تفكيك “الأقنعة” الأخلاقية: حين يهزم الفكر الحر صناعة المظلومية

بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون

​في الوقت الذي تحتدم فيه المواجهة بين طهران وواشنطن على رقعة الشطرنج الجيوسياسية، يبرز تيار من “الفكر الحر” من داخل العمق الأكاديمي الغربي، يمثله جيل من الأكاديميين المنصفين وعلى رأسهم نورمان فينكلشتاين؛ وهو عالم سياسة أمريكي من أصول يهودية، نال دكتوراه العلوم السياسية من جامعة برينستون العريقة، ويُعرف بكونه ابناً لأبوين نجيا من معسكرات النازية. هذا المفكر جعل من سيرته الذاتية وجرح عائلته سلاحاً أخلاقياً لفضح ما يسميه “صناعة الهولوكوست”، رافضاً أن تُستغل مآسي الماضي لتبرير سحق الشعوب في فلسطين ولبنان وإيران اليوم، مثلما استُغلت سابقاً لتبرير مآسي فيتنام وأفغانستان وصولاً إلى الجرح الإنساني الغائر في هيروشيما وناجازاكي. إنه يرفض مبدأ “الاستثناء الأخلاقي” الذي يمنح القوى الكبرى صكاً مفتوحاً للإبادة، معتبراً أن الالتزام الكوني يفرض الوقوف مع المظلوم أينما كان، وهو التزام كلفه غالياً بإقصائه من السلك الأكاديمي وتحوله إلى صوت مرجعي خارج أسوار المؤسسات المدجنة.

​ينطلق هذا التيار الحر في تشريحه للتحالفات السياسية الراهنة، مثل تحالف “ترامب ونتنياهو”، من زاوية “سيكولوجية الفوضى” وفراغ الرؤية الاستراتيجية، واصفاً إياها بأنها تقاطع بين شخصيات نرجسية لا تقيم وزناً للقانون الدولي. ويحلل أصحاب هذا الفكر بدقة كيف يتم تسويق أوهام “الحروب السهلة” والانتفاضات المبرمجة لإسقاط الخصوم، وهو وهمٌ تبدد أمام صخرة الواقع التاريخي للمنطقة. ويرون أن القيادة القائمة على “الاستعراض” لا تهمها المصالح القومية بقدر ما تهمها الصورة السينمائية للقائد المنتصر؛ فإذا ما فشلت المراهنة، انسحبت ببساطة مخلفة وراءها رماد الأزمات. هذا التوصيف يفسر لماذا تحولت الوعود بـ “الشرق الأوسط المستقر” إلى كوابيس أمنية وتصعيد نووي يفتقر لأي غطاء قانوني، لاسيما وأن القوة المهيمنة هي التي ترفض الشفافية بينما تطالب العالم بخنق خصومها.

​وعندما يقارب الفكر الحر مأساة غزة ولبنان، فإنه يتخلى عن اللغة الإنشائية ليتبنى لغة “الأرقام المرعبة” والتقارير الدولية، معتبراً أن ما يحدث هو “جريمة الجرائم” التي تتجاوز في كثافة دمارها أسوأ ما شهدته الحرب العالمية الثانية. هؤلاء المفكرون يقفون مذهولين أمام إحصائيات قتل الأطفال واستهداف سبل الحياة، ليؤكدوا أننا لسنا أمام “أضرار جانبية”، بل أمام سياسة ممهجة لتحويل الوطن إلى غبار. إن تفكيكهم لأسطورة “الدفاع الاستباقي” يكشف زيف التبريرات القانونية للقوى الكبرى؛ فالمواثيق الدولية لا تعطي الحق للمحتل في إبادة المحاصرين، وهم بذلك يضعون الضمير العالمي أمام مرآة مشوهة، متسائلين بمرارة: كيف يمكن للمنظومة الدولية أن تمول آلة تحول حياة الملايين إلى ركام وتدعي في الوقت ذاته صيانة حقوق الإنسان؟

​وفي نقطة تحول فكري مثيرة، ينتصر هذا الفكر لـ “عقلانية المقاومة” وقدرتها على قراءة الواقع، بعيداً عن الصور النمطية التي يروجها الإعلام الموجه. فهم يرون في قادة المقاومة لاعبين استراتيجيين يمتلكون رؤية فكرية متميزة واطلاعاً دقيقاً على نفسية الخصم، تجعلهم نداً حقيقياً في صراع الإرادات. أما عن الانفجارات الشعبية والميدانية، فإن الفكر الحر يضعها في سياقها التاريخي كـ “تمرد للعبيد” الذين حطموا أسوار معسكر اعتقالهم الكبير. ورغم نقدهم لأي تجاوزات حقوقية، إلا أنهم يجادلون بمنطق موضوعي بأن العقوبات الخانقة هي التي تدفع الشعوب والأنظمة لتحويل مواردها من التنمية إلى الدفاع، معتبراً أن “الأمن القومي” حق مشاع وليس حكراً على القوى التي تمتلك السلاح النووي، كاسرين بذلك الاحتكار الغربي لتعريفات “الإرهاب” و”حق الدفاع”.

​يواصل هذا الفكر مرافعته التاريخية بهدم “الأكذوبة الديموغرافية” التي حاولت الصهيونية زرعها في العقل الجمعي الغربي عبر عقود؛ حيث أثبتت الدراسات الرصينة أن المزاعم التاريخية حول “خلو الأرض” كانت محض خديعة كبرى وتزوير مفضوح للوثائق. بالنسبة لهؤلاء الأحرار، لا يبدأ الحل إلا بمحاكمات عادلة للمسؤولين عن حرب الإبادة، وبضرورة خضوع الوعي السياسي العالمي لعملية “تطهير” من الازدواجية التي تبيح سحق الآخر تحت مسميات التمدن والتحضر. إنها صرخة الضمير الإنساني الذي يؤمن بأن الأخلاق لا تتجزأ، وأن من يملك قلباً نابضاً لا يمكنه أن يبكي على ضحايا الماضي بينما يبارك أو يصمت عن ذبح أطفال الحاضر تحت ذريعة أمن “الدولة المختارة”.

​وفي الختام، يبرز نورمان فينكلشتاين كأحد أهم رواد هذا التفكير الحر المعاصر، الذي يُرجى من تدفق أفكاره وصلابة منهجه أن يُحدث اختراقاً حقيقياً في بنية الأوساط المثقفة الغربية التي تعاني من ارتهان الرواية الواحدة. إنه لا يقدم مجرد نقد سياسي، بل يضع المثقف الغربي أمام حقائق الصراعات الوجودية التي تجرّه إليها الصهيونية وأذيالها، محذراً من انجراف العالم نحو كارثة كبرى بسبب تزييف الوعي التاريخي. إن ريادة فينكلشتاين تكمن في قدرته على تحطيم “جدران الصمت” الأكاديمي، وإعادة الاعتبار للحقيقة التي لا تقبل المساومة؛ فهو بوقوفه في وجه هذا التضليل، يفتح الطريق أمام وعي كوني جديد يدرك أن الأمن العالمي لن يتحقق عبر القوة العارية، بل عبر العدالة المطلقة التي تبدأ بفك الارتباط مع أجندات الصهيونية التي باتت تشكل العبء الأكبر على كاهل الإنسانية وقيمها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى