دبلوماسية الصمود في أوقات المحن: قراءة في الدور التركي وإرث السفير فاتح يلدز بالسودان

بقلم: د. ميادة كمال الدين- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة Tokat Gaziosmanpaşa Üniversitesi –تركيا.
يمر السودان بأحد أكثر المنعطفات التاريخية دقة واستثنائية في تاريخه الحديث، حيث وضعت الحرب المفروضة على الدولة ومؤسساتها الشرعية وشعبها الأبي كافة الفواعل الدولية والإقليمية أمام اختبار حقيقي للمبادئ والشراكات الإستراتيجية. وفي الوقت الذي اختارت فيه قوى عديدة التواري خلف جدار الحياد السلبي أو الانخراط في دعم مشاريع التفتيت، قدمت جمهورية تركيا نموذجاً فريداً ودبلوماسية استباقية بالغة الرصانة، أثبتت من خلالها أن الروابط والتاريخ المشترك بين أنقرة والخرطوم أعمق من تقلبات السياسة العابرة وأصلب من مؤامرات المحاور الإقليمية.
وفي قلب هذا الظرف الاستثنائي المعقد، برز دور السفير التركي الفاضل، سعادة السيد فاتح يلدز، الذي اختتم مؤخراً فترة عمله في السودان والتي امتدت لخمسة وعشرين شهراً مليئة بالإنجازات والتحركات الإستراتيجية والدبلوماسية الهامة. لم تكن هذه الأشهر مجرد فترة تمثيل دبلوماسي تقليدي، بل كانت ملحمة من العمل الميداني الذي نقل العلاقات التركية- السودانية من أطرها البروتوكولية المعتادة إلى مرحلة “تحالف الصمود المشترك” وتثبيت شرعية الدولة السودانية في أحلك الظروف.
*ويمكن تفكيك أبعاد الدور التركي وإرث السفير يلدز الإستراتيجي خلال هذه الفترة وفقاً للمحاور الجيوسياسية والدبلوماسية التالية:
*أولاً: تثبيت الشرعية الدستورية والدبلوماسية للدولة السودانية:*
في الوقت الذي كانت تسعى فيه الآلة الإعلامية والدبلوماسية الغربية والإقليمية المشبوهة لصناعة فرية “أزمة الشرعية” ومحاولة مساواة الجيش الوطني السوداني بالمليشيات الإرهابية المتمردة، اتخذت أنقرة موقفاً مبدئياً حاسماً وقاطعاً بالاعتراف الكامل والدعم المطلق لمؤسسات الدولة الشرعية ومجلس السيادة الانتقالي. وقد تجسد هذا الموقف عملياً وميدانياً في بقاء الدبلوماسية التركية حاضرة وقريبة، ورفضها الانصياع لضغوط تدويل الأزمة أو تمرير مشاريع فرض حظر الطيران الشامل التي كانت تهدف لنزع مخالب القوات المسلحة السودانية. إن الدعم السياسي التركي في المحافل الدولية مثل منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة مثل حائط صد قانوني منيع أمام محاولات تجريم الجيش الشرعي.
*ثانياً: دبلوماسية الصمود الميداني والإنجازات الإستراتيجية:*
لقد قاد السفير فاتح يلدز طوال 25 شهراً حراكاً دبلوماسياً متميزاً اتسم بالتواضع الجَم والنبل الإنساني والمهنية العالية، وهو ما مكّنه من صياغة إنجازات حقيقية على الأرض بالرغم من أتون الحرب وضراوة المعارك:
*1. استدامة العون الإنساني والطبي:
أشرف سعادته على تسيير قوافل المساعدات الإنسانية والطبية التركية الضخمة، ودعم المستشفيات الميدانية في مناطق وولايات عديدة، وضمان استمرار المستشفى التركي بـ (نيالا) في تقديم خدماته بالرغم من التهديدات الأمنية الجسيمة، مما جسد المفهوم الحقيقي لـ “دبلوماسية الإنسان” التي تتبناها أنقرة.
*2. الربط الاستراتيجي وتأمين الجاليات:
أدارت السفارة التركية تحت قيادته واحدة من أنجح عمليات الإجلاء والتأمين المعقدة للمواطنين الأتراك والأجانب والتنسيق اللوجستي عبر الولايات الآمنة، محولةً المقار الدبلوماسية التركية إلى ملاذات آمنة ونقاط ارتكاز وتنسيق عالي الكفاءة مع الأجهزة النظامية السودانية.
*3. تفعيل القنوات الدبلوماسية المباشرة:
نجح السفير يلدز في الحفاظ على وتيرة اتصال استراتيجي رفيع المستوى بين القيادتين في أنقرة والخرطوم، مما أسهم في تفكيك الكثير من حملات التضليل الرقمي وحرب البروباغندا التي شنتها شركات العلاقات العامة الدولية الممولة إقليمياً ضد الدولة السودانية.
*ثالثاً: تعزيز التعاون الأكاديمي والتبادل الثقافي (الروابط الحية):*
بالرغم من ظروف الحرب التي تشنها مليشيا الدعم السريع المدعومة اماراتيا والتي أدت إلى تدمير البنية التحتية التعليمية وتوقف الجامعات في مناطق النزاع، أولت الدبلوماسية التركية اهتماماً بالغاً بملف الطلاب والباحثين السودانيين . من خلال التنسيق العالي مع وزارة التعليم العالي السودانية والجامعات التركية ، تم تسهيل إجراءات المنح التركية (YTB) واستضافة مئات الطلاب لإكمال دراساتهم العليا. كما لم تتوقف الفيزا الطلابية “وإن كانت احيانا صعبة الحصول عليها لاسباب عدة” للطلاب الحاصلين على قبولات للدراسة على النفقة الخاصة في الجامعات التركية الحكومية منها والخاصة. هذا البُعد الأكاديمي لم يكن مجرد دعم تعليمي، بل كان استثماراً إستراتيجياً في العقل السوداني وبناء كوادر “دبلوماسية المستقبل” التي ستتولى ملف إعادة إعمار سودان ما بعد الحرب.
*رابعاً: آفاق المستقبل والمحيط التركي- الروسي (مخرج صانع القرار):*
الخروج النهائي للسودان من فخ الابتزاز الغربي والإقليمي الحالي يتطلب الانتقال بالعلاقات السودانية-التركية من مرحلة إدارة الأزمة الحالية إلى مرحلة “الهندسة الجيوسياسية الشاملة” بالتنسيق والتعاون المشترك مع القوى الدولية الصاعدة وعلى رأسها روسيا.
إن صياغة “معادلة إنقاذ ثلاثية الأبعاد” (الخرطوم – أنقرة – موسكو) تمثل المخرج الإستراتيجي الأمثل لمتخذ القرار السوداني لإحباط مخططات التقسيم وفرض حظر الطيران الشامل:
• توطين التصنيع الحربي والدفاعي: من خلال الاستفادة من التكنولوجيا التركية الرائدة في مجال المسيرات الذكية والأنظمة الدفاعية ومقاومة العقوبات، ونقل هذه الخبرات للتصنيع المحلي السوداني.
• المظلة الدولية والفيتو الحامي: عبر التنسيق العالي مع موسكو في مجلس الأمن لضمان استخدام حق النقض “الفيتو” ضد أي قرار جائر يساوي بين الدولة الشرعية والتمرد، مستندين في الوقت ذاته إلى شبكة النفوذ التركي المتصاعدة في القارة الإفريقية.
• المقايضة الإستراتيجية الكبرى: بتقديم تسهيلات لوجستية واقتصادية حاسمة لكل من تركيا وروسيا في الموانئ السودانية (مثل ملف إحياء جزيرة سواكن التاريخية والمركز اللوجستي)، وفتح الباب أمام استثمارات إعادة الإعمار والطاقة والثروات المعدنية للشركات التركية والروسية في مرحلة الاستقرار القادمة.
خلاصة القول: إن الفبركات الدولية المتلاحقة ضد الجيش السوداني، وآخرها فرية “السلاح الكيماوي”، ليست سوى رقصة الموت الأخيرة لمشروع تدمير الدولة بعد سقوطه عسكرياً في الميدان بفضل بسالة القوات المسلحة والوعي الشعبي العارم. لقد غادر السفير فاتح يلدز السودان جسداً، لكنه ترك خلفه إرثاً دبلوماسياً ناصعاً ومؤسساتياً رسّخ من خلاله أن لجمهورية تركيا في السودان سفيراً ثانياً وأبدياً يحمل قضيته العادلة ويدافع عنها أينما حل. ستبقى الخرطوم صامدة، وستظل الشراكة الاستراتيجية التركية-السودانية صمام أمان جيوسياسي يقلب الطاولة على المتربصين بالسيادة الوطنية.
وفي هذا السياق التوثيقي، تجدر الإشارة إلى الكلمات البليغة التي سطرها سعادة السفير فاتح يلدز في رسالته الوداعية الرسمية، حيث عبر بدقة عن عمق هذه الشراكة قائلاً: “لقد غادرت السودان اليوم بعد 25 شهراً تشرفت خلالها بتمثيل تركيا والشعب التركي، الذي كان من الدول القليلة التي لم تترك السودان وحيداً في أحلك ظروفه وأشد أيامه قتامة. إن السودان الشقيق وشعبه العظيم سيبقى دائماً في عقلي وقلبي”. إن هذا الاعتراف الرسمي من أعلى قمة الهرم الدبلوماسي التركي في الخرطوم يمثل تصفية كاملة لكافة السرديات الزائفة التي حاولت عزل الدولة السودانية دولياً.
وبناءً على هذا الإرث المشترك، فإن الرد الأكاديمي والدبلوماسي السوداني الواجب يقضي بأن نؤكد لسعادته وللخارجية التركية، أن سعادة السفير لم يكن مجرد ممثل سياسي لأنقرة في الخرطوم، بل كان في أكثر الأوقات عاصفية “سفيراً لقلوب السودانيين” .
إن الدعم المؤسسي الراسخ الذي قدمته السفارة التركية طوال فترة الحرب للسودانيين والمؤسسات الأكاديمية السودانية، قد أسهم بشكل مباشر في تحويل هذه المحنة إلى جسر إستراتيجي لتعزيز الروابط التاريخية والعلمية والسياسية بين البلدين، ليبقى السفير يلدز -كما وعد- سفيراً ثانياً وأبدياً لحق الدولة السودانية في كل محفل يحل به، تجسيداً لشعار: “عاشت الأخوة التاريخية الراسخة بين تركيا والسودان”.



