الجنيه يطير بجناحين مكسورين

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
لم يعد انهيار الجنيه السوداني خبراً اقتصادياً عابراً، ولا رقماً جديداً على شاشة الصرافات، فقد صار رقماً يمشي بين الناس في الأسواق والمواصلات والمخابز والصيدليات، ويدخل إلى كل بيت قبل أن يدخله الراتب. وكلما انخفضت قيمة العملة، ارتفعت كلفة الحياة، واتسعت المسافة بين دخل المواطن وما يحتاجه ليعيش حياة تحفظ له الحد الأدنى من الكرامة.
والمشهد لم يعد يحتمل الاكتفاء بتفسير الانهيار بالحرب، أو المضاربين، أو السوق الموازي، أو شح الموارد. الحرب واقع ثقيل، وأثرها على الاقتصاد لا يحتاج إلى برهان، لكن إدارة اقتصاد الحرب أيضاً مسؤولية دولة، ومن يتولى المواقع التنفيذية لا يستطيع أن يطلب من المواطن دفع الفاتورة وحده، ثم يكتفي بتفسير أسباب ارتفاعها.
ولهذا تبدو مساءلة المسؤولين عن الملف الاقتصادي أمراً مشروعاً. لماذا لا يتقدم الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، باستقالته بعد هذا التدهور؟ ولماذا لا يقدم الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية، استقالته في ظل الضغوط المعيشية المتصاعدة؟ ولماذا لا تتقدم الأستاذة آمنة ميرغني حسن التوم، محافظ بنك السودان المركزي، باستقالتها في ظل التراجع المستمر لقيمة العملة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن استقالة ثلاثة مسؤولين ستعيد للجنيه عافيته في صباح اليوم التالي، ولا أن الأزمة من صنع أشخاص بعينهم، لكنها تضع المسؤولية في مكانها الطبيعي. فالمنصب العام ليس امتيازاً دائماً، والسلطة التنفيذية لا تُقاس فقط بما تقوله بياناتها، وإنما بما يراه المواطن في السوق وفي قدرته على شراء احتياجاته الأساسية.
والحلول، في المقابل، لا تبدأ من مطاردة آثار الأزمة وحدها، وإنما من التعامل مع أسبابها. الدولة تملك أدوات السياسة المالية والنقدية، وتملك القدرة على تنظيم السوق، وتوجيه الموارد، ودعم الإنتاج، وتهيئة البيئة التي تسمح للصادر والاستثمار بأن يتحولا من مجرد عناوين إلى موارد حقيقية للنقد الأجنبي.
ومن أبسط البدايات ضبط عائدات الصادر وضمان عودتها إلى داخل السودان عبر القنوات الرسمية. فالصادر ليس مجرد حركة تجارية، وإنما أحد أهم أبواب النقد الأجنبي. وإذا خرجت السلع السودانية إلى الأسواق الخارجية ولم تعد حصيلتها إلى الجهاز المصرفي، فمن الطبيعي أن يستمر شح النقد الأجنبي، وأن يجد السوق الموازي مساحة أوسع للحركة.
وفي الاتجاه الآخر، فإن دعم المنتج الصغير والمزارع والمصنع المحلي ليس ترفاً اقتصادياً. كل سلعة يمكن إنتاجها داخل السودان تعني سلعة أقل تحتاج إلى الاستيراد، ونقداً أجنبياً أقل يخرج من البلاد. وهنا تقع على الدولة مسؤولية واضحة في التمويل والبنية التحتية وتسهيل الإجراءات وحماية الإنتاج، بما يجعل المنتج السوداني قادراً على الاستمرار والمنافسة.
أما إدارة النقد الأجنبي، فلا ينبغي أن تتحول إلى مطاردة متواصلة للسوق الموازي، أو إلى إجراءات تعالج النتيجة وتترك أصل المشكلة. المطلوب هو زيادة موارد النقد الأجنبي وتقليل الطلب عليه من جذوره، وهذا يبدأ من الإنتاج والصادر والاستثمار، ومن جهاز مصرفي قادر على استعادة ثقة المواطنين والمتعاملين معه.
والدولة تحتاج كذلك إلى فريق اقتصادي يعمل بعقلية تتجاوز إطفاء الحرائق اليومية، ويضع سياسات مترابطة للمالية والنقد والإنتاج والتجارة والاستثمار. فالاستثمار لا يأتي بالشعارات، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية، وإجراءات واضحة، وحوافز مدروسة، وضمانات قانونية، وتوجيه حقيقي نحو القطاعات القادرة على زيادة الإنتاج وتقليل فاتورة الاستيراد.
وهناك باب آخر يستحق المعالجة الجادة، وهو توسيع الخيارات في العلاقات المصرفية والتجارية الخارجية. والصين، باعتبارها شريكاً تجارياً مهماً للسودان، يمكن أن تكون جزءاً من هذا التفكير، من خلال تفعيل قنوات المراسلة المصرفية، ودراسة إمكانات التسوية باليوان في بعض المعاملات التجارية، والبحث عن ترتيبات مصرفية أكثر فاعلية تخفف الضغط على الدولار.
وليس المطلوب أن يتحول اليوان إلى بديل للدولار بقرار صحفي، ولا أن تُقدَّم أي عملة باعتبارها وصفة سحرية لإنقاذ الاقتصاد. المطلوب ببساطة أن تبحث الدولة عن كل نافذة يمكن أن توسع هامش الحركة التجارية والمصرفية، وتخفف الطلب على الدولار، وتفتح أمام السودان خيارات أوسع في إدارة تجارته الخارجية.
السودان لا تنقصه الأفكار بقدر ما يحتاج إلى دولة تحول الأفكار إلى سياسات، ثم تتابع تنفيذها وتحاسب على نتائجها. والاقتصاد لا يُدار بالمسكنات وحدها، كما أن قيمة العملة الوطنية لا تُبنى بكثرة الحديث عنها، وإنما بثقة الناس في الدولة، وثقة المستثمر في السوق، وثقة المصدر في الجهاز المصرفي، وثقة المواطن في أن ماله لن يتحول كل صباح إلى ورقة أقل قيمة.
والجنيه السوداني، في نهاية المطاف، ليس ورقة نقدية فقط. إنه مرآة للاقتصاد، وكل شرخ في هذه المرآة يراه المواطن في سعر الخبز والدواء والوقود والتعليم، قبل أن يراه الخبير في جداول المؤشرات.
*ولهوامش السيادة كلمة*
ليس أقسى على المواطن أن ترتفع الأسعار، فهذه الحرب وحدها كفيلة بأن تثقل ظهر أي اقتصاد؛ الأقسى أن يرى الأسعار تصعد بالمصعد، بينما المسؤولية تصعد على الدرج، والاستقالات تبدو دائماً في إجازة مفتوحة.
كلما سقط الجنيه، خرجت لنا حكاية جديدة: السوق الموازي، المضاربون، الحرب، الشائعات، والظروف الاستثنائية. حتى يخيل للمواطن أن الجنيه هو الموظف الوحيد في الدولة الذي ارتكب كل هذه الأخطاء، ولذلك يُعاقَب وحده كل صباح.
أما المسؤولون، فبعضهم يبدو شديد الإيمان بنظرية اقتصادية سودانية جديدة: إذا لم تنجح الخطة، نغيّر اسم الخطة؛ وإذا لم ينخفض الدولار، نشرح للمواطن لماذا ارتفع؛ وإذا ضاق معاش الناس، نطلب منهم مزيداً من الصبر، وكأن الصبر أصبح العملة الوحيدة التي لم يتدهور سعرها بعد.
المشكلة أن المواطن لا يستطيع شراء الخبز بالصبر، ولا دفع فاتورة الدواء بالتصريحات، ولا إطعام أسرته بعبارات الاطمئنان.
وفي بلاد صار فيها المواطن يحتاج إلى آلة حاسبة ليعرف كم تبقى من راتبه بعد أسبوع، يصبح من الطريف جداً أن تظل بعض الكراسي مطمئنة إلى أصحابها، وكأن الأزمة تحدث في بلد آخر، والجنيه المنهار يحمل جواز سفر لا علاقة له بالسودان.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الجنيه كلما فقد قيمة، وجدنا من يدافع عن قيمة الكرسي!
لكن الكرسي، مهما كان وثيراً، لا يستطيع أن يقف أمام السوق، ولا يستطيع أن يقنع الدولار بالعودة، ولا أن يشرح للمواطن لماذا أصبح راتبه مجرد ذكرى جميلة في نهاية الشهر.
الجنيه لا يريد خطبة جديدة، والمواطن لا يريد درساً في الصبر؛ كلاهما يريد دولة تعرف أن المسؤولية تبدأ من أعلى، وأن المنصب الذي لا يستطيع حماية قوت الناس من الانهيار، عليه أن يعرف متى يفتح الباب… ومتى يغلقه خلفه.
أما أن يظل الجنيه يطير بجناحين مكسورين، بينما المسؤولون يتبادلون أعذار الهبوط، فهذه ليست إدارة لأزمة اقتصادية؛ هذه مسابقة في معرفة من يستطيع أن يصل إلى القاع أولاً… الجنيه أم صبر المواطن.



