«التنقيب» في «مناجم» الإجماع الوطني ..

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولم تعد الكتابة ذات جدوى عن الدم السوداني المُسال، وصرنا أحوج ما يكون لتجاوز محطة الشكوى التقليدية من انقسام السياسيين السودانيين والنخب والناشطين على كثرتهم، لأن أزمة السودان ليست فقط في غياب الاتفاق السياسي على كيفية إنهاء الحرب والاتفاق على أسس السلام المستدام، بل في العجز عن الاتفاق حتى على الحد الأدنى من الشروط الوطنية التي لا يجوز أن تكون موضع مساومة أو مزايدة بين الأطراف السودانية لحظة سيلان الدم.
تتسع سماء السودان لاستقبال كل هذه الأرواح، بينما تتحول أرضه إلى «لحد» بسبب ضيق صدر السودانيين بحالة الإجماع الوطني التي تحقن الدماء وتحفظ الأرواح، وتجعل في أجندة من يحكم السودانيين متسعًا لحماية أرواح وكرامة السودانيين، بدلًا عن التفرغ التام لديهم لقتل بعضهم بعضًا.
في حالة التنقيب والبحث المستمر في «مناجم» الثوابت الوطنية، صارت أرواح المواطنين السودانيين موضوعًا للتجاذب بين فصائل السقوط الوطني، حيث تتقدم حسابات الاصطفاف السياسي والجهوي والقبلي على حق الضحايا السودانيين في الحماية والإنصاف من الموت برصاص الحرب أو بقصف الأجنبي أو عن طريق المرض والفقر الذي يدفعهم للبحث عن أطواق النجاة تحت الأرض. وقتها تتحول المآسي إلى مناسبات لتسجيل النقاط على الخصوم والدخول إلى مزاد التزيد وتوزيع صكوك الغفران الوطني.
يموت السودانيون وتتعدد أسباب موتهم، فرخص الثمن والمقابل لم يطل الاقتصاد السوداني والجنيه في مقابل إرادة الغير بقدر ما أنه قد طال الأرواح وقيمة أن تكون مواطنًا صاحب «كرامة».
وقتها لا يصبح السؤال: لماذا يختلف السودانيون حول شروط الإجماع الوطني؟ بل يصبح من المهم السؤال عن كيف وصل الخلاف السياسي إلى مرحلة تهدد قدرة السودانيين على الاتفاق حتى حول ما ينبغي ألا يختلفوا عليه؟
يتوه السودانيون عن إحداثيات الإجماع الوطني، حتى في الوقت الذي ينبغي فيه أن تكون نقطة الانطلاق هي حياة المواطنين السودانيين وحقهم في الحماية والسلام والعدالة وإيقاف كل هذا الهدر الوطني للأرواح والدم السوداني.
نقرأ الآن، كلما استجد جديد في المشهد السوداني وموسم حصاد الأرواح السودانية، فلا نجد غير التسرع في تبني الروايات غير المحسومة أو توظيف الدم في معركة سياسية لم ولن تنتهي إلى صيانة الأرواح السودانية من مجازر الموت الجماعي بدون ثمن.
(*) من ينقب عن الإجماع، ومن يفتش عن انتصار موقفه؟
وللإجابة على هذا النوع من الأسئلة، سيكون من الواجب علينا الاشتغال على تفكيك أزمة العقل السياسي السوداني، وهي الأزمة التي كان نتاجها ما آلت إليه الأمور في الدولة السودانية. وهنا القول ليس تأسيسًا على «مناحات» النخبة السودانية وإدمانها للفشل، فالثوابت لا تناقش، ولكنها محاولة للتنقيب في وادي الفشل الوطني ومناجمه عن تعريف العقل السياسي السوداني لمفهوم الإجماع الوطني، فهو بالضرورة ليس إجماعًا على كل شيء، ولا توجد دولة ديمقراطية في العالم تتطابق فيها مواقف ورؤى الأحزاب والنخب والمكونات الاجتماعية، لكن بالضرورة توجد ثوابت مشتركة هي بمثابة لائحة تضبط الاختلاف وتحول دون تحوله إلى صراع على الوطن نفسه وثوابته، كما ترى الآن في الحالة السودانية.
أزمة السودانيين اليوم ليست في تعدد الآراء والمواقف واختلافها بقدر ما أنها أزمة أثرت في ترسيم الحدود الوطنية للاختلاف وخطوط الاستواء الوطني، وغياب الحدود الأخلاقية والسياسية للخلاف السياسي، وتحديد متى يصبح الاختلاف مشروعًا، ومتى يتحول إلى تبرير لانتهاك حقوق المواطنين أو التقليل من قيمتهم وكرامتهم.
قراءة الفاتحة في «صيوان» العزاء الوطني على أرواح صارت أرخص من التراب الذي تمشي فيه الآن الانتهازية السياسية، تفتح أعيننا على سؤال: السودانيون وهم في قمة اختلافهم وتباين آرائهم، حتى في روح ودم المدنيين المُسال، هل لا يزالون ينقبون عن معدن الحقيقة أم يبحثون عن أشياء تعزز من قوة رواياتهم التي يتبناها معسكرهم؟
وذلك لأن الاختلاف بين الموقفين كبير، وهو ما يفسر حالة «الكسوف» الكلي لشمس الإجماع الوطني في السودان عند وقوع المآسي الوطنية في السودان كمأساة المعدّنين. فقبلما أن نهيل التراب على الضحايا المدنيين في مقابر اختلافنا الوطني الجماعية، هل كان من الواجب أن نسأل أسئلة من نوع: ما الذي حدث؟ ومن المسؤول عما حدث؟ وكيف كان بمقدور الدولة السودانية توفير الحماية للمواطنين السودانيين وصون كرامتهم؟ أم السؤال عن من يكسب سياسيًا من وراء هذه الأزمات المتكررة والموت بالجملة و«القطاعي» بالنسبة للسودانيين، وكيفية استغلال ظرف الانهيار في سعر الأرواح السودانية في إحراج الخصوم السودانيين؟
من المواقف التي يجب تحريمها وتجريمها في سلوك وتفكير العقل السياسي السوداني هي تقديرات سياسة المواقف الانتقائية، والتي ينتج عنها المواقف والسلوك السياسي الشائه بإدانة الانتهاك والقتل المجاني حين يرتكبه الخصوم السياسيون، والبحث عن المبررات حينما يصدر عن الحليف، أو الصمت المخجل حينما يكون الضحايا خارج دائرة الاهتمام السياسي، وبالتالي تهبط أسهم أرواحهم في «البورصة» السياسية.
حان الوقت ليعرف السودانيون بأن هنالك فرقًا بين الاختلاف السياسي والتنازل عن المبادئ الوطنية، إذ يمكن أن تختلف القوى السياسية حول الموقف من الحرب أو شروط التسوية التي تنتهي بها أو شكل الدولة بعد اليوم الأول بعدها، لكن ليس من الجائز الاختلاف حول قيمة حياة المدنيين السودانيين ووجوب صون أرواحهم وحمايتهم أينما كانوا على الأرض السودانية. إذ لا يقاس الإجماع على الشروط الوطنية بعدد البيانات المشتركة التي توقعها القوى السياسية وتستخدم فيها لغة الإدانة والشجب والتحريض «اللزجة»، بل بقدرتها على الالتزام بمبادئ وطنية واحدة عندما تتعارض المصالح مع تلك المبادئ.
لحظة سيلان الدم الوطني تمثل نقطة اختبار حقيقية وتفتيشًا للرصيد الوطني والثبات في المواقف الوطنية السياسية، عن هل تتقدم الأسئلة السياسية وقتها على الأسئلة الإنسانية؟ لأن مأساة الأرواح السودانية تضع نخب السودانيين والناشطين أمام امتحان السلامة الوطنية في المواقف، وهل تستطيع هذه النخب إنتاج موقف وطني مشترك حين يكون المواطن السوداني هو الضحية، بصرف النظر عن موقعه الجغرافي أو انتمائه الاجتماعي أو موقفه السياسي؟ فالمواطن السوداني في الرواية السياسية، الذي خرج بحثًا وتنقيبًا عن الحياة الكريمة والرزق، يجب ألا يكون رقمًا في بيان ولا تفصيلًا صغيرًا في حرب الروايات المختلقة أو الحقيقية، بل يجب أن يكون السؤال الأول هو السؤال الإنساني عن ضحايا من هؤلاء، ولأجل ماذا يموتون؟
في مثل هذا التوقيت من «المواجع الوطنية»، يجب أن تتساوى استجابة القوى المدنية والإعلامية لأي مأساة تقع في الأرض السودانية، وأن تظهر العدالة في الاهتمام بالقرح الوطني، غض النظر عن الاصطفاف السياسي أو استخدام الدم والأرواح في زيادة الرصيد السياسي، وألا تتحول مأساتنا الوطنية على الدوام إلى مجرد مسابقة للمزايدات.
الحد الأدنى الذي ينبغي أن يبدأ منه التنقيب عن الإجماع الوطني يبدأ من سؤال: لماذا يصعب على القوى السياسية أن تصدر موقفًا مشتركًا حول حماية المدنيين وحق السودانيين في الحياة الكريمة وصون أرواحهم أينما كانوا، ومن دون أن يعني ذلك اتفاقها على كل تفاصيل الاختلاف في الأجندة السياسية الأخرى؟
(*) المزايدة .. عندما تتحول المآسي الوطنية إلى تصفية حسابات ..
ما يُعرض الآن على شاشات المأساة الوطنية يشرح جريمة تحويل الدم السوداني إلى مجرد «رأسمال» سياسي، وبات من الواضح أن بعض أنماط الخطاب السياسي والإعلامي المستخدمة جعلت من الموقف من الضحايا المدنيين تابعًا للموقف السياسي، بدلًا من أن تجعل منه محكومًا بمعيار حماية الضحايا المدنيين، وتصبح المزايدة الوطنية وادعاء امتلاك الحقيقة الوطنية واحتكار حق تمثيل الشعب واعتبار كل من يختلف في التقدير السياسي خصمًا للوطن هي السلاح المستخدم ضد الخصوم.
يستمر السقوط في امتحان الشروط الوطنية بالمزايدة، حتى في المواقف الأخلاقية، بتحويل إدانة استرخاص الأرواح السودانية إلى مسابقة في رفع الصوت السياسي وابتذال الصراع لتحقيق الأهداف، والتلاعب حتى بمفهوم السيادة الوطنية والتعامل معها في حدود أنها شعار سياسي وليست مسؤولية عن حماية المواطنين وصون حقوقهم ومساءلة الجهات التي تقصّر في حمايتهم.
المزايدة المكروهة وطنيًا تلك التي تدفع الأطراف للدعوة للاصطفاف ومطالبة الآخرين بتبني موقف سياسي شامل مقابل قبولهم في جبهة سياسية واحدة، وكأن موضوع الاتفاق على حماية أرواح المدنيين يستلزم الاتفاق على جميع القضايا السياسية المختلف عليها.
وصل الأمر في حضرة الدم السوداني إلى حدود «السفه الوطني»، بادعاء احتكار حتى الحزن الوطني ومعاملة معاناة حياة السودانيين باعتبارها قضية وطنية، بينما تُهمّش معاناة جماعة أخرى لأن الاعتراف بها وبأصحابها قد يحرج حليفًا أو يعزز حجة خصم سياسي، ويصبح الدم مادةً للمزايدة ويفقد الخطاب السياسي قدرته على إنتاج الإجماع، ولأن كل طرف لا يعد معنياً بإنصاف الضحايا المدنيين بقدر ما يصبح معنياً بتوظيفها في معركته مع الطرف الآخر.
على الرغم من قسوة ما يحدث للسودانيين الآن ومنذ سنوات، إلا أن فيه فرصة للانتباه إلى ضرورة الاتفاق على ثوابت وطنية تكون فوق الاختلاف، مع التأكيد على أنه لا يمكن مطالبة السودانيين بإنتاج إجماع وطني من دون تعريف موضوع هذا الإجماع، فالدعوة المجردة إلى الوحدة في الرأي والموقف قد تتحول بدورها إلى أداة لإسكات الخلاف أو فرض موقف سياسي واحد، ما يزيد من حدة الاحتقان السياسي.
مأساة السودانيين الحالية لا بد لها من اجتهاد في الحلول تتمثل في «ميثاق الحد الأدنى الوطني»، طالما أن الاتفاق على الحدود العليا كان قد استعصى عليهم. وفي صدر هذا الميثاق تقف الأولوية الأولى لحماية وحرمة حياة المدنيين السودانيين، بحيث لا تُبرر هوية الضحية أو موقعها أو انتماؤها أو موقفها السياسي استهدافها أو الانتقاص من حقها في الحماية والإنصاف، وأن تكون المساءلة في الانتهاك الذي يطال أي روح سودانية دون انتقائية، وأن يكون التحقيق في الانتهاكات قائمًا على أساس الأدلة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون الوطني والدولي، من دون حصانة سياسية أو عسكرية أو اجتماعية.
كما يجب أن ينص الميثاق على مسألة وحدة السودان أرضًا وشعبًا، دون استخدام مفهوم هذه الوحدة كعنوان سياسي دون الإيمان والعمل به، ورفض تحويل الانتماءات الجهوية أو الإثنية إلى أساس للتمييز، مع الاعتراف بالتنوع والمظالم التاريخية والعمل على معالجتها سياسيًا وعدليًا.
الميثاق يفتح الباب أمام تحقيق فكرة الإجماع الوطني، شريطة أن يكون مفهومًا لدى الكل بأن من حق الآخرين أن يكونوا آخرين، والتعدد في الرأي والموقف، وألا يُفرض الإجماع بالإكراه، ولا يُختزل الوطن في حزب أو جماعة أو مؤسسة، ولا يصبح نقد السلطة الحاكمة خيانة وطنية لمجرد أنه نقد أو رأي مخالف. ولا تعتبر هذه المبادئ بديلًا عن الخلافات السياسية، بل إطارًا لإدارتها وفق أسس موضوعية. وفي هذا، فإن السلطة الحاكمة ليست مطالبة بأن تكون طرفًا في كل سجال سياسي يدور بين السودانيين، لكنها مسؤولة عن تهيئة شروط الثقة العامة وعن تقديم نموذج عملي يثبت أن حياة المواطنين وحقوقهم ليستا رهينتين لحسابات السلطة.
وحتى لا يتصور البعض بأن مسألة تشكيل الإجماع الوطني السوداني هي مسؤولية طرف دون الآخر، فإننا نلفت الانتباه إلى أن القوى المدنية مسؤولة مسؤولية تقوم على الاستواء مع السلطة، وهي ليست معنية فقط بعملية التفاوض حول شكل السلطة الانتقالية أو شروط التسوية، بل عليها مسؤولية أوسع تتمثل في حماية المجال العام من الاستقطاب الحاد والمتطرف، وتأسيس ثقافة سياسية لا تجعل الخلاف حول السلطة مبررًا للتنازل عن الحقوق الأساسية للمواطنين، وعدم الخلط بين وحدة الصف ووحدة الموقف السياسي. فقد تختلف القوى المدنية بشأن التفاوض أو وقف إطلاق النار أو مستقبل المؤسسة العسكرية، لكنها تستطيع الاتفاق على أن حماية المدنيين ليست امتيازًا تمنحه جهة سياسية، وأن الانتهاكات لا تُبرر بانتهاكات سابقة، وأن العدالة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التحالفات.
التنقيب عن الإجماع الوطني ليس بحثًا عن موقف واحد يتبناه جميع السودانيين، ولا عن صيغة سياسية تُجبر المختلفين على التنازل عن قناعاتهم، بل إنه بحث عن الأرضية المشتركة التي تسمح لهم بالاختلاف من دون أن يتحول المواطن إلى رهينة لذلك الاختلاف.
فالإجماع الوطني الذي يحتاج إلى إسكات النقد ليس إجماعًا، والوحدة التي تتطلب تجاهل المظالم ليست وحدة مستدامة، والوطنية التي تتغير مع هوية الضحية ليست معيارًا وطنيًا صالحًا لبناء المستقبل.



