حفل تدشين «موقع إلكتروني».. التحول الرقمي على طريقة حكومة الأمل

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا


وأي مواطن شاءت له الأقدار أن يمر مساءً بشارع الموردة بأم درمان من الجهة المطلة على النيل، حيث «الطوابي» الأسبوع المنصرم، وصادف مروره ذلك الاحتفال «الضخم» الذي أُقيم هناك، سيسأل بالضرورة عن «المناسبة» التي تستدعي الحضور «النوعي» للاحتفال، ابتداءً من السيد/ كامل إدريس، رئيس الوزراء بحكومة «الأمل»، والسيد وزير الداخلية، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، ورأس السلطة التنفيذية بولاية الخرطوم، ومظاهر «الغناء» و«الرقيص»، وخُطب المسؤولين وحارقي البخور الرسمي بهتافات «التهليل والتكبير» على المنصات بكامل الهندام الرسمي. وستفلِق الإجابة على هذا السؤال رأسه إلى نصفين حين يعلم بأن المناسبة لا تتعدى أن تكون «تدشين» الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار.

 

وعلامات التعجب التي تعلو رؤوس أقلامنا بالضرورة ليست بسبب تدشين موقع إلكتروني وزاري في بلد يعيش حربًا مدمرة، وليست بسبب الرفض لمبدأ التحول الرقمي، ولا القصد هو التقليل من قيمة تطوير المواقع الحكومية الإلكترونية، ولكن التعجب هنا بسبب الفجوة بين الاحتفال بإطلاق المنصة وبين القيمة الفعلية التي تقدمها للمواطن، وبين خطاب التحول الرقمي ومتطلبات الإدارة الرقمية الحديثة، وفي إجابة سؤال المواطن عما سيجده حال زيارته للموقع الإلكتروني.

 

بكل ما أملك من «صبر»، وعلى مضض، انتظرت تكملة مشاهدة مقطع الفيديو المصاحب لخبر الوزارة المنشور عن حفل تدشين الموقع الإلكتروني، وتوقفت تحديدًا عند كلمتي ممثل الشركة التقنية التي نفذت مشروع «التحديث»، وكلمة السيد/ خالد الإعيسر، وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، باعتبار أنهما أسياد «الجلد والراس» في هذا الاحتفال. وللأسف الشديد، جاء حديث ممثل الشركة المنفذة «فقيرًا» للدرجة البعيدة، ولم يعطِ أي فكرة للمستمع تجعله يستوعب النقلة، وما هو جديد قامت به الشركة في الموقع الإلكتروني يستحق هذا الاحتفال.

 

بل لك أن تتخيل، عزيزي القارئ، بأنه وطوال كلمته حتى انتهى، لم يذكر اسم الموقع الإلكتروني الذي قامت شركته بتحديثه، بينما انتهت كلمته على المنصة بتصفيق «المجاملة» من الحاضرين على شيء سيحتاج العارف فيهم لمساعدة محركات البحث حتى يصل إليه، أما غيره فسيكتفي بما اكتفى به البعض من مدمني التزلف للوزراء والمسؤولين، بسبب أو بدونه، أمام عدسات التصوير.

 

«الإسهاب» المعتاد في كل خطابات السيد خالد الإعيسر، والإطناب في حديثه حول ما قامت به الشركة ووزارته بما يراه يستحق هذا الاحتفال والحضور الدستوري الكبير، لم يشمل أيضًا المجيء على ذكر اسم موقع الوزارة الإلكتروني، والذي اعتبره السيد الوزير بوابة الوزارات الحكومية والمدخل لها، الشيء الذي دفعني للاستعانة بالسيد Google، محرك البحث، ليمكنني مما لم يستطع السيد ممثل الشركة المنفذة لمشروع وصول الوزارة إلى كوكب عطارد، ولا السيد وزير الحقائب الأربع في حكومة الأمل، إيصالي إليه عبر كلماتهم في منصة الاحتفال، وليتني لم أفعل.

 

في زمن صناعة المحتوى الرقمي وتعزيزه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وجدت نفسي أمام موقع إلكتروني من المفترض، وبحسب التسويق في كلمات المذكورين أعلاه، أنه موقع «دايناميك» التفاعلية التي فيه تمنحه ميزة استحقاق هذا الاحتفال، ويمنحه حقيقة صفة البوابة بين الوزارة والمواطنين والمتعاملين مع خدمات الوزارة، إضافة للمواد الخبرية وتقديم الثقافة والتراث السوداني في قوالب جاذبة تتناسب والفكرة من إطلاق الموقع.

 

كما قلت، «فنيًا»، وفي زمن تستطيع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي توفير قوالب جاهزة بتصاميم عبقرية مجانية لمواقع تفاعلية إلكترونية، لم يعد بناء موقع إلكتروني عادي لا تتجاوز فكرة التجديد فيه حدود توفير نوافذ لإدخال البيانات الخاصة ببعض الخدمات، والله أعلم كيف، وبهذا الفقر التقني العام، كيف سيتم اعتماد استكمال المعاملات فيه في بلد تفشل في أبسط معاملات الدفع الإلكتروني والتطبيقات البنكية.

 

نفضت «الغبار» عن الأخبار الموجودة في الموقع الإلكتروني المنشورة بتاريخ يناير الماضي، وبالتأكيد أن هذا يجعل المتصفح للموقع الإلكتروني يأخذ تصورًا مبدئيًا عن الحال في المعاملات المفترض تنفيذها إلكترونيًا عبر التحديث الذي طرأ على موقع الوزارة، والمشرفون عليه لم يكلفوا أنفسهم بتحديث صفحة الأخبار وأرشفتها والاستفادة من ديناميكية هذا النوع من المواقع، ما يؤكد أن «المزاج» الرسمي كان احتفالًا والسلام.

 

السؤال المنطقي، والذي كنا نحتاج لإجاباته في كلمة ممثل الشركة والسيد الوزير خالد الإعيسر، هو: من المستهدفون بحفل التدشين هذا؟ هل هم الوزراء والمسؤولون الذين كانوا حضورًا في الاحتفال، أم المواطن المحتاج لإنجاز المعاملات التي تم تحديثها على الموقع؟ لأنه من الواضح أن الوزارة احتفلت بالإجراء أكثر من قياس أثره.

 

ولماذا يحتاج مجرد تحديث الوزارة لموقعها الإلكتروني إلى احتفال رسمي يحضره رئيس الوزراء وعدد من الوزراء والوكلاء والمسؤولين التنفيذيين والقيادات الأمنية، بينما الأصل والطبيعي أن تكون هذه الخدمات الرقمية متاحة للمواطنين دون احتفال بروتوكولي؟

 

وهل أصبحت قيمة المشروعات الحكومية ومعايير القياس فيها يتم تحديدها بعدد المسؤولين الذين يحضرون احتفالات التدشين، أم بعدد المواطنين الذين يستفيدون منها؟ وما هي القيمة المضافة التي يحققها حضور هذا العدد من كبار المسؤولين لعملية تقنية يمكن أن تعلن عنها الوزارة بتقرير أو خبر يوضح ما أُنجز، وما تغير، وما الخدمات الجديدة التي أصبحت متاحة؟

 

الحقيقة تقول بأننا لم نكن أمام تدشين خدمة ذات طبيعة عامة بقدر ما أننا أمام إعادة إنتاج للمشهد الحكومي التقليدي داخل فضاء يُفترض أنه تجاوز مركزية الحضور والمراسم، وعلى ما يبدو أن التحول الرقمي لم يُعفِ المسؤولين بعدُ من الطقوس الفارغة، فحتى الموقع الذي يُفترض أنه يختصر المسافات ويقلل الإجراءات استدعى اجتماعًا حضوريًا لتدشينه على طريقة «الملمّات» الهتافية التي ترضي الغرور الوزاري وتشبع شهواته بالتصفيق والتكبير، إذ لا يوجد أي تناسب بين مستوى وحجم الاحتفال مع حجم الإنجاز المعلن ومدى وضوح العائد العام منه.

 

إذا افترضنا أن كل ما كان يحتاجه السيد الوزير هو ما حدث في الاحتفال وما ظهر به على المنصة، فما الذي منع ممثل الشركة المنفذة لعملية تحديث الموقع الإلكتروني، والتي لم نسمع أو نقرأ للوزارة إعلانًا لعطاء للتنافس الشفاف على تنفيذ المشروع، والسوق «على قفا من يشيل» من سودانيين لهم القدرة على إدهـاش السيد الوزير والشركة المنفذة بتنفيذ عمليات رقمنة تواكب ما يحدث في العالم الآن، ما الذي منعه من توضيح ما تم تحديثه؟ هل هو واجهة بصرية جديدة للموقع والوزارة خلافًا للقديم، أم هو نظام جديد لإدارة المحتوى، أم بوابة خدمات إلكترونية، أم منصة متكاملة تربط بين الوزارات؟

 

الذي نود أن نقوله لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار هو بالضرورة إيجابية التفكير في تطوير الخدمات الرقمية والإنفاق عليها، لأن الدولة بذلك تقلل الإنفاق الإداري والصرف والهدر في المعاملات الورقية الروتينية، ما يجعل الانتقال الرقمي في جدول الأولويات الحكومية. ولكن بالمقابل، ليس هنالك أي تبرير للإنفاق على هذا النوع من الاحتفالات من جيب المواطن وخزانة الدولة والبلد في حالة حرب، وأي «مليم» الأولى به ما هو أهم من الذي حدث قبالة الطابية، والمسؤولون الذين نعتقد بأن في أولويات دولة الحرب وإعادة الإعمار ما يستحق الوقت الذي أنفقوه ذاك المساء، لأن مظاهر استعادة مؤسسات الدولة تُقاس بمدى وحجم المعاملات التي يستفيد منها المواطن، وليس بمظاهر الاحتفال.

 

نعتقد بأن هنالك إجراءات يتم اتباعها في مثل هذه المشروعات وتنفيذها بين الجهة الطالبة للخدمات والجهات المنفذة، يتم النص عليها في التعاقد بين طرفي العقد، والمشاركة في حفل التدشين بالطريقة التي رأيناها، بمشاركة رئيس الوزراء والسيد وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، تقول بمنح الشركة المنفذة شهادة إنجاز، إلا أن زيارة الموقع، سبب الاحتفال، وضعتنا أمام «نصوص تجريبية» في واجهة الموقع الرسمي في أقسام التنوع الثقافي والأدب الشعبي والتعليم والمرأة، وهي عبارة عن نصوص تجريبية تُستخدم أثناء تصميم المواقع، وليست محتوى تحريريًا موجهًا للجمهور عبر موقع تم تدشينه للعمل فعليًا.

 

نجد أيضًا أن المحتوى الإخباري المعروض في الصفحة الرئيسية أخبار مؤرخة في يناير 2026، وتعرض صفحة أخبار الوزارة مواد تحمل تواريخ نشر في أبريل 2026، مع وجود نصوص داخل بعض المواد تشير إلى تواريخ سابقة. وبالنظر إلى تاريخ التدشين المعلن في 13 أكتوبر 2026، يبرز سؤال عن انتظام عمليات تحديث المحتوى وآليات المراجعة التحريرية المعتمدة، والحديث في حفل التدشين عن التحديث والتطور، وليس العودة إلى الوراء. وهنالك خلل آخر يظهر في عدم الاتساق في الأرشيف وإدارة الأخبار، حيث تظهر في صفحة أخبار الوزارة مواد متشابهة العنوان عن زيارة الوزير وتفقده لمقر قناة الشروق، مع تواريخ وعناوين متقاربة، ويستدعي ذلك فحص ما إذا كان الأرشيف يعاني من تكرار الإدخالات أم هو ضعف تنظيم التصنيفات والبيانات الوصفية. فإذا كان الموقع الرسمي الذي يُفترض فيه أن يمثل الوزارة أمام العالم لا يزال يعرض نصوصًا تجريبية، ولا تزال الأخبار والأرشفة فيه تحتاج إلى مراجعة، فما الذي جرى تحديثه تحديدًا ويستحق كل هذا الاحتفال؟ وكيف اختُبر الموقع قبل الاحتفاء بإطلاقه؟

 

ما يستحق الاحتفال و«الهُليّله» من الوزارة هو مسألة فلسفة الإدارة الرقمية التي ترتكز عليها الوزارة، وأن عليها أن تعلم بأن الموقع الحكومي ليس صورة جميلة وشعارًا رسميًا وقائمة أخبار بقدر ما أنه نظام لإدارة المعرفة العامة، وتحديثه لا يُقاس بتغيير الألوان والخطوط وقوائم الإدخال، بل بمدى تحسين دورة إنتاج المعلومات والتحقق منها ونشرها وأرشفتها وإتاحتها للمستخدمين.

 

هذا لأن الوزارة تجمع معها أربعة قطاعات مختلفة، هي الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، فهي تحتاج إلى نظام إدارة المحتوى (CMS) يسمح للمحررين في الموقع الرسمي بتحديث الأخبار والبيانات والصفحات بصورة منتظمة، مع صلاحيات تحرير ومراجعة واعتماد واضحة، وأنظمة حوكمة المحتوى (Content Governance) لتحديد مسؤول عن تحديث كل الأقسام، وبيان المدة القصوى المسموح بها لبقاء البيانات القديمة، ومراجعة دقيقة للمعلومات قبل نشرها، وتسهيل عملية وصول المتعاملين مع المحتوى إليه؛ لأنه من السهل شراء تصميم جديد للموقع، لكن لا يمكن شراء التحول الرقمي بمجرد التعاقد مع شركة، فهو يحتاج إلى تغيير في طريقة إنتاج المعلومات وإدارتها وتقديمها للمواطن، إذ لم يعد إنشاء الموقع الإلكتروني للوزارات مجرد نافذة تعرض أخبار الوزير، لقد أصبح جزءًا من منظومة رقمية يمكن أن تشمل الخدمات الذاتية وقواعد البيانات المفتوحة والواجهات البرمجية والتحليلات والأتمتة والمساعدات الذكية.

 

وبما أننا نتحدث عن موقع إلكتروني لوزارة مهمة تضع موقعها الإلكتروني كبوابة لبقية الوزارات، وتشمل واجهاته إدخال بيانات ومعاملات، فبالضرورة نحن في حاجة للحديث عن الأمن السيبراني وإمكانية الوصول، وعن: هل خضع الموقع للاختبارات الأمنية اللازمة؟ وهل تُدار صلاحيات النشر والنسخ الاحتياطي والتعافي من الأعطال بصورة مناسبة؟ وأكثر من الشرح الضعيف الذي سمعناه في المنصة من ممثل الشركة ورأيناه في واجهات الموقع، هل يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة استخدامه، بما في ذلك عبر قارئات الشاشة والتنقل بلوحة المفاتيح؟

 

إضافة أزرار جديدة في واجهة الموقع الإلكتروني للمعاملات يجب ألا يتم التعامل معها باعتبارها زينة تقنية جديدة للموقع تستحق الاحتفال، بل يجب اختبار قدرة الوزارة على الانتقال من النشر التقليدي إلى إدارة المعرفة والخدمات الرقمية، وإذا كانت المعلومات الأساسية نفسها غير مكتملة أو غير محدثة، فإن إضافة واجهة ذكاء اصطناعي لن تكون سوى تغليف تقني لمشكلة إدارية قائمة.

 

قطاع الإعلام مطالب بتقديم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، لا بالاكتفاء بنشر الأخبار بعد وقوع الأحداث، أما قطاع الثقافة فيظل مطالبًا ببناء «أرشيف رقمي» للتراث والفنون والأدب الشعبي والتنوع الثقافي السوداني، وليس الاكتفاء بوضع عناوين أقسام تخلو من المحتوى الحقيقي، وكذلك قطاع الآثار يحتاج إلى قواعد بيانات للمتاحف والمواقع الأثرية ومواد توثيقية وصور وخرائط ومعلومات عن جهود الحماية والترميم الأثري.

 

وجزء آخر مهم، وهو قطاع السياحة، وهو يحتاج إلى معلومات موثوقة وقابلة للتحديث عن الوجهات السياحية والمرافق والخدمات الحكومية ذات العلاقة، بما ينسجم مع ظروف الحرب والواقع الفعلي للبلاد، ولا يمكن لوزارة تتولى مسؤولية الإعلام والثقافة والآثار والسياحة أن تقنع الجمهور بأهمية التحول الرقمي إذا كانت منصتها الرقمية نفسها لا تقدم نموذجًا واضحًا لاكتمال المحتوى وجودة الأرشفة وانتظام التحديث.

 

هذا في جانب الوزارة كطرف أول في المشروع، أما في جانب الشركة المنفذة للمشروع، فنتمنى ألا يعتقد ممثلها بأن المهمة قد انتهت بانتهاء كلمته في حفل التدشين، فالاختبار الحقيقي لمثل هذه المشروعات يبدأ بالاختبار العملي والتطبيقي، وأن نجاح الشركة لا يُقاس بإنجاز موقع قابل للعرض في حفل تدشين، بل بإنجاز منصة قابلة للاستخدام المستمر وتقديم قيمة عامة حقيقية وفقًا للمواصفات المتفق عليها.

 

هي دعوة لاستبدال ثقافة التدشين والاحتفال بثقافة الإنجاز القابل للقياس، بحيث يصبح نجاح الموقع مرتبطًا بخدمة المواطن وتوفير المعلومات، لا بحجم الاحتفال الذي صاحب إطلاقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى