الطاهر الطيب يونس يكتب: وتلك الأوجاع نداولها.. دكتور السيسي… ويا دمعة لا…

هناك حيث تنتصب احياء القاهرة القديمة حيَّةً بتاريخها.. متوشحةً بجمالها الكلاسيكي البهي تتوسط عيادة الدكتور السيسي (طبيب العيون والقلوب ) ذلك المشهد الضاج بالتنوع .. فما أن تطأ احد هذه الأحياء حتى يخيل إليك أنك ارتددت إلى زمن آخر.. زمن أفلام الأبيض والأسود.. والابتهالات الرمضانية قبيل المغيب.. ودروس الشيخ الشعراوي.. وتأملات مصطفى محمود وأحلام الفتى الطائر.. إنها مصر بكل حيويتها وضجيجها وقفشاتها وخفة دمها تختصر تاريخًا ينبض ويتنفس مهما تعاقبت عليه السنين.

حَضرت إلى عيادته بعد أن رتبت لها ذلك مع الاخ والصديق الدكتور السيسي فهي تعاني تورمًا خارج محجر العين اليمنى ترجو شفاءً عز مطلبه في السودان يعيد إليها تمام العافية.. استقبلها كالعهد به بتواضع العالم وثقته فالعيون لعبته (كما يقول المصريين) التي يعرف خباياها وخفاياها ويتقي شراكها وسهامها وهو النطاسي الحاذق والأديب الذي يتذوق قول الشاعر:

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وهن أضعف خلق الله أركانا

لم يستغرق التشخيص أكثر من شربة ماء ليهتدي لموضع العلة وتحديد مكمن الداء وأن الشفاء يقتضي استئصال الغدة الدمعية.

وما أن سمعت ذلك حتي أعترتني حالة من التأمل العميق ووجدتني أتدبر هذا الجزء الصغير من الجسد وبديع صنع الله فيه.. سبحان الله فكم نمر عليه كل يوم مأخوذين بالألفة لا نتوقف ولو لحظة واحدة لنتأمل المنبع الذي خرجت منه دموع صاغت أجمل الصور الشعرية ورافقت أطول ليالي الشوق والانكسار والفقد والوجد والخشية والخشوع.

كيف لا نتأملها ونحن نطرب لقول يزيد بن معاوية:

وأمطرت لؤلؤًا من نرجسٍ وسقت

وردًا…وعضت على العناب بالبرد.

وكيف لا نستحضر رجاءات عثمان خالد وهو يناشد:

يا دمعة لا… لا تنزلي… بكرة الحنين توصلي.

وكيف لا وحسين خوجلي يملأ دواته من مدامعنا وهو يصف طائرة سودانير وهي تحمل جثمان احمد عثمان مكي لحظة هبوطها أنها تنزل دمعة دمعة.

إنها جدلية الدموع.. منبعها واحد لكن مصباتها لا تنتهي. دموع الغربة ودموع الشوق ودموع الحنين ودموع الفرح ودموع الندم. سكبها الشعراء حروفًا قبل أن تسكبها العيون ماءً وبللوا بها الأرض ألمًا وفرحًا وفقدًا ورجاءً.

فهي دمعة الشوق التي تهتف: «يا دمعة الشوق كبي»، وهي الدموع التي شكا منها المغني: «الدموع السايلة مني يا ما سالت حرقتني »، ..وهي عيون الغربة البكّاية.. وهي دموع الخشية التي تنحدر في هزيع الليل الأخير والكل يبكي على ليلاه… والغدة الدمعية واحدة.

فلله درّك يا سيسي حارس هذا الجمال الإنساني كله.. جمال العين التي ترى الدنيا بأجمعها وتمنحنا أصدق لغات القلب… الدموع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى