار:
ربما تحتاج رانيا محجوب إلى مراجعة تجربتها بقدر كبير من الشجاعة والموضوعية والنظر مجددا في قرار الانفصال عن عقد الجلاد باعتباره محطة تستحق التقييم الهادئ. فالمسألة لا تتعلق بالعودة وحدها وإنما بفهم عناصر النجاح السابقة واستثمارها بصورة أفضل. وتظل المراجعة ضرورة فنية مشروعة لكل مبدع يسعى لتطوير تجربته واستعادة مكانته الجماهيرية.
////////////////
كلام فى الفن
محمد نجيب محمد علي:
أعتقد أن الشاعر محمد نجيب محمد علي من أجمل الذين كتبوا الشعر الغنائي في السودان وأكثرهم قدرة على صياغة المفردة العذبة والصورة المدهشة والمعنى الذي يلامس الوجدان فهو شاعر يمتلك حساسية خاصة في التقاط المشاعر الإنسانية وترجمتها إلى كلمات تمنح الأغنية عمرا أطول وتترك أثرا جميلا في ذاكرة المستمع السوداني.
عامر الجوهري:
كان الفنان عامر الجوهري يمتلك مقومات تقديم تجربة غنائية مختلفة تضيف إلى المشهد السوداني وتمنحه لونا جديدا من ألوان التعبير الموسيقي لكن الأمراض التي تناوشته حدت كثيرا من انطلاقته وأضعفت فرص تطور تجربته بالشكل المأمول ولذلك يبقى الحديث عنه محملا بشيء من الحسرة على مشروع فني كان يمكن أن يحقق حضورا أكبر.
صديق متولي:
بعد النجاح الذي حققته أغنية مدني وعيشة البساطة اختفى الفنان صديق متولي بصورة لافتة عن الساحة الفنية ولم يستطع الحفاظ على حضوره الجماهيري الذي صنعته تلك التجربة حتى أصبح اسمه مرتبطا بذاكرة مرحلة مضت وهي حالة تستحق التأمل في مصير الفنانين الذين يحققون نجاحا لافتا ثم يغيبون عن المشهد الغنائي.
مصطفى سيدأحمد:
قال الفنان الراحل مصطفى سيدأحمد إن السودان بخير طالما يغني فيه أمثال الفنان الهادي حامد ود الجبل وهي شهادة بالغة القيمة لأنها جاءت من فنان كبير عرف قيمة الأغنية السودانية وامتلك وعيا عميقا برسالتها الفنية والإنسانية وقد رحل مصطفى سيدأحمد لكن أثر كلماته بقي شاهدا على محبته للفن وأهله.
جلال الصحافة:
قضى الفنان جلال الصحافة سنوات طويلة في الوسط الفني السوداني وظل اسمه معروفا لدى قطاعات من المهتمين بالغناء لكن حضوره الممتد لم يقابله سجل غنائي نشط يتردد باستمرار بين الناس وهي مفارقة تطرح سؤالا مهما حول العلاقة بين طول البقاء في الساحة الفنية والقدرة على إنتاج أعمال تعيش في وجدان الجمهور.




