معضلة الديون السودانية.
اشتراطات واشنطن تصطدم بغياب المشروعية والواقع الفني

تقرير: أمين محمد الأمين
أكد خبراء ومحللون أن ملف إعفاء ديون السودان والاندماج في النظام المالي العالمي يتجاوز العقبات الفنية ليصل إلى تعقيدات سياسية مرتبطة بالمشروعية الدولية واستقرار الحكم. وبينما بحث بنك السودان المركزي في واشنطن مسارات استعادة التعاون الدولي، حذر مراقبون من أن الوعود الأمريكية لا تتخطى كونها “جس نبض”، لافتين إلى أن الوصول لـ “نقطة الإكمال” يظل رهينة بوقف الحرب والعودة للمسار المدني.
*تحركات واشنطن*
بحثت محافظ بنك السودان المركزي، السيدة آمنة ميرغني حسن، مع نائب مدير دائرة شؤون أفريقيا بوزارة الخزانة الأمريكية، باتريك ستيوارت، مسارات استعادة التعاون مع المؤسسات الدولية وإعفاء الديون على هامش اجتماعات الربيع. ودعت المحافظ واشنطن للعب دور محوري في وقف الدعم الخارجي للمليشيا لضمان الاستقرار الاقتصادي، فيما رهنت الخزانة الأمريكية دعمها لتطبيع العلاقات مع الصندوق والبنك الدوليين بوقف الحرب وتحقيق الاستقرار.
*نقطة القرار*
أوضح عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي كمال كرار أن السودان كان قد وصل في يونيو 2021 إلى “نقطة القرار” ضمن مبادرة “هيبك”، وذلك عقب تنفيذ سياسات رفع الدعم وتعويم الجنيه، مشيراً إلى أن تلك السياسات ألقت بأعباء ومعاناة كبيرة على كاهل الفقراء ومحدودي الدخل، في مقابل وعود بحزمة إعفاءات من الديون والتقدم نحو “نقطة الإكمال” للحصول على إعفاء نهائي وشامل.
*مسارات معطلة*
ولفت كرار إلى أن الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 أدى إلى تعطيل هذه المسارات بشكل كامل؛ حيث علّق البنك الدولي برامجه، وأوقف صندوق النقد التعاون الفعّال، فيما جمدت الدول المانحة مليارات الدولارات من المساعدات، مؤكداً أن مسار إعفاء الديون توقف عند هذا الحد، واشترطت المؤسسات الدولية عودة الحكم المدني لمواصلة العمليات الفنية.
*انهيار اقتصادي*
وبين القيادي بالحزب الشيوعي أن اندلاع الحرب لاحقاً قاد الاقتصاد نحو تدهور مريع في ظل غياب الدولة والتخطيط الاقتصادي، جازماً بأن الأسباب التي أدت لتوقف مسار إعفاء الديون لا تزال قائمة، خاصة في ظل غياب نظام حكم مدني معترف به عالمياً، وهو ما يجعل الوصول إلى “نقطة الإكمال” مستحيلاً من الناحيتين الفنية والسياسية في الوقت الراهن.
وصفات قاسية
واستبعد كرار نجاح السودان في إقناع صندوق النقد بالعودة إلى مسار “نقطة القرار”، لافتاً إلى أن العودة -في حال حدوثها- تتطلب تنفيذ برنامج مراقبة (SMP) يتضمن إصلاحات قاسية تشمل زيادة الضرائب والأسعار والخصخصة، مؤكداً أن هذه الإجراءات ستضاعف من الضغوط المعيشية على المواطنين السودانيين.
*دعم العملة*
وفي الجانب الفني، نفى كرار وجود دعم مباشر للجنيه السوداني من قبل الصندوق أو البنك الدوليين لتثبيت سعر الصرف، مبيناً أن القروض التي يقدمها الصندوق تخصص لدعم ميزان المدفوعات وتعزيز الاحتياطي النقدي وليس لدعم العملة الوطنية، مشدداً على أن السبب الرئيسي لتدهور سعر الصرف ليس نقص الصادرات فحسب، بل إن السبب هو الطباعة المستمرة للعملة الورقية لتمويل الصرف على الحرب، معتبراً الوعود الأمريكية بمثابة “جس نبض” يخدم مصالح واشنطن أكثر من فائدة الاقتصاد الوطني.
*دروس التاريخ*
وفي سياق متصل يربط بين الذاكرة التاريخية والمأزق الراهن، أشار الباحث والمحلل السياسي صديق محمد عثمان إلى تجربة الفترة الانتقالية (1985-1986)، حين قدم وزير المالية الدكتور عوض عبد المجيد استقالته بسبب معارضة مجلس الوزراء لتوجهاته بقبول وصفات صندوق النقد الدولي، مبيناً أن الكفاءة المصرفية المرموقة للوزير لم تكن كافية لإدارة السياسة العامة في ظل الضغوط النقابية وهشاشة الوضع الأمني آنذاك.
*حكمة سياسية*
وأوضح عثمان أن نجاح انتقال السلطة في تلك الحقبة واستمراره حتى محطة الانتخابات كان بفضل وجود قدر من الحكمة لدى القوى السياسية الرئيسية، لافتاً إلى أنها تمكنت من تجاوز محاولات “العرقلة” التي مارستها قوى يسارية عبر مطالب بإلغاء التشريعات الإسلامية أو حل جهاز الأمن دون ترتيبات مسبقة.
*فراغ المشروعية*
وشدد عثمان على أن السودان يدفع حالياً ثمن غياب القوى السياسية التي تمنح السلطة مشروعيتها، جازماً بأن محاولة معالجة هذا الفراغ بادعاء “المهنية والكفاءة الفنية” فقط لن تؤدي إلا إلى مفاقمة الأزمات الراهنة.
وأكد أن ملف “إعفاء الديون” هو قرار سياسي بامتياز؛ فالدائنون الدوليون يسعون للتعامل مع جهات تملك المشروعية السياسية، ولا ينظرون للوزراء كـ “موظفين” بل كوجه وظيفي لإرادة سياسية متماسكة، متسائلاً عن طبيعة الإرادة التي تقف خلف الحكومة الحالية.
*أزمة الإرادة*
ختاماً، يظهر جلياً أن الفجوة بين الطموحات الفنية لبنك السودان المركزي والاشتراطات السياسية الدولية لا تزال واسعة؛ فبينما تسعى “المهنية” لفتح ثغرة في جدار العزلة، تظل الإرادة السياسية الغائبة وحالة الحرب حائط الصد الأول، مما يضع مستقبل الاندماج المالي للسودان في مهب التوافقات السياسية الكبرى والتحولات الجيوسياسية المرتبطة بمصالح القوى الدولية.



