ردود الأفعال حول قرار مجلس الوزراء عن المشتقات البترولية تتواصل..

خبير اقتصادي: استعادة الملف تصحح المعادلة الشائهة

فاعلون في المجال يرفضون الإقصاء وتحميلهم مسؤولية الفشل

شركات القطاع الخاص توضح: نحن شركاء التنمية لا أطراف الأزمة”

 مزمل الضي: تدخل حكومي لضبط السوق.. ونجاحه مرهون بـ “وفرة الموارد” 

هل ينهي القرار الحكومي حقبة “الأزمات المفتعلة”؟

هيثم فتحي: لا بد من تمكين القطاع الحكومي بشراكة ذكية مع القطاع الخاص

——

في منعطفٍ استراتيجي يهدف إلى استعادة سيادة الدولة على شريان الاقتصاد الوطني، أقر مجلس الوزراء العودة المباشرة لاستيراد المشتقات البترولية؛ خطوةٌ تضع حداً لسنوات من فوضى الأسواق والمضاربات. وبينما تثير هذه الخطوة نقاشاً اقتصادياً محتدماً، تبرز ثلاث رؤى متقاطعة: يرى خبراء أن القرار يمثل تصحيحاً ضرورياً “لمعادلة شائهة” أرهقت سعر الصرف، بينما يضع أكاديميون هذا التدخل تحت مجهر التحديات التمويلية والكفاءة الإدارية، في وقتٍ يشدد فيه القطاع الخاص على موقفه كـ “شريك استراتيجي” لا طرفاً في الأزمة، داعياً إلى إعادة تعريف العلاقة في إطار شراكةٍ تضمن استدامة الإمداد. هذا التقرير يفتح ملف الطاقة في السودان، ويستعرض أبعاد هذا التحول بين الرغبة في الضبط الحكومي، والضرورات التقنية للتكرير، وطموحات القطاع الخاص في استعادة دوره التنموي.

 

تقرير – عماد النظيف

نص القرار

قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة اول امس بالخرطوم، برئاسة الدكتور كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية بشكل مباشر. يأتي هذا القرار في مسعى حكومي جاد لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، على أن تتولى جهات الاختصاص في وزارتي المالية والطاقة، وبنك السودان المركزي، والأمن الاقتصادي تنفيذ القرار، مع توجيهات صارمة للأجهزة الأمنية بحماية الاقتصاد الوطني من التلاعب. وأوضح وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، أن هذا القرار يعكس جدية المجلس في متابعة الشأن الاقتصادي، مؤكداً أنه نافذ اعتباراً من السبت.

قراءة في المجهر الأكاديمي

 

وبالانتقال من التشخيص السياسي إلى التحليل الأكاديمي، يضع الدكتور مزمل الضي، أستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين، القرار تحت مجهر الاقتصاد الكلي. فالقرار من منظور الضي هو “تدخل حكومي” مباشر للسيطرة على سوق يئن تحت وطأة المضاربات التي كانت تمارسها بعض الشركات.

ويفصل الضي في تصريحه لـ “العودة”، أبعاد القرار في خمس نقاط جوهرية: أولها استهداف ضبط سعر الصرف وتخفيض الطلب على النقد الأجنبي، وثانيها تحسن قيمة الجنيه إذا ما توفرت موارد حقيقية (صادرات، ذهب، منح) للاستيراد بدلاً من الشراء من السوق المحلي. أما ثالثها، فهو الأثر الإيجابي المتوقع على التضخم باستقرار أسعار النقل والإنتاج. ومع ذلك، لا يغفل الضي التحذير من مخاطر محتملة كضعف الكفاءة الإدارية، أو احتمالية عودة الخسائر للموازنة العامة إذا لم تُدر العملية بمهنية عالية، مشدداً على أن نجاح القرار مرهون بمصادر التمويل وكفاءة التنفيذ.

شركاء التنمية لا أطراف الأزمة”

 

في المقابل، يؤكد فاعلون في قطاع استيراد الوقود أن دورهم خلال الفترة الماضية كان استراتيجياً لسد فجوات الإمداد، مشيرين إلى أن التحديات التي واجهت عمليات الاستيراد لم تكن ناتجة عن قصور في أدائهم، بل كانت انعكاساً لشح النقد الأجنبي وصعوبة التحويلات المصرفية المركزية. ويرى ممثلو القطاع أن “إقصاء” شركاتهم قد لا يكون الحل الأمثل؛ بل يدعون إلى شراكة حقيقية تضمن توفير التسهيلات اللازمة والبيئة التشريعية المستقرة، مؤكدين أن خبراتهم اللوجستية وشبكات إمدادهم الخارجية تمثل رصيداً وطنياً يمكن توظيفه لخدمة الاقتصاد، بدلاً من الاعتماد الكلي على الآليات الحكومية التي قد تعاني من بطء في اتخاذ القرار أو عجز في مواكبة متغيرات السوق العالمية.

 

نحو استدامة الطاقة

 

وفي تعليقه على القرار، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، أن هذا القرار سيعمل بكفاءة أفضل بكثير من الوضع الحالي، مشدداً على ضرورة أن يصحب القرار رؤية متكاملة تجمع بين ضمان استقرار إمدادات الطاقة وتلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الاقتصادية، وبين التوسع في جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج من البترول، بما يعزز أمن الطاقة ويدعم مسيرة التنمية ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو والاستدامة.

​وأضاف د. هيثم: “من أجل منع حدوث أي أزمة للمشتقات النفطية وإلى الأبد، فإنه لا بد من تمكين القطاع الحكومي من القيام بمهمة شراء وتوزيع واستيراد هذه المشتقات بشراكة ذكية مع القطاع الخاص، مع وجود رقابة صارمة وإجراءات محكومة تمنع الفساد”، مشيراً إلى أن هذه الأزمة ما كانت لتصل إلى هذه الحدة لو كانت هذه الآليات موجودة.

 

​آفاق التعاون الإقليمي ومستقبل التكرير

 

وحول آليات التنفيذ، أشار د. فتحي إلى أن احتياجات السوق المحلية في تزايد مستمر، مما يستوجب التعاون مع دول شقيقة، خاصة دول الخليج والعراق والجزائر وليبيا، والاستعانة بإنتاجها من المشتقات البترولية نظراً لقربها الجغرافي من السودان، ولوجود علاقات سابقة في أنشطة البحث والاستكشاف.

​وأكد الخبير الاقتصادي أن طاقات السودان التكريرية كبيرة، مشيراً إلى أنه “لا مانع من استيراد الخام وبناء مصافٍ جديدة لتكريره؛ فتكلفتة أقل من تكلفة استيراد المشتقات الجاهزة”. ودعا د. هيثم إلى استبدال الموردين الأجانب أو العرب البعيدين بالدول العربية القريبة، نظراً لبساطة شروط التعاقد وتوفير تكاليف النقل.

​وختم د. فتحي بالتأكيد على أن هذا التعاون سيفتح آفاقاً لتكثيف الاستثمارات في قطاعات أخرى بدلاً من استنزاف الموارد في استيراد المشتقات، مما سيمكن الحكومة من تحقيق توازن مستدام بين الإنتاج المحلي والواردات، في ظل استمرار نمو الطلب على الوقود من قطاعات الكهرباء والصناعة والنقل، التي تمثل المحرك الرئيسي للاستهلاك المحلي للطاقة.

تصحيح المعادلة القديمة

 

​في قراءة تحليلية لقرار الحكومة، يرى الخبير الاقتصادي كمال كرار في تصريحه لـ “العودة”، أن القرار يأتي لتصحيح “المعادلة القديمة الشائهة” التي فجرت الأوضاع في قطاع البترول منذ 2020 تحت ستار التحرير الاقتصادي. وأكد كرار أن البترول سلعة استراتيجية ومحرك للاقتصاد، لذا يجب أن تخضع لإشراف الدولة الكامل استيراداً وتوزيعاً لضمان توفرها بسعر عادل. وانتقد كرار نظام “المحفظة” والمجموعات التي احتكرت الاستيراد، واصفاً إياها بكيانات تلاعبت بالأسعار والدولار لخلق أزمات مصطنعة لجني الأرباح. وأضاف: “إذا كان القرار يستهدف عودة سيطرة وزارة النفط، فهو صائب، ويمكن تطويره باتباع اتفاقيات دولية بصيغ الدفع المؤجل أو التبادل التجاري، مع ضرورة ضبط التوزيع لمنع خلق سوق موازية”.

القطاع الخاص: “لسنا أطراف الأزمة”

 

وفي ظل هذه الانتقادات الحادة لآليات السوق السابقة، يرى فاعلون في قطاع استيراد الوقود أن تحميلهم مسؤولية الأزمة هو اختزال مخل. ويؤكد ممثلو القطاع أن دورهم كان استراتيجياً لسد الفجوات في ظروف بالغة التعقيد، متهمين شح النقد الأجنبي وضعف التسهيلات المصرفية بالوقوف خلف الأزمات. وفيما يرفضون منطق “الإقصاء”، يطالب القطاع الخاص بشراكة حقيقية توظف خبراتهم اللوجستية وشبكات إمدادهم الخارجية، مؤكدين أن الحل ليس في استبعادهم بل في توفير بيئة تشريعية مستقرة وتسهيلات بنكية تمنع الاضطرار للسوق الموازي.

نحو ميثاق طاقة وطني

 

إن نجاح هذه العودة الحكومية لا يقاس بقرار إداري، بل بقدرة الدولة على صياغة “ميثاق عمل مشترك” يمزج بين الرقابة السيادية، والبوصلة العلمية للخبراء، والكفاءة اللوجستية للقطاع الخاص. إن الهدف الذي تتطلع إليه صحيفة “العودة” والمواطن السوداني، هو تأمين طاقة مستدامة تحرك عجلة الإنتاج، وتنهي عهداً من التذبذب، لتأسيس اقتصاد وطني معافى من أهواء المضاربات وتحديات الأزمات المفتعلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى