علم الدين عمر : دعوا الإعلام يخوض معركته.. وكفوا أيديكم !!

حاجب الدهشة ..
..ومن كرامات الصحافة..ميدانها ومعاركها وسنا مجدها وأشواق انتصاراتها الصغيرة.. أنها تعلمك الحياد والحدة معاً.. وبذلك تورثك توتراً دائماً في المزاج..تصاحبه أمراض القولون العصبي.. إذ قلما تجد وراقاً حقيقياً تدرج في بلاط صاحبة الجلالة من صالات التحرير ودوائر الأخبار والتغطيات مروراً بأقسامها المختلفة ودوائرها المتقاطعة حتى اختلط المداد الأزرق بدمه الأحمر تخضعه المغريات أو تروضه الحادثات فيتخلى عن الحدة والنفور ويرتدي ثوب الذلة والمهانة والانكسار..
ولعل الناظر هذه الأيام للوسط الصحفي والإعلامي يأخذه العجب من انصراف هؤلاء القوم عن شأنهم الرئيس لمعارك جانبية لا تليق بهم ولا بمهنتهم ولا بعشم الناس فيهم..
لكن الأمر فيما يبدو يتجاوز الصحفيين أنفسهم ليطرح سؤالاً واضحاً حول من الذي يدير الإعلام السوداني الآن؟ ومن أين تأتي القرارات والتوجيهات والتدخلات؟ وأين تنتهي مسؤولية الدولة وتبدأ مسؤولية المؤسسات الإعلامية؟..
فالإعلام لا يحتمل كثرة الأيدي التي تمتد إليه من خارج ميدانه.. وحين تتكاثر الجهات والدوائر والمؤسسات والأشخاص حوله وتدخل إليه حسابات السياسة والنفوذ والخصومة الشخصية.. يصبح تدريجياً ساحة لتصفية الخلافات بدلاً من أن يكون ساحة لإدارة المعركة الوطنية..
والأخطر أن تتداخل هذه الدوائر إلى الحد الذي يصعب معه على الصحفي أن يعرف هل هو يؤدي واجبه المهني.. أم ينفذ أجندة جهة ما؟ وهل اختلافه المهني سيُقرأ كممارسة صحفية طبيعية..أم كموقف سياسي يستوجب الحساب؟..
وهنا تبدأ المهنة في دفع الثمن..
لذلك فإن الرسالة الأبلغ في هذه اللحظة هي..دعوا الإعلاميين يديرون معاركهم المهنية بأنفسهم..
أتركوا للصحفيين حق الاختلاف.. وحق النقد..وحق مراجعة مؤسساتهم.. وحق الصراع المهني الشريف حول النقابات والاتحادات والمواقع والرؤى.. لا تستدعوا عليهم الدوائر الخارجية كلما اختلفوا..ولا تحولوا خلافاتهم إلى ملفات نفوذ.. ولا تجعلوا من المؤسسات الإعلامية ساحات خلفية لصراعات لا علاقة لها بالصحافة..
ففي ذلك عافية للمهنة.. وعافية للدولة..
ليس معنى ذلك أن تنسحب الدولة من الإعلام أو تتخلى عن مسؤوليتها تجاهه.. على العكس تماماً.. الدولة مطالبة بأن تضع خطها السياسي والإعلامي على ثوابت واضحة..وأن تحدد مرجعياتها.. وأهدافها.. وخطوطها الحمراء.. وأن تترك بعد ذلك للمؤسسات الإعلامية هامش الحركة المهنية اللازمة لتحقيق تلك الأهداف..
الفرق كبير بين أن تكون للدولة سياسة إعلامية واضحة.. وبين أن يصبح الإعلام محكوماً بسياسات أشخاص ودوائر متنافسة..
لقد أثبت الإعلام السوداني في معركة الكرامة أنه ليس عبئاً على الدولة.. بل كان أحد خطوط دفاعها المتقدمة.. حمل الرواية الوطنية.. وخاض معركة الوعي.. وكشف التضليل.. ووقف في وجه محاولات اختطاف صورة السودان ومستقبله.. ودفع صحفيون وإعلاميون ثمناً مهنياً وإنسانياً باهظاً وهم يؤدون هذا الدور..
اليوم.. بعد أن تغيرت طبيعة المعركة.. لا يجوز أن نخسر الإعلام بسبب صراعات جانبية..
السودان يحتاج إعلاماً يستعيد زمام المبادرة.. إعلاماً يقرأ المجتمع ويستشرف التحولات ولا ينتظرها في (الكريبة) كما يقولون.. ويواجه الشائعات والتضليل بأدوات مهنية ذكية.. ويعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع.. ويلثم شيئاً من جراح الوعي التي خلفتها الحرب..
أما أن يتحول الإعلام إلى مساحة لتسوية الحسابات وصراع النفوذ وتبادل الرسائل بين الدوائر.. فذلك إضعاف للدولة قبل أن يكون إضعافاً للصحافة..
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى عقل إعلامي وطني مستقل في أدواته.. واضح في بوصلته.. ومتصالح مع الدولة دون أن يفقد مهنيته..
لذلك.. دعوا الإعلام لأهله..
لا تخافوا من صحفي يختلف.. خافوا من صحفي لا يستطيع أن يختلف..
ولا تخشوا من إعلام يطرح الأسئلة الصعبة..بل إرتعبوا من إعلام فقد القدرة على السؤال..
فالإعلام القوي لا يصنعه كثرة المشرفين عليه.. ولا كثرة الأيدي الممتدة إلى غرفه.. وإنما تصنعه مهنة حرة.. ومسؤولية وطنية.. وخط دولة واضح..وشراكة متقدمة..
دعوا الصحفيين يخوضون معاركهم.. ففي ذلك عافية للصحافة.. وعافية للدولة.. وربما عافية للسودان الوطن..



