ما وراء الكلام

هوامش السيادة
ما وراء الكلام
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
□ في زحام الحياة، لا تضجُّ الشوارع وحدها؛ ففي الرؤوس ضجيجٌ لا يسمعه أحد، تتدافع فيه الخواطر، وتتقاطع المخاوف، وتتشابك أسئلةٌ لا تجد طريقها إلى البوح. وقد يمضي المرء بين الناس هادئ الملامح، فيما تعصف في داخله حكاياتٌ لا تكشفها العيون، ولا يبددها انقضاء النهار.
□ وللكلمات عوالمها المستترة؛ تخرج من أفواه أصحابها، ثم تمضي إلى وجهاتٍ لا يملكون زمامها. قد تبلغ أذنًا فتعبرها، وتستقر في أخرى فتوقظ ما كان ساكناً، وتترك في ثالثةٍ ظلاً يطول بعد غياب الصوت. وبين العبارة وصداها مسافةٌ لا تقطعها الحروف وحدها، وفي تلك المسافة تبدأ حكايةٌ أخرى، لا يعرف صاحب الكلمة كل فصولها.
□ بعض المجالس تفتح أبواباً لا تُرى عتباتها، وتلقي في العقول أطرافاً من مسائل شائكة، ثم تمضي كأن شيئاً لم يكن. تبقى العبارة، ويتوارى سياقها؛ يعلق السؤال، ويتأخر ما يضيء جوانبه، فتجد الحيرة متسعاً لها حيث كان ينبغي للبيان أن يكون. وقد تستقر في الذاكرة شذرةٌ من حديث، بينما يغيب عنها ما يمنحها معناها ويكشف وجهها الآخر.
□ وفي سيرة الإمام البخاري، رحمه الله، ما يستوقف المتأمل في منزلة التثبت؛ فقد أقام صنيعه في الحديث على تمحيص الروايات، وفحص أسانيدها، والتمييز بين ما يثبت وما لا يثبت. لم يكن الخبر عنده جديراً بالقبول لمجرد شيوعه، ولم تكن كثرة الناقلين تغني عن دقة النظر. وراء الرواية ميزانٌ لا تراه العيون، لكنه يفصل بين ما يُروى وما يُحتج به؛ ومن هنا تلوح صلةٌ بين أمانة النقل ومسؤولية القول، فليس كل ما يصلح للتداول يستوي في مقام الاستشهاد، ولا كل ما يُلقى يبلغ غايته بمجرد وصوله إلى الأسماع.
□ وللكلمة حسابٌ يتجاوز ظاهرها؛ فالمقام جزءٌ من دلالتها، والسياق بعضٌ من معناها، وما يُحذف من حولها قد يبدل وجهها. وربما حملت جملةٌ واحدة في ظاهرها قولاً، وفي ظلالها ما لا ينتبه إليه عابرٌ ولا يلتقطه متعجل. وقد يكون الفرق بين الفهم والالتباس خيطاً رفيعاً، لا يظهر إلا لمن أحسن النظر فيما قيل، وما غاب عن القول.
□ وللمنابر امتحانها؛ فليس كل من أحسن عرض الكلام أحسن تقدير مآلاته، ولا كل من ملك ناصية المعرفة أدرك أين يضعها. قد تُفتح المسألة على اتساعها، ثم يُترك بعض أطرافها في العتمة، وقد يتقدم السؤال إلى الواجهة بينما يظل جوابه بعيداً عن متناول السامعين. وما يُلقى في لحظةٍ عابرة قد يظل في النفوس زمناً طويلاً، لا على الصورة التي أرادها صاحبه، بل على الصورة التي اكتملت في أذهان متلقيه.
□ وليس الصمت في كل مقامٍ نجاة، كما أن الكلام ليس في كل مقامٍ فضيلة. ثمة أشياء يفسدها الإغراق، وأخرى يخذلها الاقتضاب، ومعانٍ لا تمنح سرّها لمن يطرق بابها بعجلة. وأصعب ما يواجه صاحب المعرفة أن يوازن بين ما يعرفه وما يقتضيه المقام؛ فلا يحجب ما ينبغي بيانه، ولا يترك المعنى مبتوراً، ولا يظن أن صحة ما يقول تعفيه من مسؤولية الطريقة التي يقوله بها.
□ وبين الرواية والكلمة خيطٌ من الأمانة؛ هناك ما ينبغي تمحيصه قبل قبوله، وما يستدعي بصيرةً قبل إطلاقه. وما إن تغادر العبارة صاحبها حتى تبدأ رحلةٌ لا يختار محطاتها كلها؛ قد تحملها الذاكرة إلى غير مقصدها، وقد يمنحها التأويل وجهاً لم يخطر لقائلها. وعند تلك اللحظة، لا يبقى الصوت وحده حاضراً، بل تبقى تبعاته، صامتةً في ظاهرها، بعيدة المدى في أثرها.
ولهامش السيادة كلمة:
ما وراء الكلام هو ما يبقى بعد انفضاض المجالس، وانطفاء الأصوات، وانصراف الوجوه؛ هناك تستقر العبارات في مواضع لا تبلغها يد الاعتذار، وتظل أصداءٌ معلّقة في الذاكرة، عصيّةً على النسيان. كم من كلمةٍ قيلت عابرةً، فتركت في النفوس ما لا تتركه الأعوام، وكم من معنىً أُخفي خلف ستار البلاغة، فتكفّل الزمن بكشف ما عجزت عنه المواجهة. ليست كل الجراح مرئية، ولا كل الخيبات مسموعة، ولا كل الصمت دليلاً على أن شيئاً لم يحدث. فثمة كلماتٌ تُغلق خلفها أبواباً إلى الأبد، وثمة مواقف لا ينفع معها استدراكٌ ولا يجدي فيها تفسير. وما أقسى أن يكتشف المرء، بعد فوات الأوان، أن بعض ما نطق به لم يكن مجرد كلام؛ بل أثرٌ تركه في الآخرين، ثم مضى، تاركاً لهم وحدهم عبء ما وراءه.



