الإعلام والصحافة المستقلة.. تغطية الحرب المنسية في السودان

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

“تُحَيِّي مراسلون بلا حدود شجاعة الصحفيين السودانيين وعملهم المتميز في المنفى، فإنه يجب ألا ننسى الثمن الباهظ الذي يدفعونه من أجل مواصلة مهمتهم الإعلامية”..

على هذا النحو دفعت منظمة “مراسلون بلا حدود” بالتعليق أعلاه سعياً منها للفت انتباه العالم لأوضاع الصحافة السودانية في ظل الحرب، وكذلك الأوضاع المأساوية التي فرضتها على المشتغلين بهذه المهنة، وهي التي لم تكن بكامل صحتها طوال العقود المنصرمة من عمر الدولة السودانية، لتجيء طامة الحرب فتثقل كاهل الممارسة الصحفية بأعباء لا طاقة للمشتغلين بالصحافة والإعلام على حملها.

والحرب، وعلى قساوتها وقساوة الظروف التي تفرضها، إلا أن المسؤوليات المهنية والأخلاقية تفرض على الصحافة والصحفيين الالتزام بمهام البحث عن “الحقيقة”، والتي هي أول شيء يضيع صوته في زحام صوت الرصاص، وتصبح الصحافة المستقلة في زمن الحرب هي “العدو” في نظر من لا يريد للحقيقة وجوداً.

ففي الثالث عشر من أبريل الماضي، على سبيل المثال، تروي الزميلة الصحفية زمزم خاطر، والمقيمة بمدينة “كتم” بولاية شمال دارفور، فصلاً جديداً من فصول الفظائع في الحرب التي يدفع تكلفتها المشتغلون بمهنة المتاعب، والظروف المروعة التي تحيط بهم، بعد أن داهمت منزلها قوة من الدعم السريع واقتادت أفراداً من أسرتها إلى مكان غير معلوم. وتروي زمزم هذا المشهد، وهو جزء من مشهد غطى على هذه الانتهاكات بسبب حملة اعتقالات واسعة قامت بها ذات القوة عقب انتشار خبر انشقاق أحد كبار قادتها وتسرب أخبار باتجاهه للانضمام للقوات المسلحة.

وهذا الخبر لن يكون الأخير بالتأكيد في خضم هيجان الحرب المستمر، وستكون هناك الآلاف من القصص والروايات عن فظائع الحرب لم تجد طريقها للتغطية وتسليط الضوء عليها، في حرب تجيء عبقرية توصيفها في الإعلام بأنها الحرب “المنسية”.

(*) المهام المطلوبة في زمن الحرب ..

بمبررات يريد أصحابها أن يفصلوا المهام الصحفية على مقاس رواياتهم عن الحرب، وطالما أن الحقيقة قد تتقاطع مع “المصالح”، نجد أنها في مرتبة أقل في ترتيب الأولويات، وقد يعلو صوت “دعاية” الحرب على صوت الحقيقة. وهنا يجيء الالتزام لدى الصحافة “المستقلة” بدور الكشف عن الحقائق التي يسعى أصحاب المصلحة إلى إخفائها، وتقديم ونقل الوقائع مجردة من أي تزييف أو تدليس، بعيداً عن روايات يراد بها السيطرة على الفضاء والرأي العام بهندسة جينات الرواية الصحفية وفقاً لما يطلبه الرواة.

الحرب هي البيئة المثالية للانتهاكات التي تُرتكب بحق المدنيين والعسكريين على حد سواء، ويصبح “توثيق” هذه الانتهاكات واحداً من المهام الأصيلة للإعلام المستقل، إذ إنه أحد أدوات فرض الالتزام بكل ما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما أن الإعلام المستقل من أهم أدوات بناء “العدالة” في العالم، ويتحمل مع القانون مسؤولية عدم الإفلات من العقاب لكل منتهكي الحق الإنساني.

وإذا كانت الحرب هي “الضرورة” التي لا يمكن تفاديها، فإن توثيق انتهاكاتها وبناء قاعدة بيانات مضبوطة بها وبمرتكبيها، مدعومة بالوثائق والمستندات والملتزمة بقواعد الأخلاق المهنية دون اصطفاف أو تأثر بروايات الحرب، هو المطلوب من الصحافة المستقلة، وذلك لتوفير البيانات والمعلومات للمنظمات الحقوقية وصناع القرار والرأي العام.

رصد الصحافة المستقلة للانتهاكات التي تُرتكب تحت غطاء الحرب بكل التزام ونزاهة من شأنه أن يشكل خط الدفاع الأول لضحايا الانتهاكات، وحائط صد يحمي الضحايا المحتملين من ارتكاب انتهاكات جديدة بحقهم. كما أن التوثيق لهذه الانتهاكات يخلق وعياً عاماً وثقافة واطلاعاً على تعريفات ومفاهيم حول ماهية “الانتهاك” وسبل التصدي لها إبان الحرب، ويوسع زاوية رؤية المجتمع لكل ما هو مرتبط بالحرب من ممارسات تتعارض مع ما اتفقت الإنسانية على تجريمه وتحريمه.

ارتباط الإعلام بالحروب ليس بالأمر الجديد، وما هو موجود الآن ويُستخدم كأحد أسلحة الحرب هو نتاج تطور استخدام الإعلام واستغلال انحرافاته ليكون أحد خُدام المعركة، بل والغطاء الذي يمنح “المشروعية” للانتهاكات باستخدام الروايات الإعلامية المضللة والكاذبة، والتلاعب بالرأي العام عبر مطبخ إعلامي يضع على مائدة الأخبار ما يشتهيه أصحاب المصلحة.

الإعلام المستقل مسؤول عن كتابة رواية “الحقيقة” في مقابل كثافة التضليل، وهي معركة عالية التكلفة يجب أن يخوضها، وألا يتورط في “غرف الصدى” التي تعتمد على سرديات التضليل.

صوت “الضحايا” الذي تغطي عليه أصوات المعارك هو مسؤولية الإعلام المستقل ولسان حالهم، وما أكثرهم في حرب امتدت لسنوات، وحتى الآن لم تسمع أذن العالم فصل مأساتها الأول.

(*) الإعلام المستقل والقدرة على التأثير ..

بسبب التغطيات التي يقوم بها الإعلام الخارجي لحرب السودان، توجد مقاربة غير عادلة مع التغطية المحلية، وهي مقاربة ليست عادلة لأسباب عديدة، في مقدمتها أن الإعلام والصحفيين في الحرب السودانية هم أنفسهم جزء من الحرب وفي مقدمة ضحاياها. وتعطي الأرقام التي قدمتها “مراسلون بلا حدود” ونقابة الصحفيين السودانيين صورة متكاملة لما آلت إليه أوضاعهم في زمن الحرب.

وقد تعرضت البنية التحتية للمؤسسات الصحفية والإعلامية للتخريب والاستهداف والإغلاق، وكان خيار إعلام المنافي هو البديل لاستمرار الالتزام المهني والأخلاقي تجاه حرب يلزمها اصطفاف مدني عريض لإيقافها. وبذلك خاضت الصحافة المستقلة معركة أخرى تمثلت في القيود الأمنية والتعقيدات الإجرائية وارتفاع تكلفة التشغيل وضعف التمويل.

كما واجه الإعلام صعوبات كبيرة في الوصول إلى معلومات الميدان بسبب تصنيفها ضمن الأسرار العسكرية، وهو ما ظل من أكبر التحديات طوال سنوات الحرب. ومع ذلك ظل الإعلام والصحافة المستقلة الشريان الحيوي في نقل صورة قريبة لواقع السودان أثناء الحرب.

وقد سجلت الوقائع عدداً من حالات الاعتقال والاحتجاز التعسفي لصحفيين لم تكن جريمتهم سوى التزامهم بالواجب المهني.

(*) الصحافة المستقلة أداة للسلام ..

على الرغم من السعي الحثيث لشيطنة أداء الصحافة المستقلة، فإن دورها الأساسي يتمثل في نشر الوعي والتنوير ودعم رواية السلام وكف اليد التي تشعل الحرب. وقد نوهت منظمات دولية، كالاتحاد الأوروبي، إلى ضرورة دعم الإعلام المستقل ودمجه ضمن الجهود الدولية والإقليمية الساعية لوقف الحرب في السودان واستعادة مساره المدني الديمقراطي.

تدويل الحرب السودانية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية جعلا السودان ساحة للصراع، وأدى ذلك إلى تراجع الاهتمام الدولي بحربه، مما يعظم دور الإعلام المستقل في إبراز فظائع هذه الحرب “المنسية”.

وقد هيمنت سرديات الإعلام الخارجي في ظل تغييب الإعلام المستقل، مما أدى إلى عرض صورة مجتزأة عن المأساة السودانية. ولا يوجد تفسير منطقي لضعف القرار الدولي وتباطؤ الحلول سوى وقوع مراكز اتخاذ القرار تحت تأثير التغطية الإعلامية المضللة.

كما أثر الاصطفاف السياسي سلباً على كفاءة الصحافة الوطنية، في وقت كانت فيه البلاد بحاجة إلى إعلام مستقل بعيد عن التعبئة والاستقطاب.

الحرب في السودان يجب أن تكون درساً نتعلم منه أهمية الإعلام والصحافة المستقلة، فمتى ما سادت قيم الاستقلالية في هذه المهنة كان ذلك أدعى لبناء بيئة صحية للأداء الإعلامي. كما أن الدور المنتظر من الإعلام المستقل في أوقات السلم وإعادة الإعمار ورتق النسيج الاجتماعي يفوق مهامه في أوقات الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى