الكشف عن عرض قطع أثرية سودانية في جوبا داخل الفنادق 

المدير العام المكلف للهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية الدكتورة غالية جار النبي في حوار مع (العودة)

في حرب السودان لم تتوقف الخسارة عند حدود الخراب المادي بل امتدت إلى ما هو أعمق وأشد وجعاً، إلى الذاكرة التي تُنتزع بصمت، لم تكن المتاحف يوماً مجرد مبانٍ تحتفظ بالآثار، بل كانت تحفظ ملامح هوية تشكّلت عبر آلاف السنين، من حضارات كوش وما تلاها. ومع اندلاع الحرب، انفتح باب الفقد على اتساعه، ولم تعد القطع الأثرية محصورة داخل الجدران، بل بدأت مساراتها تتجه خارج البلاد، حيث ظهرت مؤشرات على وجود بعضها في دول مجاورة، بعضها عُرض داخل فنادق أو عبر وسطاء، وأخرى رُصدت في أسواق غير رسمية ومنصات إلكترونية.

ومن هذا المشهد المربك، يتكشف ملف الآثار المنهوبة كأحد أكثر الجراح عمقاً في الواقع السوداني، إذ لا يتعلق الأمر بفقدان مقتنيات فحسب، بل بتشتت ذاكرة كاملة عبر الحدود. في هذا السياق، يأتي حديث الدكتورة غالية جار النبي، المدير العام المكلف للهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية، ليضع أمام الصورة تفاصيل دقيقة عما تم رصده من وجود بعض القطع في دول مجاورة، وعن شبكات التهريب ومساراته، وعن الجهود التي نجحت في استعادة أجزاء من هذا الإرث، مقابل آلاف القطع التي ما تزال خارج السيطرة، في معركة مستمرة لاسترداد ما يمكن من ذاكرة البلاد قبل أن تتسع المسافات أكثر بين الأرض وتاريخها.

«أكثر من 70% من آثار المتاحف السودانية تعرضت للنهب»

«لا قائمة نهائية بعد و البحث الدولي ما زال مستمراً»

«570 قطعة أثرية استُعيدت. وآلاف ما تزال خارج البلاد»

«السودان يعيد بناء منظومة التوثيق وسط حرب تمزق المتاحف»

«توثيق رقمي ثلاثي الأبعاد لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة»

«رصد آثار سودانية في دول مجاورة عبر مسارات تهريب معقدة»

«الآثار ليست مقتنيات بل هوية وطنية تتعرض للاقتلاع»

«دعوة دولية لتشديد الرقابة على عبور وبيع الآثار المنهوبة»

«الإنتربول واليونسكو في سباق مع الوقت لتعقب الآثار المنهوبة»

حاورتها: نشوة أحمد الطيب

س: ما أبرز المستجدات في ملف تتبع واسترداد الآثار المنهوبة، وما حجم الخسائر والتعاون الدولي القائم؟

في خطوات استرداد كنوز السودان الأثرية المنهوبة من قبل قوات الدعم السريع تجاوزت الهيئة العامة للآثار والمتاحف المحاولات المحلية إلى تكوين فريق دولي من الآثاريين بمبادرة من اليونسكو، هدفه مساعدة السودان على إعادة القطع المفقودة. وقد شرع هذا الفريق الدولي في عملية بحث تستهدف استرداد ما يمكن استعادته من آلاف القطع الأثرية التي تم نهبها من متاحف السودان.

وخلال عامي 2025–2026 شهد ملف الاسترداد تقدماً تمثل في استعادة نحو 570 قطعة أثرية كانت منهوبة، بعضها كان في طريقه للتهريب خارج البلاد، وذلك في عملية أمنية معقدة جرت بالتنسيق مع أجهزة الدولة.

وفي إطار التعاون الدولي، تم تعزيز العمل مع الإنتربول واليونسكو منذ عام 2025، بما شمل تتبع القطع المنهوبة عبر قواعد البيانات الدولية، وتدريب كوادر سودانية على مكافحة الاتجار غير المشروع، ودعم عمليات الجرد والتوثيق. كما جرى إنشاء آليات وطنية للتتبع عبر تشكيل لجنة عليا لحماية الآثار وتوسيع نطاق العمل الاستخباري لرصد شبكات التهريب داخلياً وخارجياً.

ورغم هذه الجهود، لا يزال حجم الخسائر كبيراً، إذ تشير التقديرات إلى فقدان آلاف القطع، مع ترجيحات بأن أكثر من 70% من مقتنيات المتاحف والمواقع الأثرية قد تعرضت للنهب خلال النزاع، فيما لا تزال عمليات الحصر مستمرة.

س: هل توفرت معلومات عن أماكن وجود أو عرض هذه القطع خارج السودان، وما هي مسارات التهريب؟

نعم، ظهرت مؤشرات ومعلومات بعضها مؤكد وبعضها قيد التحقق حول مسارات ومواقع هذه الآثار. إذ تشير المعطيات إلى أن جزءاً من القطع تم تهريبه عبر دول مجاورة منذ بداية النزاع باعتبارها نقاط عبور رئيسية، مع وجود مسارات برية عبر غرب السودان باتجاه تلك الدول.

كما وردت تقارير عن جنوب السودان، حيث أشارت معلومات إلى عرض قطع أثرية في مدينة جوبا داخل فنادق أو عبر وسطاء، إضافة إلى نقل شحنات أثرية عبر شاحنات إلى هناك في بداية الصراع.

وفي الوقت نفسه، تم رصد عرض قطع سودانية على مواقع تجارة إلكترونية دولية، وتداولها عبر سماسرة وتجار آثار، وتشمل تماثيل كوشية، فخاراً، مقتنيات ذهبية ونقوشاً مروية. وتشير المعلومات إلى وجود شبكات تهريب عابرة للحدود، وأن بعض القطع ربما دخلت في مجموعات خاصة يصعب تتبعها، دون وجود حتى الآن قائمة رسمية بمواقع عرضها في متاحف دولية، مع استمرار عمليات المتابعة الدولية.

س: ما طبيعة الأرقام المتعلقة بالاسترداد والمفقودات، وهل هناك إحصاءات دقيقة؟

تمكنت السلطات السودانية من استعادة نحو 570 قطعة أثرية كانت منهوبة، بعضها كان في طريقه للتهريب خارج البلاد، وذلك عبر عمليات أمنية معقدة وبالتنسيق مع الأجهزة المختصة.

لكن في المقابل، تشير التقديرات إلى فقدان آلاف القطع الأثرية، مع ترجيح أن أكثر من 70% من مقتنيات المتاحف والمواقع قد تعرضت للنهب خلال الحرب، بينما لا تزال عمليات الحصر والتوثيق مستمرة للوصول إلى أرقام دقيقة ونهائية.

س: ما طبيعة التعاون مع الإنتربول واليونسكو، وما أبرز نتائجه؟

تم تعزيز التعاون مع الإنتربول واليونسكو منذ عام 2025، من خلال تتبع القطع المنهوبة عبر قواعد البيانات الدولية، ودعم عمليات الجرد والتوثيق، إلى جانب تدريب كوادر سودانية على مكافحة الاتجار غير المشروع في الآثار. ويأتي هذا التعاون ضمن جهود دولية متواصلة لتعقب القطع واستعادتها، مع الحاجة إلى مزيد من تسريع التنسيق بين الجهات المختلفة.

س: ما الإجراءات الوطنية لحماية الآثار، وما الوضع داخل المتاحف؟

تم إنشاء لجنة عليا لحماية الآثار، مع توسيع نطاق العمل الاستخباري لرصد شبكات التهريب داخلياً وخارجياً. وفي الوقت ذاته، تعرض المتحف القومي السوداني وبقية المتاحف لعمليات نهب وتخريب واسعة، ولا تزال عمليات الحصر والتقييم مستمرة لتحديد حجم الأضرار بدقة.

س: ما التقنيات والإجراءات المتخذة في التوثيق والحماية؟

جرى إدخال تقنيات حديثة في مجال التوثيق تشمل إنشاء قواعد بيانات رقمية شاملة للآثار، إضافة إلى استخدام التصوير ثلاثي الأبعاد لحفظ وتوثيق المقتنيات. كما تم تعزيز إجراءات الحماية الميدانية للمواقع الأثرية في ظل استمرار الأوضاع الأمنية المعقدة.

س: ما دور المجتمعات المحلية في حماية الآثار؟

تلعب المجتمعات المحلية دوراً مهماً في حماية التراث من خلال نشر الوعي بأهمية الآثار، وتنظيم دورات وورش لتأهيل الشباب في مجالات الحفظ والحماية، إضافة إلى إشراك السكان المحليين في حماية المواقع الأثرية ميدانياً.

س: كيف يتم تقييم استجابة الإنتربول واليونسكو، وما أبرز التحديات الدولية؟

تُقدّر الهيئة الجهود التي يبذلها الإنتربول واليونسكو في دعم مكافحة تهريب الآثار، غير أن هناك حاجة إلى مزيد من التسريع في التنسيق الدولي.

وتواجه عمليات الاسترداد تحديات متعددة تشمل اختلاف القوانين بين الدول، وصعوبة إثبات ملكية القطع، وضعف التوثيق، واتساع السوق السوداء الدولية، إلى جانب بطء الإجراءات القانونية وتفاوت التزام الدول باتفاقية اليونسكو لعام 1970، مع الإشارة إلى أن السودان انضم إلى الاتفاقية بعد الحرب.

س: ما الرسالة الموجهة للدول التي تمر عبرها هذه القطع؟

تؤكد الدكتورة غالية جار النبي أن الآثار ليست مجرد سلع، بل هي جزء من هوية الشعوب وذاكرتها التاريخية، وأن تمرير هذه القطع أو التغاضي عنها يمثل مشاركة غير مباشرة في طمس التراث الإنساني.

وتدعو في هذا السياق إلى تشديد الرقابة الجمركية، والتحقق من مصدر أي قطعة أثرية قبل تداولها، وتعزيز التعاون الدولي لوقف عمليات التهريب واستعادة الآثار المنهوبة.

س: كيف يمكن إعادة بناء قطاع الآثار والمتاحف في السودان؟

تؤكد أن إعادة بناء قطاع الآثار تتطلب خطة شاملة تبدأ بالتوثيق الرقمي عبر إنشاء قواعد بيانات متكاملة واستخدام تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، مروراً بإعادة تأهيل المتاحف والمخازن وتحسين أنظمة الحماية والأمن، وبناء قدرات الكوادر العاملة في مجالات الترميم والتوثيق والإدارة بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات الدولية.

كما تشمل الخطة تعزيز الشراكات الدولية مع اليونسكو والإنتربول لتعقب واسترداد القطع المسروقة، إلى جانب التوعية المجتمعية بأهمية التراث وإشراك المجتمع المحلي في حمايته، فضلاً عن توفير التمويل والدعم الدولي لإعادة الإعمار الثقافي وتشجيع الاستثمار في السياحة الثقافية مستقبلاً.

س: أخيراً، هل ما حدث يمثل تهديداً للهوية الوطنية السودانية؟

ترى الدكتورة غالية جار النبي أن ما حدث لا يقتصر على فقدان مقتنيات أثرية فحسب، بل يمثل تهديداً مباشراً للهوية الوطنية والذاكرة التاريخية للسودان. وتشير إلى أن استمرار تهريب الآثار ورصد بعضها في دول الجوار وفي أسواق غير مشروعة ومنصات إلكترونية يعكس حجم الخطر الذي يواجه التراث السوداني، في ظل استمرار الجهود الوطنية والدولية لاستعادته وحمايته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى