هل يمكن لعربي جوبا أن تصبح اللغة القومية لجنوب السودان؟

بقلم: علاء الدين محمد أبكر
لكل أمة لغة تجمع شتاتها، فاللغة ليست مجرد أداة تخاطب، بل هي وعاء الثقافة، ومستودع الذاكرة، وجسر المستقبل. ومنذ أن كان جنوب السودان إقليما قبل أن يكون دولة مستقلة في 9 يوليو 2011، وهو يعيش معضلة لغوية عميقة. ففي رقعة جغرافية تضم أكثر من 64 قبيلة ولكل قبيلة لغتها الخاصة، كان التواصل بين أبناء الوطن الواحد مستحيلا بدون وسيط. ابن الدينكا لا يفهم لغة ابن النوير، وابن الشلك لا يفهم لغة ابن الزاندي. وفي ظل هذا التشظي اللغوي، برزت عبقرية الشعب الجنوبي لتخلق حلا من رحم المعاناة، ذلك الحل هو “عربي جوبا”.
عربي جوبا ليس لغة مستوردة بقرار فوقي، بل هي لغة ولدت في السوق والشارع والمعسكر عبر أكثر من قرن من خلال ثلاثة روافد رئيسية. الأول هو الجندي والتاجر الشمالي القادم مع الإدارة التركية المصرية ثم الإنجليزية المصرية. والثاني هو التجار السواحليون القادمون من زنجبار وكينيا وأوغندا عبر تجارة العاج والصمغ، الذين جلبوا معهم اللغة السواحلية وتركوا بصمات واضحة مثل كلمة “سوا سوا”. والثالث هو البعثات الكنسية التي وجدت في عربي جوبا المبسط وسيلة أسهل لنشر رسالتها. النتيجة كانت لغة هجينة بسيطة، بلا إعراب معقد، قوامها مفردات عربية سهلة وتركيبها قريب من الإنجليزية ونطقها محبب. هي لغة “أنا روح، أنت تعال، هو ما في” التي يفهمها الجميع، وكانت اللغة الوحيدة التي يتحدث بها أهل جوبا وواو وملكال ويامبيو في الأسواق والمواصلات والمدارس الشعبية.
وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي القاتل للحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال. بدلا من أن تتبنى عربي جوبا كلغة رسمية للتعليم والإعلام في الجنوب وتطورها، أصرت على سياسة تعريب قسري فوقي. كانت وزارة التربية في الخرطوم ترسل مناهج تدرس العربية الفصحى في الجنوب بنفس الطريقة التي تدرس بها في الخرطوم والقاهرة ودمشق، مع نصوص من المعلقات وشعر المتنبي وقواعد سيبويه، لطفل جنوبي لغته الأم هي الباريا أو الدينكا ولا يسمع العربية إلا في الراديو. هذا الإصرار حول اللغة العربية في نظر الجنوبي من لغة تواصل إلى أداة هيمنة ثقافية، فكان النفور طبيعيا. في المقابل، نجحت الكنيسة لأنها احترمت الواقع. كانت تدرس الإنجليزية كلغة علم، وتترجم الإنجيل إلى اللغات المحلية، وتستخدم عربي جوبا كلغة وعظ وتواصل يومي. لم تحتقر لغة الشعب بل احتضنتها فكسبت القلوب.
واليوم، وبعد خمسة عشر عاما من رفع علم جنوب السودان، تحاول الدولة فرض اللغة الإنجليزية كلغة رسمية وحيدة للتعليم والإدارة. وهي خطوة مفهومة للانفتاح على شرق أفريقيا والعالم، ولكنها تصطدم بثلاثة جدران واقعية. الفئة الأولى هي الأغلبية المتجذرة من السكان الذين لم يغادروا الجنوب قط، وهؤلاء يتحدثون لغاتهم القبلية في البيت وعربي جوبا في السوق والشارع، والإنجليزية بالنسبة لهم لغة نخبوية. والفئة الثانية هي العائدون من الشمال وهم مئات الآلاف من الجنوبيين الذين ولدوا وترعرعوا ودرسوا في الخرطوم ومدني وكسلا وبورتسودان، وهؤلاء يتحدثون العربية بطلاقة وبعضهم لا يعرف كلمة إنجليزية واحدة ولا يعرف لغته الأم، وإهمالهم يعني خلق أزمة هوية. والفئة الثالثة هي النخبة الإنجليزية، وهم الجيل الجديد الذي درس في مدارس كينيا ويوغندا ويرى في العربية رمزا للهيمنة ويرفض عربي جوبا والفصحى معا.
هذا الانقسام الثلاثي يجعل فرض الإنجليزية وحدها سياسة إقصائية ستفشل كما فشلت سياسة فرض الفصحى من قبل. والدليل أن تلفزيون جنوب السودان الرسمي لا يزال حتى اليوم مضطرا لتقديم نشرة أخبار يومية بالعربية المبسطة القريبة جدا من عربي جوبا، لأن غالبية الشعب لا تفهم نشرة الإنجليزية.
إن الدعوة لتطوير عربي جوبا ليست دعوة عاطفية، بل هي مشروع وطني تنموي شامل. فمن الناحية الثقافية والاجتماعية، عربي جوبا هو اللغة الوحيدة المحايدة قبليا. لا تتبع للدينكا ولا للنوير ولا للشلك، هي ملك للجميع وبالتالي هي الوحيدة القادرة على خلق هوية وطنية جامعة فوق القبلية. ومن الناحية التعليمية، أثبتت اليونسكو أن التعليم باللغة التي يتحدثها الطفل في الشارع يرفع نسبة الاستيعاب بأكثر من 60%. ومن الناحية الاقتصادية، لغة السوق في جوبا هي عربي جوبا، فالتجار وسائقو البودا بودا والمزارعون والنساء في الأسواق كلهم يتفاهمون بها، وتوحيد لغة السوق يعني تسهيل التجارة الداخلية. ومن الناحية السياسية والدبلوماسية، عربي جوبا يمكن أن يكون الجسر الذهبي الذي يربط جنوب السودان بمحيطه العربي في السودان ومصر والخليج، وبمحيطه الأفريقي السواحلي، وبالعالم عبر مفرداته الإنجليزية.
قد يقول قائل هل يمكن تحويل لهجة عامية إلى لغة رسمية؟ الجواب نعم، وأقرب مثال هو دولة مالطا. مالطا جزيرة صغيرة في قلب البحر الأبيض المتوسط في قارة أوروبا، ولغتها الأصلية هي المالطية وهي في جوهرها لهجة عربية فينيقية قديمة ممزوجة بالصقلية والإيطالية والإنجليزية. ورغم ذلك اعتز بها الشعب المالطي فقام علماؤه بوضع قاموس لها وقواعد إملائية وحروف لاتينية تكتب بها ومناهج تدرس بها. واليوم المالطية لغة رسمية في مالطا بجانب الإنجليزية وهي لغة رسمية معتمدة في الاتحاد الأوروبي.
لماذا لا نفعل نحن نفس الشيء؟ المطلوب هو إنشاء مجمع لغوي لعربي جوبا في جامعة جوبا يضم لغويين من الجنوب والشمال وخبراء في السواحلية والإنجليزية، ووضع قاموس موحد ومعتمد، وتوحيد طريقة كتابته سواء بالحرف العربي أو اللاتيني، وتأليف كتب مدرسية أولية به والبدء بتدريسه في السنوات الثلاث الأولى من التعليم الأساسي.
إن الإصرار على قتل لغة يتحدثها الشعب لفرض لغة لا يتحدثها إلا النخبة هو انتحار ثقافي. جنوب السودان يملك كنزا لغويا اسمه عربي جوبا، كنز ولد من الشعب وإلى الشعب. إن تطوير عربي جوبا ليكون اللغة القومية لا يعني إلغاء الإنجليزية، فالإنجليزية تبقى لغة العلم والعالم، ولا يعني إلغاء اللغات المحلية فهي تراثنا الأصيل، بل يعني أن نعطي لعربي جوبا مكانته كلغة وطنية أولى للتواصل والتعليم الأساسي والإعلام الشعبي. فلنستمع لصوت السوق في جوبا قبل أن نستمع لصوت القاعات المكيفة.



