زلزال المليشيا..”النور قبة” تحت المجهر الأمني والسياسي

عميد أمن م. عمر صديق: ضربة قاصمة للمليشيا ومؤشر انهيارها

“قبة” يملك معلومات دقيقة حول خطط وتنظيم التمرد 

د. ميادة كمال الدين: يجب الفصل بين الحق العام بالتمرد على الدولة والحق الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان.. ومبدأ لا إفلات من العقاب

بداية تآكل “سلسلة الثقة” والولاء القبلي الذي ترتكز عليه مليشيا الدعم السريع

تقرير: عبود عبدالرحيم

جاء انسلاخ اللواء النور قبة من مليشيا الدعم السريع واستسلامه للقوات المسلحة، حدثا مزلزلا للمليشيا، فهو أحد أبرز القادة الميدانيين وشارك في قيادة الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، وظهر في عدد من العمليات بمحاور القتال خاصة في دارفور،

ماهي دلالات هذا الاستسلام؟ وماهي تاثيراته على المشهد العسكري لحرب الكرامة؟ هو مزيدا من الانهيار وسط المليشيا تحت ضربات القوات المسلحة، ويفتح الباب امام عودة قادة آخرين، هكذا يقول ضيوف (العودة) خلال هذا التقرير الذي جمع المحلل السياسي والخبير الأمني عميد امن متقاعد عمر صديق البشير، واستاذة العلوم السياسية د.ميادة كمال الدين بجامعة توكات غازي عثمان باشا الحكومية في تركيا، فإلى مطالعة الإفادات التحليلية:

*ضربة قاصمة*

ويقول الخبير الأمني عميد م. عمر صديق البشير ان عودة اللواء النور القبة تمثل ضربة قاصمة للمليشيات المتمردة فهو أحد أهم ثلاثة قيادات ميدانية، خاصة وقد عادت معه مجموعة مقدرة من القيادات مما يعني تسريع استعادة شمال دارفور من ايدي المليشيا المتمردة.

*انهيار وأسرار*

وحول تأثير انسلاخ النور قبة يؤكد عمر صديق في حديثه لصحيفة (العودة) ان استسلام اللواء قبة وقواته تمثل مؤشراً عملياً لإنهيار المليشيا المتمردة كما انها تفتح الطريق واسعاً لعودة واستسلام قيادات أخرى مما سيعجل بتمزيق المليشيا المتمردة.

ويختتم العميد امن م. عمر صديق حديثه مشيرا إلى أن اهم نتيجة لعودة اللواء النور قبة ستكون في مجال مايملكه من معلومات كاملة ودقيقة حول خطط وتنظيم التمرد واطلاعه على كل الأسرار العسكرية للمليشيا.

*ليس حدثاً عابراً*

توجهت (العودة) بالاسئلة حول دلالات انسلاخ وعودة النور القبة ، إلى د. ميادة كمال الدين، أستاذ مساعد، في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة توكات غازي عثمان باشا الحكومية في تركيا، والتي قالت

إنّ مشهد انشقاق قيادات بوزن اللواء المليشي “النور قبة” أحد أبرز القادة الميدانيين والمؤسسين لمليشيا الدعم السريع، وتسليم أنفسهم للقوات المسلحة ليس مجرد حدث عابر، بل هو “ترمومتر” يقيس درجة الغليان والارتباك داخل بنية مليشيا الدعم السريع. وتحولاً استراتيجياً يتجاوز كونه مجرد خسارة عسكرية ميدانية ليشير إلى تصدع بنيوي عميق داخل منظومة التمرد.

*تآكل مستمر*

وفي ردها على السؤال ما إذا كان وصول اللواء قبة يعني بداية انهيار التمرد؟

تجيب د. ميادة قائلة، بل هو عملية تآكل مستمرة، حيث أن استسلام النور قبة، وقبله كيكل، يشير إلى أن المليشيا بدأت تفقد أهم مقومات بقائها المتمثلة في الانسجام القبلي والسيطرة القيادية، لأن تمرد الدعم السريع يعتمد بشكل كبير على الولاءات القبلية، وعندما يقرر قائد في وزن “قبة” الخروج، فهو لا يخرج بمفرده، بل يسحب معه غطاءً اجتماعياً ومقاتلين كانوا يرون في التمرد “قضية”. وبالتالي رغم استمرار المعارك، فإن انشقاق شخصية بوزن النور قُبة يعكس بداية تآكل “سلسلة الثقة” والولاء القبلي الذي ترتكز عليه مليشيا الدعم السريع.

وتتزايد المؤشرات على ذلك من خلال رصد العديد من الأحداث:

اولاً تصدع مراكز القوة: فالانشقاق جاء بعد خلافات حادة مع القيادة العليا حول توزيع المناصب والتراتبية العسكرية، خاصة بعد سيطرة الميليشيا على الفاشر في أكتوبر 2025.

ثانياً تأكل الحاضنة القبلية: الضغوط العشائرية، خاصة بعد الهجمات على منطقة “مستريحة” (معقل قبيلة المحاميد التي ينتمي إليها القبة)، دفعت كبار القادة لإعادة النظر في تحالفاتهم.

ثالثاً تكرار الانشقاقات الكبيرة:

جاء هذا الحدث تابعا لانشقاق سابق ومؤثر للقائد أبو عاقلة كيكل في عام 2024، مما يضعف تماسك المليشيا ككتلة واحدة.

*التأثير الميداني*

اما من ناحية ميدانية تقول د. ميادة كمال الدين: في تقديري يعتبر استسلام القادة بمثابة “ضربة تحت الحزام” للمليشيا لعدة أسباب من بينها اعتبارهم بنك معلومات: فالقادة المنشقون يمثلون “صندوقاً أسود” يحوي تفاصيل خطوط الإمداد، مخازن الذخيرة، ونقاط الضعف الميدانية، مما يمنح الجيش السوداني أفضلية استخباراتية هائلة.

والاستسلام كذلك خسارة عتاد وقوة بشرية: فقد انشق القبة برفقة قوة كبيرة تقدر بنحو اكثر من 50 عربة قتالية بكامل عتادها، ما يضعف القدرة الهجومية للمتمردين في محاور حيوية.

ويؤثر استسلام “قبة” ايضا في تراجع القدرة على المناورة: حيث كشفت الأشهر الأخيرة عن عجز الدعم السريع في الحفاظ على مكاسبه الميدانية، مما اضطره للانسحاب من مدن في إقليم كردفان.

ويأتي التأثير على انهيار الروح المعنوية: لأن تسليم قادة من الصف الأول لأنفسهم يبث حالة من الشك والفوضى داخل الصفوف المقاتلة ويفقد العناصر الثقة في أهداف التمرد.

ويقود ذلك الى تغيير الخارطة: بخروج مناطق كانت تحت نفوذ هؤلاء القادة من دائرة التمرد يتسبب في تقليص المساحات الجغرافية التي تتحرك فيها المليشيا ويحكم عليها الحصار.

*تحديات سياسية وقانونية*

في نفس الوقت تطرح هذه الانشقاقات تحديات سياسية وقانونية معقدة ، على سبيل المثال تحدي المحاسبة (هذه النقطة هي الأكثر حساسية في الوجدان السوداني)، فرغم ترحيب رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالمنشقين في إطار “مسيرة البناء الوطني”، إلا أن هناك أصواتاً شعبية وحقوقية تطالب بمحاسبة المتورطين في انتهاكات واسعة ضد المدنيين، مثل ما حدث في معارك الفاشر. في ذات الوقت تعكس هذه الخطوة تحولاً لدى القادة المحليين من البحث عن “الغنيمة” إلى البحث عن “الشرعية والبقاء” تحت مظلة الدولة والجيش النظامي. وفي تقديري إن الاستسلام واختيارهم الانضمام للشرعية التي تمثل الشعب أي الجيش، قد يمنح القائد ميزة “تخفيف العقوبة” أو “التعاون القضائي”، لكنه لا يجب أن يكون صك براءة من الجرائم ضد المدنيين أينما كان.

*الخيار الصعب*

الدولة الآن أمام خيار صعب، بين تشجيع الآخرين على الانشقاق لتقصير أمد الحرب (وهذا يتطلب نوعاً من الحوافز)، وفي نفس الوقت ملتزمة أمام الشعب بتحقيق العدالة.

في النهاية يجب أن تخضع هذه الحالات لعمليات قانونية شفافة، حيث يجب الفصل بين الحق العام (التمرد على الدولة) والحق الخاص (انتهاكات حقوق الإنسان).

*لا إفلات عن العقاب*

وترى استاذة العلوم السياسية د. ميادة كمال الدين وهي تختتم افادتها التحليلية حول الأثر السياسي لعودة اللواء النور القبة، ان هذه الانشقاقات قد تعيد ترتيب الأوراق، على النحو التالي:

اولا ان استسلام القادة للسلطات الرسمية هو اعتراف ضمني وعلني بأن الدولة ومؤسستها العسكرية هي المرجعية الوحيدة والنهائية.

ثانيا اضعاف الموقف التفاوضي للمليشيا، أي مفاوضات قادمة ستجد فيها المليشيا نفسها في موقف ضعيف، فهي لم تعد تمثل كتلة صلبة، بل كياناً متشظياً يتساقط قادته تباعاً.

وثالثا هذه الانشقاقات قد تفتح الباب لمصالحات قبلية واسعة، خاصة في مناطق دارفور وكردفان، إذا أحسنت الدولة إدارة ملف العائدين من حضن التمرد.

رابعا واخيرا تزيد هذه الانشقاقات من العزلة السياسية لمليشيا الدعم السريع وتضعف موقفها التفاوضي في أي مسارات سلام مستقبلية، مع ترسيخ صورة “التمرد المتفكك” داخلياً.

وبالتالي إن استسلام النور قبة”يمثل حلقة في سلسلة من التراجعات التي تجعل من الميليشيا “عبئاً استراتيجياً” حتى على حلفائها، مما يقرب البلاد خطوة نحو استعادة الدولة لسيطرتها، شريطة إدارة ملف المنشقين بتوازن بين مقتضيات السلم الاجتماعي وضرورات العدالة. في الختام أقول إن استسلام النور قبة وغيره هو “بداية النهاية التنظيمية” للتمرد، لكن حسم المعركة بشكل نهائي يتطلب استثمار هذه الانتصارات السياسية والميدانية لتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، مع التمسك الصارم بمبدأ “لا إفلات من العقاب” لضمان استقرار دائم لا يتأسس على تسويات هشة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى