حمى الضنك.. حرب السودان “الصامتة”

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ومن منتصف أبريل من العام 2023م كان موعد المواجهة بين الشعب السوداني وتكاليف الحرب الباهظة، والتي تعددت أوجهها وتباينت، وفي كل يوم من أيام الحرب كانت تُفتح جبهات جديدة يخوضها الشعب السوداني الأعزل ضد أعداء معلومين وغير معلومين.

عبقرية الوصف الدقيق للكوارث الصحية كثيرة، إلا أن تسمية “الضنك” لتلك الحمى التي داهمت السودانيين وهم في عز هجير الحرب ووجدتهم بلا نظام صحي يشكل دفاعاتهم المتقدمة، ومضادات تحميهم من قصف الأوبئة المتواصل، وهو النظام الذي دفع تكاليف الحرب مبكرًا، ومع أول زخّة رصاص انطلقت في الخرطوم. وأي مراجعة أجرتها وزارة الصحة كشفت أن الأضرار التي لحقت بالنظام الصحي في المستشفيات والمراكز الصحية والمعامل كبيرة جدًا، وكنتيجة طبيعية للحرب أيضًا هاجر الكادر الطبي المؤهل وتعرض للتشريد، وتفاقمت الأزمة الصحية بتأثير التدني البيئي المريع الذي ضرب المدن، وصار كل شيء مؤهلاً لصناعة وضع صحي كارثي.

(*) حمى الضنك .. الجبهة الصامتة للحرب

بعد اكتمال ثلاث سنوات على الحرب، قد يكون الاهتمام منصبًا ناحية الأرقام التي تقدم إحصاءات القتلى والجرحى والمختفين قسريًا تحت عنوان الضحايا “المباشرين” للحرب، وأن هذه الإحصاءات هي الوجه القبيح للحرب الذي يستدعي التعامل مع أرقامه بنوع من التقدير الكبير لخسائرها، أو تحديدًا التعامل معها بوصفها الأرقام ذات الصوت “العالي”. إلا أن إعلان السلطات الصحية في ولاية نهر النيل مؤخرًا عن تسجيل عدد 173 حالة جديدة بحمى الضنك خلال 24 ساعة، ورصد المرض في السجل التراكمي بوصوله إلى عدد 5113 حالة إصابة مؤكدة بحمى الضنك، على سبيل المثال، يعطينا فكرة عن جبهة أخرى في الحرب تمضي بشكل “صامت”، ولكنه مخيف.

تراكم هذه الحالات وانتقال مشهد الانتشار الوبائي من ولاية إلى أخرى بهذه الطريقة يقول إن النظام الصحي، وعلى هشاشته، يتعرض لما يشبه “شد الأطراف” بلغة الحرب العسكرية، ولم تعد جغرافية هذه الحرب الصامتة يمكن حصرها في جبهات متعددة، وأن “الضنك” قد خرج عن السيطرة، على الرغم من كل محاولات التصدي إليه بتوزيع لقاحات التحصين وتوفير العلاجات.

قد يكون مبررًا جدًا أن تشهد الجغرافيا المتأثرة بالمواجهات العسكرية، والتي كانت ميدانًا للنزاع المسلح، الانهيار التام للنظام الصحي، باعتبار أن المستشفيات والمرافق الصحية كانت، للأسف الشديد، هدفًا عسكريًا على الدوام. إلا أن الإحصاء الدقيق للأرقام التي ذكرناها آنفًا، وتوزيعها وتركزها في محليات شندي والمتمة والدامر بولاية نهر النيل، يقودنا إلى التساؤل عن مسؤوليات وزارة الصحة الاتحادية، التي ظلت تبرر عجزها عن القيام بواجباتها بالحرب، حتى في المناطق الآمنة والمستقرة نسبيًا. فولاية الخرطوم، على سبيل المثال، تم تحريرها قبل أكثر من عام، ومع ذلك لا تزال الأرقام تسجل تصاعدًا كبيرًا في الإصابات.

النزوح والاكتظاظ السكاني في ظل ضعف حملات الوقاية والإصحاح البيئي يشكلان بيئة مثالية لانتشار الوباء، ويضعفان قدرة النظام الصحي على محاصرة المرض، ولا تجدي الحلول المؤقتة نفعًا، ليقف النظام الصحي في مواجهة جبهة القتال الصامتة هذه.

هذا النوع من المواجهات مع مرض مثل حمى “الضنك” يتطلب نظامًا صحيًا قائمًا على “التخطيط” وليس الارتجال وطريقة إطفاء الحرائق. والانتشار والأرقام المتصاعدة لحمى الضنك توضح قصورًا واضحًا في درجة الاستجابة الحكومية ممثلة في وزارة الصحة، وغياب التخطيط يظهر بوضوح في التفاوت الواضح في “الإمداد الدوائي” بين الولايات، ويعكس ضعف التنسيق بين المستويين المركزي والولائي في وزارة الصحة، وعدم رسم خارطة انتشار للمرض تقابلها خارطة توزيع للدواء ومجهودات الإصحاح البيئي.

التمسك بمغالطات عدم انهيار النظام الصحي وادعاء السيطرة على انتشار الأوبئة أعطى مؤشرات سالبة للمنظمات الدولية ذات الاهتمام، وكفَّ يد الدعم المتاح لمساعدة النظام الصحي في السودان في مواجهته لحمى الضنك.

“الفجوة” الكبيرة التي تظهرها نسب التوعية الصحية “37% / 100%” في بعض الولايات تكشف خللًا لدى وزارة الصحة الاتحادية في إدارتها للأزمة التي يصنعها انتشار المرض، وأنها تحتاج إلى مراجعات في النظام تشمل سياسات وقائية مستدامة بدلاً من خطط الطوارئ.

على سبيل المثال، لا توجد خطط لدى وزارة الصحة الاتحادية تستوعب التحديات التي يخلقها الانتشار الوبائي لحمى الضنك في ظل بلد تنتظمه حملات للعودة الجماعية عبر المعابر والمنافذ الرسمية، وهو ما يتطلب من وزارة الصحة التنسيق مع كل الجهات لاتخاذ تدابير احترازية تحد من انتقال المرض والعدوى، ولا يوجد ما يشير إلى أي ملامح تنسيق لتعزيز الرقابة الصحية.

وبغياب كل ذلك يضيق الخناق حول رقبة النظام الصحي السوداني، وبالمقابل يدفع فاتورة ذلك المواطن الذي يعاني أصلاً من ويلات الحرب وارتفاع تكلفة العلاج.

(*) مطلوبات لمواجهة الوباء

في ظل موازنة عامة تعاني كثيرًا بسبب صرف الحرب، يجب ألا تتراجع الصحة وبناء نظامها القوي في أولويات الصرف، لأن جبهة المرض لا يقل تأثيرها عن تأثيرات الحرب. ولو كانت وزارة الصحة تملك إحصاءات واضحة ودقيقة لسجل الوفيات بين المواطنين السودانيين بسبب حمى الضنك، لعرفنا أن هذه الجبهة تحتاج إلى إعلان حالة “الطوارئ الصحية” والتعبئة العامة في وزارة الصحة لتدارك الأمر والحد من انتشاره الكارثي، وفتح “نوافذ” المبادرات الوطنية لمشاركة الوزارة ومساعدتها في استعادة الصحة العامة للنظام الصحي، بدلاً من تناسل المبادرات وتشابهها في موضوعات محددة توفر لها الدعم وتوفرت لها الجهات. ولا بد من أفكار خلاقة في هذا الاتجاه، لأنه وكما قلنا فإن “حمى الضنك” عبارة عن جبهة حرب “صامتة” يتحرك فيها العدو ليضرب رأس المال البشري للسودان، ونريد أن نرى مؤسسات الدولة تتسابق لإعانة الوزارة في هذا التحدي الكبير.

الانفتاح على مؤسسات الدعم الدولي والإقليمي مثل UNICEF واستقطاب الدعم والمساعدة، والسعي لتعويض ما فقده النظام الصحي من كادر مؤهل بالهجرة والنزوح عن طريق فتح فرص التدريب وتوقيع بروتوكولات التعاون الصحي مع الدول الصديقة.

هذه الحرب “الصامتة” والمستمرة مع وباء حمى الضنك يجب أن نضع في الاعتبار فيها أن “المناخ” وظروف البيئة التي تفرضها الحرب تلعبان دورًا في انتشار المرض، ونحن الآن سنستقبل فصول الصيف والخريف، وهذه عوامل ستضيف بالتأكيد أعباءً جديدة على أكتاف وزارة الصحة يجب الانتباه إليها منذ وقت مبكر.

يجب أن تنتبه وزارة الصحة للدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في سياق الحرب على وباء حمى الضنك كشريك أصيل في التوعية بخطورة المرض وسبل الوقاية منه، لأن القاعدة الصحية المهمة تقول إن “الوقاية” تقلل الجهد المبذول في العلاج وتخفض تكلفته. وفي أوقات الحرب هذه، تصبح هذه المسؤولية جماعية وليست حكرًا على وزارة الصحة، التي يجب عليها أن تدير وتستدعي كل معينات استعادة سلامة النظام الصحي في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى