جولة لـ«العودة» بين مطاعم العاصمة..

حظر الفول المصري.. 

عندما جفّت قدرة «حبيب الشعب»


ارتفاع الربع من 50 ألفاً إلى 120 ألف جنيه


مسؤول مصري: صادرات الفول إلى السودان تمثل اجمالا نحو 2.7%


الخرطوم– هيام المغربي


 

لم يعد الفول وجبة الفقراء المضمونة في السودان، بعدما تجاوزت أسعاره قدرة قطاعات واسعة من المواطنين، وتحولت وجبة الإفطار التي ارتبطت لعقود بحياة السودانيين اليومية إلى عبء جديد يضاف إلى قائمة الأعباء المعيشية المتزايدة. وبينما قللت مصر من تأثير قرار السودان حظر استيراد الفول المصري على صادراتها، تكشف جولة ميدانية في مطاعم وأسواق الخرطوم عن وجه آخر للأزمة، حيث يقف أصحاب المطاعم أمام زبائن غاضبين، ويبحث العمال والطلاب عن بدائل أقل تكلفة، فيما تتراجع قدرة وجبة «حبيب الشعب» على البقاء في متناول الجميع.

 

وفي بلد ارتبطت فيه وجبة الفول بالطعمية والخبز والشاي، لم يكن الفول مجرد سلعة غذائية، بل جزءاً من العادات الاجتماعية واليومية، وملاذاً لمحدودي الدخل الذين يجدون فيه وجبة مشبعة بأقل تكلفة ممكنة. غير أن الارتفاع المتواصل في الأسعار أعاد طرح أسئلة بشأن سلاسل الإمداد، ودور الاستيراد في توفير السلعة، وقدرة الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات السوق، ومدى انعكاس القرارات الحكومية على الأسعار التي يدفعها المواطن في نهاية المطاف.

من 50 ألفاً إلى 120 ألف جنيه

 

في مطعم بسوبا شرق، يروي عبد المحسن حامد، صاحب المطعم، تفاصيل الارتفاع المتتابع في أسعار الفول، قائلاً إن سعر الربع كان يبلغ 50 ألف جنيه، قبل أن يرتفع إلى 60 ألفاً، ثم 80 ألفاً، وصولاً إلى 120 ألف جنيه.

 

ويقول حامد إن جوال الفول بلغ مليوناً و550 ألف جنيه، وإن الزيادات المتلاحقة فرضت عليهم تغيير أسعار الوجبات بصورة أثارت احتجاجات الزبائن. فالوجبة التي كانت تباع بألفي جنيه أصبحت بخمسة آلاف، فيما ارتفعت وجبات أخرى من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه.

 

ويضيف أن أصحاب المطاعم يجدون أنفسهم في مواجهة المواطنين، رغم أنهم لا يملكون السيطرة على الأسعار التي يشترون بها احتياجاتهم من الأسواق. ويشير إلى أن التغيرات أصبحت متسارعة، إذ اشترى الربع بنحو 84 ألف جنيه، قبل أن يعود إلى السوق في اليوم التالي ويجده قد ارتفع إلى 120 ألف جنيه.

ويختصر حامد الأزمة في شعوره بأن الضغط انتقل من السوق إلى المطاعم، ومنها إلى المستهلك النهائي، قائلاً إن أصحاب المطاعم لا يستطيعون تحمل الزيادات المتواصلة وحدهم، كما لا يمكنهم الاستمرار في البيع بالأسعار القديمة مع ارتفاع تكلفة المواد الخام.

 

وتعكس هذه الشهادة جانباً من أزمة تتجاوز ارتفاع سعر سلعة واحدة؛ فكل زيادة في تكلفة الفول تدفع صاحب المطعم إلى الاختيار بين رفع سعر الوجبة، أو تقليص هامش ربحه، أو المخاطرة باستمرار نشاطه. وفي المقابل، يواجه المستهلك خيارات محدودة، إذ لا يستطيع كثيرون زيادة مخصصاتهم اليومية للطعام بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها الأسعار.

 

مطاعم تحت الضغط

 

وفي منطقة السلمة جنوبي الخرطوم، يقول محمد بشير، صاحب مطعم، إن الفول أصبح غالي الثمن بصورة كبيرة، وإن المواطنين يحملون أصحاب المطاعم مسؤولية الزيادات، رغم أنهم يشترون السلعة من السوق بالأسعار المفروضة عليهم.

 

ويطالب بشير المسؤولين بالتدخل لخفض الأسعار، حتى يتمكن أصحاب المطاعم من تقديم وجبات يستطيع المواطن شراءها، وفي الوقت نفسه يتمكنون من تغطية تكاليف التشغيل والالتزامات الأخرى.

 

ويشير إلى أن أصحاب المطاعم لا يواجهون تكلفة شراء الفول وحدها، بل تتراكم عليهم التزامات أخرى، بينها الرسوم والجبايات، ما يجعل ارتفاع أسعار المواد الأساسية أكثر تأثيراً على قدرتهم على الاستمرار.

 

ويقول إن استمرار الوضع الحالي لا يضر بالمستهلك وحده، وإنما يهدد أيضاً مصادر رزق العاملين في المطاعم، التي تعتمد على الإقبال اليومي لتغطية نفقاتها.

 

أما يس الطيب، صاحب مطعم الجوهرة بسوبا شرق، فيرى أن الغلاء غيّر طبيعة العلاقة بين المواطن ووجبة الفول، بعدما أصبحت الأسعار سبباً مباشراً في تراجع قدرة الزبائن على الشراء.

 

ويشير إلى أن أسعار فول الجزيرة من الدرجة الأولى تتراوح، وفقاً لما ذكره، بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه، بينما يبلغ سعر أقل طلب للفول نحو خمسة آلاف جنيه، وتصل تكلفة إفطار بسيط يضم الفول والطعمية وقطعتين من الخبز إلى نحو 20 ألف جنيه.

 

ويضيف أن بعض المواطنين باتوا يدخلون المطاعم للاستفسار عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء، بعدما أصبحت تكلفة الوجبة أعلى من قدرتهم اليومية. ويناشد الجهات المختصة تخفيف أعباء المعيشة، محذراً من أن استمرار الغلاء قد يحرم شرائح واسعة من وجبة ظلت لسنوات الخيار الأكثر ملاءمة لميزانياتها المحدودة.

الإفطار يلتهم المصروف اليومي

 

في الجانب الآخر من الأزمة، تظهر آثار الغلاء بصورة أكثر وضوحاً لدى الطلاب والعمال وأصحاب الدخول اليومية، الذين لا يملكون غالباً دخلاً ثابتاً يسمح لهم بمجاراة الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء.

 

وتقول طالبة فاطمة الزهراء إبراهيم إن مصروفها اليومي يبلغ 30 ألف جنيه، بينما يصل سعر طلب الفول إلى عشرة آلاف جنيه، ما يعني أن وجبة الإفطار وحدها تستهلك ثلث المبلغ المخصص لاحتياجاتها اليومية، قبل حساب تكلفة المواصلات أو بقية متطلبات اليوم.

 

وتكشف هذه المقارنة كيف تحولت وجبة كانت تُعد خياراً اقتصادياً إلى بند يضغط على ميزانية الطالب، خصوصاً عندما يكون المصروف اليومي مخصصاً لتغطية أكثر من حاجة أساسية.

 

أما عامل اليومية، فيستعيد أياماً كان فيها الفول وجبة متاحة للإفطار والغداء، ويقول إن ارتفاع الأسعار غيّر حتى عادات المشاركة بين زملائه في العمل، إذ أصبح من الصعب عليهم جمع المال لتناول إفطار مناسب كما كانوا يفعلون سابقاً.

 

وتعكس شهادته جانباً اجتماعياً للأزمة، لا يقتصر على تقليص كميات الطعام أو تغيير نوعه، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية وأنماط التضامن البسيطة بين العمال والأصدقاء.

 

وفي ظل اعتماد أصحاب الدخول اليومية على ما يحققونه من عمل لتوفير احتياجاتهم، تصبح الزيادة في سعر وجبة أساسية عاملاً إضافياً يضغط على الإنفاق، وقد يدفع بعض الأسر والأفراد إلى تقليل عدد الوجبات أو البحث عن بدائل أقل تكلفة. غير أن تحديد مدى انتشار هذه الممارسات وحجمها يحتاج إلى بيانات ميدانية أوسع تتجاوز الشهادات التي رصدتها الجولة.

الحظر بين حماية المنتج المحلي وحسابات السوق

 

أصدر وزير الزراعة والري السوداني، عصمت قرشي، القرار الوزاري رقم (42)، القاضي بحظر استيراد الفول المصري من جميع الدول، تنفيذاً لقرارات رئيس مجلس الوزراء، كامل إدريس، الرامية إلى دعم الاقتصاد الوطني.

 

وأوضحت وزارة الزراعة والري أن القرار يأتي في إطار الإجراءات الحكومية الهادفة إلى تنظيم الاستيراد وحماية المنتجين وتشجيع الإنتاج المحلي.

 

ومن حيث المبدأ، يضع القرار حماية الإنتاج المحلي ضمن أولويات السياسة الزراعية، لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة بشأن قدرة المنتج السوداني على تغطية احتياجات السوق، وحجم المعروض المتاح، وآليات ضمان عدم انتقال تكلفة أي نقص في الإمدادات إلى المستهلك النهائي.

 

ولا تكفي زيادة الاعتماد على المنتج المحلي وحدها لضمان انخفاض الأسعار؛ إذ يرتبط ذلك أيضاً بحجم الإنتاج وتكاليفه، وتوافر النقل والتخزين، وانتظام الإمدادات، والمنافسة بين التجار، والقدرة على إيصال السلعة إلى الأسواق بأسعار مناسبة.

 

وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن قرار الحظر وحده هو المسؤول عن موجة الغلاء التي يشكو منها أصحاب المطاعم، إذ إن الشهادات الميدانية توضح ارتفاع الأسعار، لكنها لا تقدم وحدها بيانات كافية للفصل بين أثر الحظر والعوامل الأخرى المؤثرة في السوق.

 

وتبرز هنا أهمية متابعة الأسعار قبل القرار وبعده، ومقارنة أسعار الفول المصري بالمنتج المحلي، ورصد الكميات المتاحة في أسواق الجملة والتجزئة، إلى جانب التحقق من تكاليف النقل والتوزيع وهوامش الربح. ومن شأن هذه البيانات أن تساعد في تحديد الأسباب الفعلية للزيادة، بدلاً من تحميل قرار واحد مسؤولية جميع التطورات.

 

القاهرة تقلل من التأثير

 

في المقابل، قلل مدير المكتب الفني للحجر الزراعي المصري، السيد عباس، من تأثير قرار السودان حظر استيراد الفول المصري على الصادرات المصرية، مؤكداً أن الكميات التي كانت موجهة إلى السوق السوداني يمكن إعادة توجيهها إلى أسواق أخرى لديها طلب على المنتج.

وقال عباس، في تصريحات لقناة «الجزيرة – مصر»، إن الصادرات إلى السودان تمثل نحو 2.7% من إجمالي صادرات الفول المصري، التي بلغت نحو 47 ألفاً و566 طناً، مشيراً إلى أن القرار لن يؤثر بصورة كبيرة على إجمالي الصادرات، في ظل محدودية الكميات المصدرة إلى السودان خلال الفترة الأخيرة.

 

وأكد استمرار التواصل التجاري بين مصر والسودان بشأن حركة التجارة والعلاقات الزراعية، موضحاً أن قنوات الاتصال تشمل تبادل الرؤى بشأن القرارات المنظمة للتجارة، بما يحافظ على انسياب السلع بين البلدين.

 

وتستند الرؤية المصرية إلى محدودية حصة السوق السوداني من إجمالي صادرات الفول، وإمكانية البحث عن أسواق بديلة لاستيعاب الكميات التي لن تجد طريقها إلى السودان. لكن هذه الحسابات تتعلق أساساً بأثر القرار على المصدر المصري، ولا تجيب بمفردها عن سؤال مختلف يتعلق بكلفة توفير السلعة داخل السودان والبدائل المتاحة أمام المستهلك.

 

فما قد يمثل خسارة محدودة للمصدر من حيث حجم الصادرات لا يعني بالضرورة أن القرار بلا آثار على السوق المستورد، كما أن ارتفاع الأسعار في السودان لا يثبت، في المقابل، أن الحظر هو السبب الوحيد وراءها. والفصل بين المسألتين يتطلب النظر إلى حجم الواردات الفعلي، ومدى توافر البدائل المحلية، وكلفة الحصول عليها.

 

أرقام تحتاج إلى تفسير

 

وبحسب تصريحات سابقة لوزير الزراعة والري الاتحادي، لا يتجاوز استيراد السودان من الفول المصري نحو 30 ألف طن سنوياً، بينما تشير إحصاءات رسمية أخرى إلى أن الكمية المستوردة بلغت نحو 1,289 طناً خلال عام 2025 م

 

ويكشف التباين الكبير بين الرقمين عن ضرورة التحقق من الفترات الزمنية التي يغطيها كل رقم، وما إذا كان أحدهما يعبر عن تقديرات أو كميات مستهدفة، بينما يمثل الآخر واردات مسجلة خلال سنة محددة. كما يتطلب الأمر تحديد ما إذا كانت البيانات تتعلق بالفول المصري وحده أم بفئات تجارية أوسع.

 

ولا يمكن بناء استنتاج دقيق بشأن اعتماد السودان على الفول المصري من دون توحيد الفترة المرجعية ومصدر البيانات، ومقارنة الواردات بحجم الاستهلاك والإنتاج المحلي. فمعرفة حجم الكميات المستوردة فعلياً تساعد في تقدير مدى قدرة السوق على تعويضها، وتحديد ما إذا كان الحظر يفرض ضغطاً على المعروض أم أن عوامل أخرى تفسر ارتفاع الأسعار.

 

كما أن انخفاض حصة السودان من الصادرات المصرية لا يكشف وحده عن أهمية تلك الكميات داخل السوق السوداني؛ فالنسبة التي تبدو محدودة في حسابات المصدر قد تكون لها أهمية مختلفة في سوق يعتمد عليها لتلبية جزء من احتياجاته، وهو أمر يحتاج إلى بيانات موثقة عن حجم الإنتاج المحلي والاستهلاك والواردات من مختلف المصادر.

 

من يدفع الثمن؟

 

بين رواية أصحاب المطاعم وشكاوى المواطنين والتقديرات المصرية بشأن محدودية أثر الحظر، تتضح فجوة بين الحسابات التجارية الكلية والتجربة اليومية للمستهلك السوداني. فالمصدر المصري ينظر إلى حجم الصادرات التي يمكن تعويضها بأسواق أخرى، بينما ينظر صاحب المطعم إلى تكلفة الجوال الذي يشتريه، ويحسب المواطن ما يتبقى من مصروفه بعد دفع ثمن الإفطار.

 

ولا يتوقف التحدي أمام الحكومة السودانية عند إصدار قرار بحظر الاستيراد، بل يمتد إلى ضمان توافر البديل المحلي بكميات وأسعار مناسبة، ومراقبة حركة السوق، والتحقق من أسباب الزيادات، وتخفيف الأعباء التي تواجه المنتجين وأصحاب المطاعم والمستهلكين.

 

وتبقى حماية الإنتاج الوطني هدفاً اقتصادياً مهماً، لكن نجاحها لا يُقاس بالقرارات وحدها، وإنما بقدرتها على تعزيز الإنتاج وتحسين الإمدادات من دون تحميل المواطنين أعباء إضافية لا يستطيعون تحملها.

 

وفي انتظار اتضاح أثر قرار الحظر على حركة الواردات والأسعار، يظل السؤال الذي تطرحه شكاوى الخرطوم مباشراً: هل تستطيع السوق المحلية توفير «حبيب الشعب» بأسعار تعيد إليه مكانته وجبةً في متناول الجميع، أم سيبقى الفول، الذي كان رمزاً للبساطة والقدرة على سد الجوع، شاهداً جديداً على اتساع الفجوة بين دخل المواطن وتكلفة معيشته؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى