العام الدراسي.. التأجيل أم شهادة وفاة مبكرة

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا


وما سنتناوله هنا بالضرورة لا يمثل احتجاجًا على قرار تأجيل العام الدراسي المعلن من قبل وزارة التعليم والتربية الوطنية، بقدر ما أننا سنتناول الجرد الشامل لطريقة إدارة الوزارة لأمر التعليم في ظرف الحرب الحالية.

 

الوزارة التي كانت قد أعلنت عن بداية العام الدراسي في الحادي عشر من أكتوبر الجاري، ثم ألحقت هذا الإعلان بقرارها الإداري رقم «153» للعام 2026م بالتأجيل لمدة أسبوع، ليبدأ العام الدراسي في 18 من الشهر نفسه، وهنا نحن نفتح باب الأسئلة أمام السيد الوزير في حكومة الأمل وأركان «الفشل» الذريع في وزارته من مديرين وفنيين وخبراء تربويين، ونبدأ أولًا بالاستفسار عن الأساس الذي تم بناء واتخاذ القرار الأول بشأنه لبداية العام الدراسي في التاريخ المشار إليه، ثم تعود الوزارة لتكتشف لاحقًا، ومع اقتراب الموعد المحدد، أن هنالك ترتيبات أساسية للعام الدراسي لم تكتمل؟

 

بل كيف جاز لها أن تطلب من المعلمين، وهم الركن الأصيل في العملية التعليمية، صناعة الاستقرار الأكاديمي، وهي في ذات الوقت تتعامل مع المطالب الأساسية لهم بهذا الكم من التجاهل؟

 

المفارقة هي أن الوزارة، في كل خطاباتها، تتحدث عن التعافي وتبشر بقيام الأنشطة المدرسية والأولمبياد والدورة المدرسية، لتعود في قرارها الذي أشرنا إليه أعلاه، لتضع مهام يُفترض أن تكون من صميم الاستعداد المسبق للعام الدراسي، ليقف الجميع أمام حقيقة أن ما حدث لم يكن فقط قرارًا بتأجيل العام الدراسي أسبوعًا، بل إن ما حدث كان حالة تأخير في اكتشاف عجز الوزارة أسبوعًا.

 

وهنا يجب أن تنتبه كل الأطراف المتأثرة بهذا القرار إلى ما ورد فيه من تفاصيل جاءت على ذكرها الوزارة، مثل توزيع تلاميذ الصف السادس، وأعمال الكنترول، وتصحيح امتحانات الشهادة المتوسطة، وتدريب المعلمين الجدد. فهذه التفاصيل لا تعتبر من المستجدات في أي تحضير للعام الدراسي، بل هي عبارة عن أعمال روتينية درجت الوزارة على أن تضعها في جدول أعمالها قبل كل عام دراسي. فما هو المستجد هذا العام حتى تكتشف الوزارة أن ما ذُكر يمثل عائقًا أمام التزامها ببداية العام الدراسي في الموعد المحدد؟ وما الذي قامت به الوزارة بالأساس إن لم تكن هذه المهام ضمن التخطيط الموضوع لبداية العام الدراسي، وبناءً على إنجازها تم تحديد الموعد؟ إذ إنه لا يكفي أن تقول الوزارة في قرارها إن التأجيل مجرد إجراء تنظيمي، وكان من الواجب عليها أن تشرح بالتفصيل لماذا لم تُنجز تلك الأعمال في الوقت المناسب، وتقوم بتحديد من المسؤول عن الفجوة بين الجدول المعلن والجاهزية الفعلية. وعلى ما يبدو، فإن عملية «التقويم الدراسي»، وهي عملية «فنية» تقوم على حسابات مختلفة تتعلق بالبداية والنهاية وتفاصيل الامتحانات بمستوياتها المختلفة وأعمال التصحيح والإجازات وحجم المنهج وعدد الأيام الدراسية المطلوبة لتغطيته، أصبحت اقتراحًا قابلًا للمراجعة، وأصبح موعد افتتاح المدارس لا يصبح نهائيًا في التقويم إلا بعد أن تختبره الوزارة على أرض الواقع.

 

لا توجد أي مبررات تسمح للوزارة بإصدار قرارها بالتأجيل، هذا وأنها لم تتمكن من حسم توزيع تلاميذ المرحلة المتوسطة قبل موعد البداية، ولا شيء يفسر تداخل استكمال أعمال الكنترول والتصحيح مع الاستعداد لانطلاق العام الدراسي الجديد. ومن الواضح أن هياكل الوزارة وإداراتها والمحليات تعمل بوتيرة غير متناغمة، ولا شيء بينها يؤكد التنسيق المشترك، وتفتقر إدارات الوزارة إلى مؤشرات حقيقية تقيس بها مدى الجاهزية بدلًا عن الدخول في هذا الحرج الكبير. وظروف الحرب، بدلًا عن أن تكون مبررًا دائمًا لحالات الفشل الرسمي، هي أدعى للاهتمام بالتخطيط، فكل يوم دراسي يضيع يُضاف إلى رصيد الخسارة التعليمية التي يتحملها التلاميذ والأسر.

 

(*) جدلية العلاقة بين مستحقات المعلمين واستقرار العام الدراسي ..

 

أعلنت الوزارة بولاية الخرطوم في بيان سابق لها عن تعديل رواتب المعلمين وصرف فروقات أربعة شهور من المتأخرات، ولكن بالضرورة، وكما أن وعودًا سابقة لم تنفذها الوزارة للمعلمين، فإن هذا الوعد بالضرورة ليس كافيًا للقول بأن هنالك استعدادًا لبداية العام الدراسي، لأن الوعود والبيانات لا تدفع «الإيجار»، ولا تشتري حليب الأطفال، ولا توفر العلاج.

 

ما من جهة في الوزارة تستطيع أن تجيب عن سؤال: لماذا أصلًا تتراكم الاستحقاقات؟ وهل تفهم الوزارة أن هذا التأخير، وعلى قلة قيمة ما يتم دفعه للمعلمين، يجعلها تمضي بقيمة تناقصية بسبب التضخم، وأن هذا التأخير يأتي على حساب المعلمين؟

 

كيف تطلب الوزارة من المعلمين الالتزام بالدوام وتحمل أعباء التعافي التعليمي وإعادة فتح المدارس، بينما يظل حقهم المالي معلقًا كل هذه الفترة؟ وكيف تتحدث الوزارة عن البشريات، ويكون السؤال الذي يطرحه المعلم مختلفًا تمامًا عما تهتم به الوزارة، وهو: هل أستطيع شراء احتياجات أسرتي بهذه البشرى، أم أنني سأحتاج إلى بشرى جديدة قبل نهاية الشهر؟

 

هذا القرار وقرارات كثيرة أخرى خرجت بها الوزارة من قبل، ظلت تؤكد بأن المعلم هو من يتحمل نقص الإمكانات ويواجه التلاميذ المتأثرين بالحرب ويحاول تعويض الفاقد التعليمي، ومع ذلك تظهر قضاياه المالية وكأنها ملف منفصل عن العملية التعليمية وليست شرطًا أساسيًا لاستمرارها. إذ لا تُبنى المدرسة الجاذبة بالأنشطة وحدها، ولا يستقر التعليم بخطب الإشادة بالمعلم. فالمعلم الذي تطلب منه الوزارة أن يعيد بناء المستقبل بعد الحرب، لا يجوز أن تترك حاضره معلقًا على المتأخرات التي لا تلتزم بها الوزارة.

 

يتأثر التقويم الدراسي بعملية التأجيل هذه، ويتناقص عدد الأيام الدراسية، لأن القضية ليست أسبوعًا سقط من حساب التقويم فحسب، بل القضية في تراكم سنوات الاضطراب التعليمي بفعل الحرب والنزوح والإغلاق وتعثر انتظام الدراسة. وأي تقليص في أيام الدراسة يترك أثرًا مباشرًا على الزمن المطلوب لعملية التعلّم، خاصة لدى تلاميذ المراحل الأساسية الذين يحتاجون إلى الاستمرارية.

 

في أوقات السلم، كانت عملية الخلل في التقويم الدراسي تمثل الخطر بتحول السنة الدراسية إلى سباق لإنهاء المقررات بأي شكل كان، بدلًا من ضمان استيعابها من قبل التلاميذ. فما بالك بأيام وتأثيرات هذه الحرب، التي يتداخل فيها أكثر من سبب يؤثر على العملية كلها، سواء بأوضاع المعلمين أو بالبيئات الدراسية أو تجهيزات المنهج، لتتم التضحية بجودة التعليم في النهاية في مقابل الادعاء باستقرار العام الدراسي؟ وفي ما يبدو، أن الوزارة تتعامل مع الأيام الدراسية كما لو كانت أيامًا احتياطية في دفتر حساباتها للتقويم الدراسي، ولا توجد مشكلة في اقتطاعها لصالح مرور قراراتها.

 

التقويم الدراسي، وقبل الحديث عن اقتطاع أيام منه بقرار التأجيل، خرج السيد الوزير مبشرًا بعام دراسي حافل بالأنشطة، دون أي تأكيدات بامتلاك المدارس للتجهيزات من كتب ومقاعد وكادر تعليمي مؤهل، ولا الإجابة عن سؤال: هل خُصصت ميزانيات الأنشطة على نحو متوازن مع الاحتياجات التعليمية الأساسية؟

 

الوزارة ليست مطالبة فقط بإعلان القرارات، بل بتقديم نتائج قابلة للقياس، والوزير لا يُحاسَب فقط على ما دشّنه من فعاليات فحسب، بل على انتظام الخدمة التي تقع تحت مسؤوليته. وهو كذلك لا يحتاج إلى إعلان بداية عام دراسي بقدر ما يحتاج إلى إدارة تستطيع ضمان استمراريته. فالمشكلة ليست في التأجيل وحده، بل في احتمال أن يصبح التأجيل وسيلة متكررة لمعالجة ما لم يُنجز في موعده، بينما تتراكم خسائر التلاميذ وتتآكل قدرة المعلمين على الاحتمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى