الطاهر يونس: الأندلس… من صقر قريش إلى صقر برشلونة

منذ أن رثى أبو البقاء الرندي غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس ( بني الأحمر) ، ظلت القصيدة مرثية مفتوحة لا تنتهي حيث مطلعها:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغَرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتَها دُوَلٌ
من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانُ.
ومنذ ذلك اليوم بقيت الأندلس غصّةً في الذاكرة العربية والمسلمة وقصة حضارة عظيمة انتهت حين اطمأن أهلها إلى طيب العيش ونسوا حظا مما ذُكٌر به أسلافهم أن الدول مهما طال عمرها لا تأمن تقلّب الزمان ودموع الحسرة والخزلان .
منذ طفولتي وأنا مفتون بهذه الأرض بعد أن دخلها طارق بن زياد وتداخل فيها العرب والأمازيغ وتعاقبت عليها الدول والفتن والانتصارات والانكسارات وتوالي المنقذين أيام شدتها وكربها ، ففي كل منعطف يظهر رجل يؤخر السقوط ويمنح الأندلس عمرًا جديدًا؛ من الصميل بن حاتم في أيام الفتنة الأولى ( إبان حكم عبدالملك الفهري) إلى عبد الرحمن الداخل صقر قريش الذي أعاد بناء الحكم الأموي وأسس لحضارة عظيمة ثم يوسف بن تاشفين الذي عبر من المغرب لينقذها في الزلاقة من سقوط كان يبدو وشيكًا ليطيب له المكان ويطرد من استنجد به ( المعتمد بن عباد) ويرث كرسي حكمه سنين عددا.
ولأن التاريخ لا تعرف صحائفه مفردة الخلود ..تفتتت الأندلس وتنازعتها اطماع ملوك الطوائف، لينتهي بها المطاف في بئر السقوط علي يد الممالك المسيحية التي وقفت علي بوابة حصن غرناطة في مشهد لم يختصر عظمتها بل دوٌن ذل ادمي القلوب والمآقي لتنطفئ في العام ١٤٩٢ كآخر شمعة في ليل طويل .
ولأن الحضارة لا تنطفئ، ها أنا اليوم أطوف في جغرافيتها من إشبيلية إلى غرناطة، ومنهما إلى قرطبة عاصمة الخلافة ثم طليطلة وأخيرًا مدريد. أتنقل في المكان وكأنني أتنقل في صفحات كتاب قديم أبحث عن أثرٍ تركته تلك الحضارة ولم تستطع القرون أن تمحوه.
في كل مدينة شيء من الحكاية وفي كل زاوية تقريبًا تشعر أن يدًا عربية كانت هنا.
وعندما تقف أمام الحمراء أو تمشي في أزقة قرطبة لا تملك إلا أن تستدعي أحمد شوقي:
أيا نائحَ الطلحِ أشباهُ عوادينا
نشجى لواديكَ أم نأسى لوادينا؟
ولكن يبدو أن الأندلس لا تسمح لك أن تبقى طويلًا في الحزن.
فما إن تغادر سحر قرطبة وغرناطة وإشبيلية حتى تجد نفسك أمام سحر آخر في برشلونة.
هنا لا قصر حمراء ولا جامع قرطبة،،، هنا كامب نو، ،، سفر آخر من التاريخ لم تكتبه السياسة ولا السيوف ،
التاريخ هنا تكتبه اوركسترا الأقدام ينثر سحرها فتى اسمه لامين جمال؛ موهبة صغيرة في العمر، كبيرة في الأثر، تتحرك الكرة بين قدميه كأنها تعرف طريقها قبل أن تصل إليها.
فأجدني أتساءل بدهشة :هل تعيد الأمكنة إنتاج أساطيرها؟
عبد الرحمن الداخل، صقر قريش، جاء إلى الأندلس في لحظة انهيار فبنى دولة وأعاد للأمويين مجدهم.
واليوم في أرض الأندلس نفسها ومن نفس جينات الداخل وربما سلالته يظهر صقر برشلونة ليصنع المتعة.
وبين الصقرين يواصل هذا المكان عادته القديمة: أن يخرج من رحم التاريخ من يدهش العالم ليذكرنا من جديد أن دولة بني أمية لم تغب تماما ولكنها كما في الأساطير تغير ثوبها.
الطاهر الطيب يونس
برشلونة



