محمد حسن كبوشية يكتب: من صنعاء إلى القاهرة.. البحر الأحمر يبحث عن شاطئ آمن

دعاش الخير
في البحر الأحمر لا تبقى النار حيث تشتعل. شرارة في اليمن قد تصل إلى ميناء جدة واضطراب في باب المندب قد يرفع كلفة شحنة خارجة من بورتسودان وسفينة تغيّر مسارها قد تترك أثراً في إيرادات قناة السويس. لذلك فإن ملف اليمن وتطورات الحرب بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن قراءتهما كخبرين منفصلين بل كجزء من امتحان واحد لأمن المنطقة واقتصادها ومستقبل شعوبها.
اليمن ليس مجرد ساحة يتبادل فيها المتحاربون الضربات. إنه بلد دفع أهله من أرواحهم ومعايشهم ثمن حرب طالت أكثر مما يحتمل وطن. وفي الوقت نفسه يقف على أحد مفاتيح الملاحة العالمية. حين تمتد المعارك نحو ساحله وتُهدَّد السفن في البحر الأحمر تصبح سلامة اليمنيين وأمن الممر البحري قضيتين متلازمتين. حماية الملاحة ضرورة لكنها لا تكتمل إذا بقي اليمن نفسه أسير الحرب والانقسام.
وفي هذا المشهد يبرز الدور المحوري لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. فالمملكة معنية مباشرة بأمن حدودها ومدنها ومنشآتها كما أن استقرار البحر الأحمر يدخل في صميم مصالحها الاقتصادية وخططها للمستقبل. لكن قوة الدور السعودي لا تُقاس بالقدرة على الرد وحدها بل بالقدرة على الجمع بين حماية السيادة وفتح الطريق أمام تسوية سياسية قابلة للحياة. هذا طريق صعب يحتاج إلى شراكة يمنية واسعة وضمانات أمنية واضحة وإلى أن يشعر اليمني بأن السلام سيعيد إليه الدولة والخدمات والأمل لا أن يمنحه هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من القتال.
أما الحرب الإيرانية الأمريكية فقد جعلت حسابات الأمن أكثر تعقيداً. كل تصعيد بين واشنطن وطهران يوقظ القلق في الخليج ويرفع حساسية الممرات البحرية للطاقة والتجارة. ومن الخطأ أن نضع كل ما يجري في اليمن داخل هذا الصراع وحده ففي اليمن مظالم وانقسامات ومصالح محلية حقيقية. ومن الخطأ أيضاً أن نتجاهل أثر المواجهة الإقليمية عليه. المطلوب فهم العلاقتين معاً حتى لا يُختزل اليمنيون في دور الوكلاء ولا تُترك المخاطر العابرة للحدود بلا معالجة.
ومن هنا تكتسب القاهرة وزنها. مصر ليست متفرجاً يقف عند الطرف الآخر من البحر. قناة السويس تجعل أمن باب المندب مسألة تمس اقتصادها مباشرة ومكانتها السياسية تمنحها قدرة على وصل المواقف العربية وفتح مساحات للحوار. وقد أكدت مباحثات الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي أهمية حرية الملاحة وأمنها مع دعم الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية. تأثير مصر الحقيقي هنا أن تساعد في تحويل القلق المشترك إلى موقف عملي يحمي السفن ويمنع اتساع الحرب ويسند فرصة السلام.
ثم هناك الضفة التي تغيب كثيراً عن حديث العواصم. القرن الأفريقي. جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان ليست أسماء على خريطة خلف البحر بل دول ومجتمعات تعيش على شواطئه أو ترتبط به في غذائها وتجارتها وأمنها. بالنسبة إلينا في السودان لا يكون اضطراب البحر الأحمر تحليلاً نظرياً. يشعر به المصدر حين يبحث عن حاوية وحين ترتفع كلفة الشحن والتأمين وحين تتأخر البضاعة ويضيق هامش السوق. وأي ضغط على باب المندب قد يعيد رسم مسارات التجارة ويزيد أعباء دول تعاني أصلاً أزمات ثقيلة.
لهذا أرى أن أمن البحر الأحمر يحتاج إلى نظرة أوسع من حماية الممر بالسفن وحدها. يحتاج إلى تنسيق بين ضفتيه وإلى إنصات لمصالح دول القرن الأفريقي وإلى حل في اليمن لا يستثني أهله وإلى ضبط للتصعيد بين إيران والولايات المتحدة قبل أن تصبح المنطقة كلها رهينة لقرار الحرب. للسعودية دور قيادي بحكم موقعها وقدرتها ولمصر تأثير لا غنى عنه بحكم موقعها وثقلها. لكن السلام المستدام يحتاج إلى أن تتلاقى هذه الأدوار مع إرادة يمنية حقيقية وشراكة إقليمية تحترم الجميع.
آخر الدعاش
قد ينجح السلاح في إبعاد الخطر عن مدينة أو سفينة لكنه لا يستطيع وحده أن يطمئن بحراً كاملاً. البحر الأحمر اليوم يسأل قادته سؤالاً أكبر من سؤال القوة. هل يستطيعون حماية الملاحة وحفظ حياة الناس وفتح باب السلام في وقت واحد؟ عند الإجابة عن هذا السؤال يبدأ الأمن الحقيقي ومن شاطئ اليمن إلى شاطئ السودان نعرف جميعاً أن موجة الحرب لا تستأذن أحداً قبل أن تصل.



